هل تَغيّرت حسابات الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، حيال المواجهة مع إيران بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية، والتي لم يعترف فيها مع أبرز أقطاب إدارته حتى اللحظة؟ من المعروف أن ترامب اعتمد سياسة "حافة الحرب" مع إيران، على رغم "استراتيجية التوريط" التي اتّبعتها النواة الأيديولوجية ــــ العقائدية النافذة في إدارته، والهادفة إلى دفعه نحو صدام مباشر ومفتوح مع طهران. هو انسحب من الاتفاق النووي بناءً على تفاهماته المسبَقة، قبل انتخابه، مع التيارات الوازنة في الحزب الجمهوري والمجتمع الأميركي، وكذلك مع صديقه الحميم بنيامين نتنياهو، وشنّ على إيران حرباً هجينة شرسة تحت مسمّى "الضغوط القصوى"، لكنه تَجنّب الذهاب إلى حرب واسعة على رغم الجهود المحمومة التي بذلتها النواة المذكورة لحمله على استغلال ما اعتبرته فرصاً للقيام بذلك. لم يقم، مثلاً، بردّ مزلزل على إسقاط طهران طائرة التجسّس الأميركية المسيّرة التي انتهكت مجالها الجوي، ولا عند قصف حركة "أنصار الله" اليمنية منشآت "أرامكو" في السعودية، ما أغضب بعض أقطاب إدارته، كجون بولتون، الذي استنتج بأن ترامب يستخدم وجودهم في الإدارة كورقة ضغط، في إطار سياسة تهدف في النتيجة إلى التفاوض مع الجمهورية الإسلامية، وليس إسقاط نظامها أو إضعافه إلى أقصى الحدود. صحيح أنه أقدم، عملاً بتوصيات هذه النواة، على الأمر باغتيال الفريق الشهيد قاسم سليماني، لكن الردّ الإيراني، الحاسم والمضبوط في آن معاً، بقصف قاعدة عين الأسد في العراق، لم يُلتقَط من قِبَله كذريعة للردّ على الردّ وإفساح المجال لتدحرج المواجهة نحو الحرب التي أرادتها. من الواضح اليوم، بعد خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية، أن "حزب الحرب" في الإدارة سيواصل ما قام به قبلها، أي السعي لفرض المزيد من الإجراءات التصعيدية ضدّ إيران، كما تبدّى مِن خلال "سيل" العقوبات الجديدة بحقّها، والتحريض على خطوات أكثر قسوة، يعتقد البعض أنها قد تصل إلى حدّ توجيه ضربات جديدة تؤدي إلى افتعال معركة كبرى معها، ويراهن على أن رغبة الانتقام لدى الرئيس وأمله بـ"ترك بصمته على الوضع الدولي"، وفقاً لتعبير رئيس "مجموعة الأزمات الدولية" روبرت مالي في مقال نشره أخيراً في "لو موند"، سيُحفّزانه على الموافقة على ما اعترض عليه سابقاً. غير أن التعقيدات المرتبطة بالمشهد السياسي العام، الأميركي والدولي، وبحسابات ترامب نفسها، لا تسمح بالجزم بالنسبة إلى الخيارات التي قد يلجأ إليها.
التقدير الدقيق لميزان القوى يحدّ من حماسة إسرائيل لـ «المعركة الفاصلة» في الظروف السائدة حالياً


أول الاعتبارات التي ستحكم قرارات ترامب حيال إيران في الفترة المتبقية له في البيت الأبيض، هي تلك الانتخابية التي طغت دائماً على أيّ حسابات أخرى، قبل وجوده في السلطة وخلاله. إذا كان ينوي الترشّح مجدّداً للرئاسة عام 2024، حسب المعلومات الواردة من الولايات المتحدة، فمِن غير المرجّح أن يقدِم عن سابق تصوّر وتصميم على الاندفاع نحو مغامرة مرتفعة المخاطر والأكلاف ضدّ إيران. فالقسم الأغلب من الـ 71 مليون أميركي الذي صَوّتوا لمصلحته في الانتخابات الأخيرة، على رغم قناعاته العنصرية وكراهيته المنقطعة النظير للمسلمين ولإيران وانحيازه العقائدي إلى إسرائيل، لا يرغب في رؤية الجيش الأميركي يدخل حرباً جديدة باهظة الأثمان بعيداً عن الديار. المفارقة التي يأخذها ترامب بعين الاعتبار هي أن أميركا العنصرية والمتغطرسة الموالية له، هي إياها التي تريد عودة الجنود الى البلاد من مسارح كأفغانستان والعراق وسوريا وعدم الغرق في نزاعات إضافية. فتح معركة مع إيران، وما قد يترتب عليها من نتائج وخيمة، سيفضيان إلى تقويض فرصه في الفوز بالانتخابات الرئاسية بعد 4 سنوات، لأنه سيَحمل مسؤولية هذه النتائج. علاوة على ذلك، فإن ترامب مدرك أن أجندته الشخصية تختلف جذرياً عن الأجندة الأيديولوجية والعقائدية لـ"حزب الحرب"، كما أشار جون بولتون في كتابه الأخير، وأن هذا الحزب لا يأبه لمستقبله السياسي بقدر تمسّكه بتحقيق غايات يراها بعض أقطابه صناعة للتاريخ، وبعضه الآخر إنفاذاً لتكليف ربّاني. سيستمرّ أقطابه في الدفع نحو تشدّد أعلى مع إيران، وسيتجاوب ترامب مع "نصائحهم" وتوصياتهم طالما تَعلّق الأمر بإجراءات عقابية جديدة، تؤدي إلى تعقيد مهمة الإدارة الديموقراطية في سياستها تجاه طهران، وتُشبع رغبته في الانتقام من الأخيرة التي لم تقبل عروضه لـ"صفقة" معها حسب شروطه. لكن، إن هو عَدَل عن مخطّطاته المستقبلية بشكل مفاجئ خلال الشهرين المقبلين، وغَضّ النظر عن الترشّح في المستقبل، وهو ليس بالاحتمال المستحيل مع شخصية غير مستقرّة مثل ترامب، يصبح خطر المبادرة إلى الحرب، أو الانزلاق إليها بسبب خطوة غير محسوبة، كبيراً. في حالة العزوف عن طموحاته الانتخابية، سيصغي على الأغلب إلى مَن يقول له إن التاريخ سيحفظ اسمه على أنه الرئيس الأميركي الذي أنقذ إسرائيل عبر تدمير ألدّ أعدائها.
طرف آخر ينبغي الالتفات إلى دوره في هذه المرحلة الحساسة، وهو رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، صاحب التأثير الهائل على ترامب وفريقه. لا شكّ في أنه، والقيادة العسكرية والسياسية الصهيونية، في حالة هلع حقيقية أمام عملية تطوير القدرات العسكرية والصاروخية لأطراف محور المقاومة، وفي القلب منه إيران. حالةٌ ضاعفها عجزهم عن وقف تلك العملية بـ"عمليات ما دون الحرب" وسياسة "الضغوط القصوى" التي استلهمها "حزب الحرب" الأميركي منهم. هم طبعاً يَتمنّون أن تُحوِّل القوة النارية الأميركية محور المقاومة إلى ركام، غير أن التقدير الدقيق لميزان القوى ولقدرات محور المقاومة على التصدّي للعدوان، وافتقادهم إمكانية تأمين حماية فعّالة للعمق الإسرائيلي من الصواريخ الدقيقة والمُوجّهة، هي عوامل قد تحدّ من حماستهم لـ"المعركة الفاصلة" في الظروف السائدة حالياً. الأمر نفسه ينسحب على المشيخات والممالك الخليجية الهشّة، التي لن تحوّل صفقات طائرات "إف - 35" دون صيرورة مرافقها وبناها التحتية رماداً في حال "فَتْح أبواب جهنم". علاوة على ذلك، فإن مشاركة الإسرائيليين وبعض الأنظمة الخليجية في التحريض على ضرب إيران خلال الفترة الممتدّة إلى العشرين من كانون الثاني المقبل ستكون له انعكاسات غاية في السلبية على علاقاتهم مع إدارة جو بايدن، التي تَعتبر أن أيّ تصعيد يصل إلى الحرب مع إيران هدفه الأول، من منظورها، السعي إلى إدخالها في مآزق، والعمل على إفشال سياساتها منذ اليوم الأول من وصولها إلى سدّة القرار. انحاز هؤلاء لترامب علناً خلال الحملة الانتخابية، لكن مشاركتهم في استراتيجية تخريبية ضدّ الإدارة الجديدة ستكون لها أكلاف بالنسبة إليهم لا يستطيعون تجاهلها مع دولة كالولايات المتحدة. جميع هذه المعطيات تسهم في تعقيد المشهد، وكذلك محاولات استشراف الخيارات التي سيأخذ بها ترامب، لكن الأكيد هو أن المؤشر الأهم الذي قد يتيح إدراكها هو معرفة إذا كان مصرّاً على الترشّح مستقبلاً أو مستعدّاً للعزوف عن ذلك.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا