بوادر «ثورة مضادة» إماراتية: درعا لن تسلّم السلاح

قبل أيام قليلة، أطلّ عبر تلفزيون «سوريا» رجل الأعمال السوري المقيم في الإمارات، خالد المحاميد، وهو ابن عائلة معروفة في درعا، ليقول ما مفاده إن تسليم السلاح لإدارة العمليات العسكرية لن يتم إلا بعد تشكيل سلطة تشمل كل المكوّنات السورية، منتقداً أحادية الإدارة السياسية في دمشق، علماً أنه لم يتحدّث باسم أي مكون طائفي كالعلويين أو الدروز، ولا قومي كالأكراد، وإنما باسم مكوّن مصنَّف على أساس مناطقي يخص الجنوب السوري. في المقابل، لم يكن مضيف التلفزيون، المعروف بصبغته الإخوانية، معاذ محارب، كثير الودّ في أسئلته الموجّهة إلى الرجل، والتي بدت اتهامات أكثر منها أسئلة، وإن كان التلفزيون نفسه يحاول أن يواكب «العصر التركي» من خلال تنويع تغطياته وضيوفه ومعالجته قضايا تمسّ السوريين، من مثل مسألة الأعمال الانتقامية ضد «فلول النظام»، وصولاً إلى كون معظم مذيعاته غير محجبات.
والمحاميد هو صهر قائد ما يسمى «اللواء الثامن» المنتشر في الجنوب السوري، أحمد العودة، الذي يحلو لكثيرين القول إنه منافس للقائد العام للإدارة السورية الجديدة، أحمد الشرع، ودخلت قواته دمشق قبل «هيئة تحرير الشام»، وإن كانت قد آثرت الانسحاب منها تاركة إياها للأخيرة. والتخلّي ذاك، لم يكن من باب الترفّع بقدر ما هو من باب معرفة أنه ما كان يمكنها البقاء في العاصمة، على اعتبار أن «الهيئة» هي التي جاءت من الشمال، وأسقطت المدن السورية، واحدة تلو الأخرى، ضمن الزحف الذي غطّته تركيا، مع باقي القصة المعروفة للاتفاقات التي رعتها أنقرة وأدت إلى خروج الروس من المعركة وانسحاب إيران وحلفائها من الأراضي السورية. وعلى الرغم من أنه لا العودة ولا المحاميد ولا كل الفصائل الأخرى في «غرفة عمليات الجنوب» يستطيعون الوقوف علناً ضد المشروع الكبير الجاري في سوريا، وهم سلّموا معبر نصيب الحدودي لـ»إدارة العمليات العسكرية» اعترافاً بصفتها السيادية، ما دامت قد قبلت الابتعاد عن «خصوصية» درعا في الوقت الراهن، إلا أن الوضع القائم في تلك المنطقة يمثّل نموذجاً لنوع الصعوبات التي تواجهها عملية بناء سوريا الجديدة.
خطورة تمنّع درعا عن تسليم السلاح تنبع من أنّها من نفس مكوّن إدارة دمشق
بإمكان إدارة دمشق أن لا تفعل شيئاً إزاء العمليات الانتقامية التي تجري خصوصاً ضد العلويين أو التعديات على المسيحيين، أو محاولات السيطرة على السويداء، على رغم أن عناصر «هيئة تحرير الشام» أنفسهم أظهروا قدراً من الانضباط ميّزهم عن غيرهم من المجموعات المسلّحة، إلا أن تلك الإدارة لا يمكنها استفزاز سكان درعا، وهم شركاء في الانتفاضة ضد الرئيس السابق، بشار الأسد، منذ بدايتها، وينتمون إلى الغالبية في سوريا.
حالة درعا نموذجية لما يمكن أن تشهده سوريا لاحقاً، إذ لم لم تسِر الأوضاع كما يشتهي حكامها الجدد، لأنها تملك كل المقومات التي تجعلها قادرة على «الصمود». فإلى جانب وجود اللواء الثامن وباقي الفصائل الجنوبية التي تملك علاقات تمتد من روسيا إلى إسرائيل، فيها، تمثّل درعا بوابة سوريا إلى العالم العربي، بالنظر إلى أن الحدود مع العراق لا تصلح لمثل هذا الدور راهناً. وفوق ذلك، هي مفتوحة على التمويل، سواء من رجال الأعمال السوريين المقيمين في الخارج، كالمحاميد نفسه، أو بشكل مباشر من دولة كالإمارات التي لم تخفِ عدم إعجابها بالتغيير الذي حصل في سوريا، واتخذت أخيراً إجراءات؛ منها وقف الرحلات الجوية من دمشق وإليها، بعدما كانت قد استأنفتها قبل سقوط النظام. كما أن درعا، بعكس إدلب، هي من المناطق التي جرى ترتيب الأوضاع فيها بعد تحوّلات عام 2015، والتي أذِنت ببداية نهاية الجزء الأول من أحداث «ما بعد الثورة»، وكان للروس دور أساسي في تلك التسويات التي أعطت لدرعا الأمن في ظل وجود الفصائل الخاصة بها، وقدراً من الرخاء الاقتصادي لوقوعها على بوابة سوريا التجارية مع الخليج، وهذا سبب إضافي يجعلها لا تتنازل عن ميّزاتها، إلا إذا تمكّن القيّمون عليها من فرض شروطهم للانضمام إلى العملية السياسية القائمة في سوريا.
وعليه، فإن الأمر الواقع القائم في درعا وفي الجنوب السوري، باستثناء ما احتلّته إسرائيل، مرشح لأن يستمر على الأقل طوال العملية الانتقالية في سوريا، أو حتى يتمكّن الشرع، تحت رعاية تركيا، من توفير صيغة للحكم يشارك فيها الجميع، من دون «المحاصصة» التي يرفضها الأخير، باعتبار أن الاستئثار بالحكم هو المأخذ الرئيسيّ لفصائل درعا على إدارة دمشق. ولكن الوضع في تلك المنطقة قابل لأن يتفاقم إذا تعثّرت العملية الانتقالية في مناطق أخرى مثل الشمال الشرقي، حيث الأكراد، أو محافظة السويداء التي تشكّل مع درعا امتداداً واحداً، أو الساحل، أو أي منطقة أخرى تضم مكوّناً يخشى الاستبعاد.
في حالة انفلات الأوضاع في سوريا، ستجد الدول التي رأت في التغيير الحاصل تهديداً لأمنها مثل الإمارات، التي تتحسّس من أي حكم إسلامي في العالم العربي، أو مصر، باباً عريضاً مفتوحاً للتدخّل المباشر، بما ينسف العملية الانتقالية بكاملها، ويضع سوريا كلها في مهبّ التطورات غير المعروفة عواقبها.