حالة من اللايقين ترتسم حول مصير أسواق النفط، رغم اتفاق «أوبك +» في نيسان/ أبريل لخفض الإنتاج بواقع 9.7 ملايين برميل يومياً، وكذلك رغم حملة التخفيض الإضافي للإنتاج التي بدأتها السعودية بضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. من جهة، لا تزال آثار «حرب الأسعار» بين الرياض وموسكو تلقي بظلالها، فيما المساعي لتسريع تعافي الأسواق غير واضحة النتائج بعد في ظل توقّع «موجة ثانية» من وباء «كورونا». وعليه، تضع منظمة «أوبك» تقديرات سوداوية حول الأسواق في المدى المنظور.

مع ما تقدّم، برز أمس جديد تمثّل بحصول السعودية على دعم روسي في تحرّكها لما سمّي «تخفيضاً طوعياً» للإنتاج، بقيمة مليون برميل يومياً ابتداءً من حزيران/ يونيو، تحثّ عليه شركاءها المنتجين طمعاً في رفع الأسعار، وهو ما استجابت له سريعاً كل من الإمارات والكويت. في هذا الإطار، أكّد بيان مشترك لوزيرَي الطاقة، السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، والروسي ألكسندر نوفاك، صدر عقب اتصال بين الرجلين، أن البلدين ملتزمان بقوة تحقيق الاستقرار في سوق النفط و«تسريع» إعادة التوازن للسوق. وذكر البيان أن نوفاك رحّب بتخفيضات الإنتاج الطوعية الكبيرة من جانب السعودية، معتبراً أن «مثل هذه الخطوة لازمة للمساهمة في الإسراع بإعادة التوازن للسوق»، مع أنه لم يشر إلى رغبة لدى موسكو في أن تحذو حذو الرياض. الاتصال بين الوزيرين يكتسي أهمية في هذا التوقيت، إذ يقدّم دفعاً لاتفاق «أوبك +» ويبعد احتمال العودة إلى جولة جديدة من «حرب النفط»، في وقت تريد فيه الرياض إرضاء واشنطن برفع الأسعار وكذلك تجنّب المخاطر على اقتصادها الذي تضرّر كثيراً بالواقع الجديد وفرض عليها برنامج تقشّف قاس.
البيان لاحظ «علامات في الآونة الأخيرة على التحسن في مؤشرات الاقتصاد والسوق، وبخاصة نمو الطلب على النفط وتراجع المخاوف بشأن حدود التخزين مع بدء عدة بلدان في أنحاء العالم الخروج من إجراءات العزل العام المشددة». إلا أن هذا «التفاؤل» يصطدم بضبابية تفرضها الوقائع. إذ قادت المخاوف من موجة ثانية من وباء «كورونا» في الدول التي بدأت تتخفف من إجراءات العزل إلى انخفاض أسعار النفط، أمس، رغم الارتفاع الذي كان قد سُجّل إثر إعلان الرياض التخفيض الإضافي للإنتاج. في الأثناء، وبينما يبقى مصير الأسواق الأميركية ضبابياً، سجّل تراجع على خلاف المتوقّع لمخزونات الخام ومخزونات البنزين في الولايات المتحدة في أحدث أسبوع، فيما زاد مخزون نواتج التقطير.

قادت المخاوف من موجة ثانية من «كورونا» إلى انخفاض الأسعار


إزاء مطلب رفع الأسعار، والذي تضغط واشنطن بقوة لتحقيقه، لا تجد الرياض بدّاً من تفعيل حملتها للتخفيض الإضافي، وهي حثّت شركاءها في «أوبك +» على مزيد من التخفيض، بحسب بيان للحكومة السعودية: «المملكة تستهدف من هذه المبادرات حث الدول المشاركة في اتفاق أوبك+ والدول المنتجة الأخرى على الالتزام بنسب الخفض المحدّدة لها، وتقديم المزيد من الخفض في الإنتاج، للإسهام في إعادة التوازن المنشود لأسواق البترول العالمية». وإذ تعهّدت الإمارات بتخفيض إضافي على الاتفاق، بواقع 180 ألف برميل يومياً، أعلنت الكويت تخفيضاً مماثلاً بواقع 800 ألف برميل يومياً.
هذه الإجراءات جميعها تنتظر الاختبار في حزيران/ يونيو، وإن كان ثمّة عوامل قد تؤثّر على تحقيق ما ترغب فيه الدول المنتجة، ولا سيما أزمة «كورونا» والإغلاق والتداعيات على الطلب. في تقريرها الشهري، قلّصت منظمة «أوبك» التوقّعات للطلب العالمي هذا العام، متوقّعة أن يشهد ربع السنة الحالي «الانخفاض الأشد»، بالرغم من تخفيف الدول إجراءات العزل، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية. وتوقّع التقرير انكماش الطلب العالمي 9.07 ملايين برميل يومياً (9.1 في المئة) في 2020. التقرير قرأ مساراً إيجابياً للاتفاق: «الضبط السريع للإمداد للتعامل مع الاختلال الحاد الراهن في سوق النفط العالمية بدأ بالفعل يظهر نتائج إيجابية، إذ من المتوقع أن تتسارع وتيرة التوازن في أرباع السنة المقبلة»، لكنه توقّع أن يصل الطلب على الخام إلى «24.3 مليون برميل في اليوم، وهو أقل بـ 5.6 ملايين برميل في اليوم عن مستوى 2019».