تتجلّى استثنائية الحرب السورية في حقيقتَين رئيستَين: الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المهولة التي تسبّبت فيها هذه الحرب، وتحديداً في ما يتعلّق بظاهرتَي النزوح الإنساني والدمار الذي لحق بمكوّنات رأسمال المال، والتحوّلات السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبرى التي تخلّلت سنواتها العشر، وقادت إلى جملة متغيّرات على الساحتين الإقليمية والدولية، لن يكون من السهل تجاوز تأثيراتها في المدى المنظور.

وإذا كانت الفترة الماضية قد سجّلت جهوداً بحثية وأممية متكرّرة، هدفت في جانب منها إلى تسليط الضوء على حجم الكارثة السورية من بوّابة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، ونجحت في ذلك نوعاً ما، فإن الحديث عن التحوّلات الكبرى التي ميّزت العَقد الأول من الحرب، بقي في إطار التوثيق المباشر لمجريات المعارك العسكرية المهمّة، أو المتغيّرات الإقليمية والدولية ذات الصلة، من دون أن تكون هناك مقاربة موضوعية لطبيعة التحوُّلات العميقة غير المنظورة التي كانت تجري توازياً. وهذا ما يتفق معه الدكتور عصام التكروري، رئيس قسم القانون العام في كلية الحقوق في جامعة دمشق، وعضو "اللجنة الدستورية الموسّعة"، الذي يَذكر، في حديثه إلى "الأخبار"، أنه "عند الحديث عن التحوُّلات الكبرى في الحروب، غالباً ما يتمّ تسليط الضوء على التحوُّلات الميدانية، في حين لا تحظى مثلاً التحوُّلات على صعيد القانون الدولي بالاهتمام المطلوب، هذا إذا تمّ تسليط الضوء عليها أساساً".
وفي هذا السياق، يشير التكروري إلى تحوُّلَين مهمَّين على صعيد القانون الدولي: الأول، استخدام واشنطن وحلفائها للقرار 2170/ 2014 كرافعة لارتكاب جريمة العدوان ضدّ الدولة السورية خلافاً لميثاق الأمم المتّحدة؛ إذ إنهم، وبعد أن دعموا بكلّ الوسائل ظهور "داعش"، عمدوا إلى تشكيل "تحالف دولي" بذريعة القضاء على التنظيم، لكن مِن خارج الآلية التي نصّ عليها ذلك الميثاق، والتي اشترطت شرطين أساسيين لشرعية أيّ تدخُّل عسكري يهدف إلى الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وهما أن يتّخذ مجلس الأمن قراراً يعلِن فيه أن وضعاً معيّناً بات يُشكّل تهديداً للأمن والسلم الدوليَين، وأن يمنح تفويضاً صريحاً باستخدام القوة العسكرية تحت إشرافه. لكن الذي حصل هو أن واشنطن اختطفت القرار 2170، ليتّضح اليوم أن هدفه ليس القضاء على "داعش"، بل ضبط تمدّد التنظيم والسيطرة عليه، ومن ثمّ احتلال المناطق التي ينحسر منها، وصولاً إلى احتلال أميركي معلَن لمساحات واسعة من الشمال السوري جنباً إلى جنب مع وجود محدود لـ"داعش".
أمّا التحوُّل الثاني فيتمثّل، بحسب التكروري، في ارتكاب جرائم بالجملة ضدّ الشعب السوري تحت مسمّى "التدابير الاقتصادية القهرية الأحادية الجانب"، المفروضة من الاتحاد الأوروبي منذ 2011، وما يُعرف "بقانون قيصر" الأميركي الذي دخل حيّز التنفيذ في حزيران/ يوليو 2020. تُشكّل هذه الإجراءات خروجاً على ميثاق الأمم المتحدة، لكون النتائج التي أدّت إليها (أكثر من 12 مليون شخص داخل سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، 5.2 ملايين منهم بحاجة ماسّة إلى المساعدات، بحسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2020) تُمثّل جرائم يعاقب عليها ميثاق روما لـ"المحكمة الجنائية الدولية" بوصفها إبادة جماعية، وجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم حرب.

حتلالات وولاءات
صحيح أن سوريا باتت، لأسباب كثيرة، محوراً لتجاذبات دولية، يعتقد البعض أنها قد تكون بداية مخاض لنظام عالمي جديد، إلا أن ذلك أدّى في المقابل إلى تحوُّل كبير في الدور الإقليمي الذي كانت تضطلع به دمشق. وبحسب الكاتب السياسي، مازن بلال، فإن "التحوّل الأساسي في الأزمة السورية هو في انتهاء الدور الإقليمي الذي رافق صنّاع القرار السوري منذ الاستقلال، إذ إن البلاد فقدت فائض السيادة الذي جعل منها دولة محورية، وجعل تأثيرها يتجاوز ممكناتها الجغرافية، فهي اليوم ليست أمام احتلالات عسكرية فقط، بل أمام ولاءات مختلفة تتوزّع باتجاه التركي أحياناً، أو الأميركي ضمن مناطق سيطرة قسد".

شكّلت سوريا محوراً لتجاذبات دولية يَعتقد البعض أنها قد تكون بداية مخاض لنظام عالمي جديد


ويضيف بلال، في حديث إلى "الأخبار"، أنه "في إطار فقدان السيادة أيضاً، يغيب باقي التفاصيل التي جعلت من الأزمة السورية في نهاية المطاف مسألة إنسانية، تراوح بين اللاجئين والنازحين وصولاً إلى مخاطر المجاعة أو الفقر المدقع، فتحوَّل الموضوع السوري إلى مساحة أخرى ضمن الاهتمام الدولي، وباتت الحلول الكبرى للحرب الدائرة مشتّتة ضمن المؤتمرات واللقاءات والورشات". ويتابع أن الحرب "أنهت عملياً ما كان يسمّى التوازن السوري الذي ميّز البلد طوال عقود طويلة، وحافظ على استقرارها بشكل عام، فالمكوّن السوري أصبح اليوم جملة من التوازنات القلِقة بين القوى الموجودة على الأرض، وهذا الأمر سيطيل من عمر الحرب ومعاناة السوريين".
هذا التحوُّل تبلور، أيضاً، في تغيُّر قواعد الاشتباك مع الكيان الصهيوني، الذي استثمر فرصة الحرب لمنح نفسه "الحق" في استهداف العمق السوري بذريعة استهداف الوجود الإيراني ومنع عمليات نقل السلاح المتطوّر إلى حزب الله، وهو ما واجهته دمشق بزيادة تعاونها العسكري مع محور المقاومة من إيران إلى العراق فلبنان بأشكال متعدّدة. في المقابل، باتت واشنطن تتمسّك بوجودها العسكري في المنطقة الشرقية والتنف، بغية تشكيل ضغط عسكري واقتصادي على دمشق، وعرقلة أيّ تواصل جغرافي بين الأخيرة وبين طهران وبغداد وبيروت.

تحوّلات منتَظرة
لا يُتوقع أن يشهد الملف السوري خلال الفترة المقبلة استقراراً كبيراً، إذ إن استمرار التجاذب الدولي والإقليمي حول ماهية الحلّ السياسي المراد الوصول إليه، والتدهور المتزايد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، من شأنهما توفير الأرضية المناسبة لتحوُّلات جديدة. وفي هذا الإطار، يتمنّى التكروري "ألّا يسود التفسير الأميركي للقرار 2254 لعام 2015، لأن الرؤية الأميركية والأوروبية ورؤية العديد من الدول العربية لهذا القرار تقوم على إدماج شرائح خاصة من المعارضات في مؤسسات الدولة السورية تحت عنوان التسوية السياسية، وتحديداً تلك الشريحة التي أثبتت أنها موالية للدول التي أسهمت في خراب سوريا إلى درجة انخراطها في حروب ونزاعات تخصّ تلك الدول، فضلاً عن قتالها ضدّ الجيش السوري، والهدف من تعويم هذه الشريحة من المعارضة هو إحداث طفرة خبيثة تُحوِّل الصراع الميداني إلى صراع مؤسّساتي داخل الدولة". أمّا بلال فيعتقد أن "أخطر ما يمكن أن تتعرّض له سوريا مستقبلاً هو تكريس التوازنات القلِقة التي ظهرت خلال الحرب، وتحوّل جغرافية البلاد إلى جبهة مستمرّة بين الشرق والغرب، بعد أن كانت عقدة اتصال بينهما؛ فالمسائل الإنسانية ومعاناة السوريين هي نتيجة تحوُّل السكّان إلى أصحاب ولاءات إقليمية، وأحياناً محلية تعود إلى مرحلة ما قبل الدول"، معتبراً أن "الأجيال السورية الشابة لن تعرف هذا البلد كما عرفه آباؤها، كدولة قادرة على خلق توازنات صعبة، وبناء أمن متعدّد الجوانب بغضّ النظر عن أيّ اضطراب داخلي وخارجي، والأدوار السياسية والمجتمعية، وربّما عليها الاتجاه إلى بناء ولاء سوري مختلف، قادر على تجاوز مخاطر تحوُّل بلدها إلى منطقة صراع دائم".