كلّما كانت الصين أكثر صراحةً في شأن فيروس «كورونا»، فشل العالم المذعور في لجم تداعيات هذا الوباء على اقتصاده. ذعرٌ تبثّه واشنطن وتقف إزاء ما يجري موقف المحرِّض والمتفرِّج في آن معاً، بينما يهتزّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ليبيّن ضعف الاقتصاد العالمي أمامه، والذي تضعضع لمجرّد أن فيروساً قاتلاً ظَهر في الصين. باستثناء ردِّ فعلها المبالغ فيه، لم تقدِّم الولايات المتحدة أيّ مساعدة للحدّ مِن هذه الانعكاسات، وإن كانت تؤثّر سلباً في اقتصادها، بل كانت أوّل من قام بإجلاء طاقم قنصليته في ووهان، بؤرة الفيروس، وتحدّث عن سحبٍ جزئي لطاقم سفارته، وفرَض قيود دخول على المسافرين الصينيين. هذا ما تؤكّده وزارة الخارجية الصينية، بينما تشير، في المقابل، إلى تسلّمها معدّات طبّية من حوالى عشر دول، من بينها فرنسا واليابان وتركيا وباكستان وإيران وروسيا والمملكة المتحدة.

منذ بداية الأزمة أواخر العام الماضي، أظهرت الصين استعداداً لمواجهة وباء جديد، وأبلغت العالم في شأن تسلسل الفيروس، غير أن التكاليف الاقتصادية والتبعات الدبلوماسية الناجمة عن تفشّي «كورونا» لا تنفكّ تتصاعد، لتتجاوز كلفتها كلفة الحرب التجارية. ظهر ذلك وخصوصاً بُعيد فتح الأسواق الصينية المُغلقة منذ 24 كانون الثاني/ يناير، بمحو المستثمرين القلقين 400 مليار دولار من قيمة الأسهم الصينية. في هذه الفترة، أي فترة الأعياد، كانت مؤشّرات الأسهم العالمية تراكم خسائرها بسبب المخاوف التي تملّكت المستثمرين من العواقب المحتملة للوباء على النمو في الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث ما زال النشاط الاقتصادي مشلولاً فيها إلى حدّ كبير. وفي هذا الإطار، توقّع العديد من المحلّلين تباطؤاً واضحاً للنموّ الصيني ليبلغ أقلّ من 5% للربع الأول من العام، مشيرين إلى أن قدرة بكين على التعافي قد تكون محدودة في ظلّ ظروف سيئة أصلاً وتراجع في الثقة.

محا المستثمرون القلقون 400 مليار دولار من قيمة الأسهم الصينية


وبعد توقّف دام عشرة أيّام، تراجعت بورصتا الصين القارية، شنغهاي وشينزن، حوالى 8%. وتعدّ المخاوف من الانعكاسات الاقتصادية لفيروس كورونا السبب الرئيس في الانخفاض الأكبر منذ خمس سنوات، على رغم إجراءات المصرف المركزي لطمأنة الأسواق، والذي ضخّ أكبر قدر من السيولة في الأسواق المالية منذ عام 2004، بقيمة 1.2 تريليون يوان (173.8 مليار دولار)، للتصدّي لتداعيات الوباء على الاقتصاد. ويهدف تدخّل «المركزي» إلى الحفاظ على «سيولة معقولة ووافرة» للنظام المصرفي، وكذلك التأكّد من استقرار أسواق الصرف. تراجعُ الأسواق كان متوقّعاً بسبب العطل التقليدية لمناسبة رأس السنة القمرية والتي تمّ تمديدها ثلاثة أيام بسبب الوباء المتفشّي، تزامناً مع فرض الحظر على مدينة ووهان. وفي أول جلسة تداول لهما، أمس، بعد فترة توقّف طويلة، تراجع مؤشّر بورصة شنغهاي 7,72% إلى 2746,61 نقطة، بينما انخفضت سوق المال في شينزن، ثاني بورصة في الصين القارية، بنسبة 8,41% إلى 1609,00 نقطة، ما يمثّل أكبر تراجع لسوقَي المال منذ الانهيار المالي صيف 2015. في موازاة ذلك، تراجعت أسعار أسهم حوالى 3500 شركة أكثر من 10%، العتبة التي تُعلَّق بعدها المبادلات المتعلِّقة بهذه الأسهم بشكل آلي، بحسب تعداد أجرته وكالة «بلومبرغ». ويؤثر الوباء، الذي أودى بحياة أكثر من 350 شخصاً حتى الآن، وهو عدد أكبر من حصيلة ضحايا «سارس» في 2002-2003، على أسواق الصرف والمواد الأولية الصينية التي فتحت أبوابها مجدداً أمس. بدورها، لم تَسْلَم العملة الصينية، إذ تراجعت أكثر من 1,5%، إلى أقلّ من السعر الرمزي المحدَّد بسبعة يوان لكل دولار، بينما تمّ تعليق المبادلات لصفقات الحديد والنحاس والنفط بعد انخفاض تجاوز الحدّ الأقصى المسموح به. ومن إجراءات الحجر إلى تعليق رحلات القطارات وإغلاق معظم المصانع والشركات حتى التاسع من شباط/ فبراير الجاري، تواصل الإجراءات التي اتُّخذت لتطويق الوباء شلّ قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتهدّد سلاسل الإنتاج على مستوى العالم، بينما يشهد الاستهلاك في الصين مرحلة ضغط مع إغلاق المطاعم والمراكز التجارية والتزام الصينيين الخائفين منازلهم.
وانسحبت التداعيات على سوق النفط، الذي سجّل انخفاضاً بعشرة دولارات في الشهرين الأولين من العام الجاري. وواصلت أسعار النفط الهبوط، أمس، متأثرةً بمخاوف في شأن الطلب على الخام في الصين، على رغم أن احتمالات تخفيضات إنتاجية أكبر من منظمة «أوبك» وحلفائها قَدّمت بعض الدعم للسوق. وهبطت عقود خام القياس العالمي، «برنت»، إلى 55.62 دولاراً للبرميل بعد ظهر يوم أمس، بينما تراجع خام القياس الأميركي، «غرب تكساس الوسيط»، إلى 50.98 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى لهما منذ كانون الثاني/ يناير 2019. ويتّجه حلف «أوبك+»، في ما يبدو، إلى خفض الإنتاج النفطي بـ500 ألف برميل إضافية يومياً، بسبب أثر الفيروس التاجي على الطلب. وبحسب مصادر المنظّمة، فإن اجتماعاً وزارياً للمجموعة سيُعقد في 14 و15من الشهر الجاري في فيينا بدلاً من الموعد المقرّر الشهر المقبل، وسيناقش تمديد التخفيضات حتى حزيران/ يونيو، أو ربّما نهاية العام الجاري. في هذه الأثناء، فقد الذهب واحداً في المئة، لينزل عن أعلى مستوى له في نحو أربعة أسابيع، مع تحرّك الصين لحماية اقتصادها من تأثير الفيروس التاجي وصعود الدولار نتيجة لتدفقات على أصول الملاذ الآمن.