دمشق | جاء إصدار رئاسة الجمهورية القانون الرقم 4 لعام 2019، والذي قضى بتعديل 70 مادة من مواد قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي الرقم 59 لعام 1953، بعد ما يقارب أسبوعاً على إقرار هذا القانون في مجلس الشعب. أبرز تعديلات المرسوم أتت مواكبة للتشريعات الدولية، بما يحدّد سن الزواج القانوني للذكر والأنثى بعمر 18 عاماً. الاجتماع بين لجنة الطرح الحكومي مُمثَّلة بوزارتَي العدل والأوقاف، ولجنة الشؤون الدستورية والقانونية في مجلس الشعب مُمثَّلة بعدد من النواب، نجم عنه تحديث نهائي للقانون، وأحيل إلى مجلس الشعب لإقراره. وبالطبع، أقرّ البرلمان السوري المواد المُعدّلة، على رغم تحفظات نقلها بعض النواب العلمانيين في مداخلاتهم على بعض مواد القانون، من بينها المادة 18 التي تعطي للقاضي الشرعي صلاحيات تقدير أهلية كلّ مَن تجاوز 15 عاماً للزواج. وتمثل هذه المادة عقدة يطرحها البرلمانيون في بلاد لا تزال الكثير من مناطقها النائية تُزوّج بناتها وفق «عقد برّاني»، يعقده شيخ لا يرى في تزويج المراهقة أي عائق شرعي.

والخلاصة أن المؤسسة الزوجية السورية كانت لا تزال محكومة بقانون صادر عام 1953، لتصدر التعديلات الأخيرة بما يجعل هذا القانون متكيّفاً مع روح العصر، بعدما كان ترسيخاً لروح «قدري باشا»، القانوني المصري العثماني، الذي عاش حتى نهايات القرن التاسع عشر، واستُمدّت من قانونه قوانين عديدة للأحوال الشخصية القديمة في المنطقة، بما فيها القانون السوري. كما اعتمد القانون في تعديله الأخير كلمة «الزواج» بدلاً من «النكاح»، التي سادت معاملات الزواج في سوريا طيلة العقود الماضية. الكثير من التعديلات التي جاءت في القانون الرقم 4 تتباين حولها آراء الناشطين الحقوقيين.

أهم التعديلات الجديدة
مسيرة المطالبات بتعديل الأحوال الشخصية لم تتوقف حتى خلال الحرب، على رغم فشل جهود مناصري النسوية مراراً في فتح ثغرة في الجدار «الشرعي» المتحكم في قانون الأحوال الشخصية، والذي لم يُعدَّل منذ عام 2003، إلا ليشمل تعديل سن الحضانة. وخلال سنوات الحرب، تم تشكيل لجنة في وزارة العدل عام 2013، برئاسة القاضية آمنة الشماط، وعضوية عدد من الخبراء في هذا الملف، من بينهم الدكتورة إنصاف حمد رئيسة «الهيئة السورية للأسرة» آنذاك. وأنهت اللجنة أعمالها برفع مقترحاتها إلى وزير العدل تمهيداً لعرضها على مجلس الوزراء، قبل إحالتها إلى مجلس الشعب لإقرارها. غير أن الملف اختفى من التداول منذ عام 2014، ليفاجَأ الجميع، بعد صمت سنوات، بخبر في الصحف عن مشروع تعديل القانون، ثم إقرار مجلس الشعب تعديل 70 مادة منه، خلال جلسة واحدة فقط.
هكذا، عبّرت الأستاذة الجامعية إنصاف حمد عن تفاجئها بالتعديل، غير أنها رأت في حديث إلى «الأخبار» أن «مجرد حدوث التعديل حدث يستحق الاهتمام، بعدما كان مجرد التفكير فيه يصطدم بممانعة شديدة ورفض مطلق». وأشارت حمد إلى أن «قانون الأحوال الشخصية بمجمله يحمل نظرة دونية للمرأة، باعتباره يشكل خللاً في المنظومة القانونية السورية، باعتبار بقية قوانين البلاد وضعية لا تستند إلى الشريعة». وفي إضاءة على أهمية بعض المواد المعدّلة، لفتت إلى أن «التعديل إيجابي فيما يتعلق بجواز النفقة على الزوجة رغم اختلاف الدين، بعدما كانت الزوجة المسيحية لا نفقة لها». وأثنت على تعديل مواد عديدة منها المادة 257 المتعلقة بالوصية الوراثية، بعدما كانت تقتصر على أولاد الابن فقط، لتشتمل حالياً أولاد البنت أيضاً، إضافة إلى المادة 54 حول وجوب مراعاة القوة الشرائية للمهر المتفق عليه في عقد الزواج، لحظة استيفائه. كما لفتت إلى «أهمية التعديل المتعلق بإعفاء تثبيت الزواج من الرسوم، في ظلّ وجود حالات كثيرة في الأرياف، ناجمة عن عقود زواج غير مثبتة بسبب الرسوم، ما يجعل الأطفال الناجمين عن هذه الزيجات مكتومي النسب». واعتبرت أن المادة 109 المتعلقة بإمكان رفع المرأة دعوى تفريق بعد عام من غياب الرجل، «من المواد المُعدَّلة الضرورية أيضاً في ظرف البلاد الحالي».

تناقضات مزاج المشرّع
إلا أنه، في ضوء وجود 7 قوانين للأحوال الشخصية، بحسب الطوائف والأديان، يعتبر التعديل الأخير على قانون الأحوال الشخصية غير مفصلي. وعلى اعتبار أن بقية القوانين السورية مدنية تستجيب بمعظمها لمبادئ المساواة، باستثناء قانون الجنسية وبضع مواد من قانون العقوبات، نبّهت حمد إلى أن «قانون الأحوال الشخصية يتعارض مع الدستور السوري المعدّل عام 2012، والواجب تعديل التشريعات النافذة قبله بما يتوافق مع أحكامه خلال مدة 3 سنوات من إقراره». واعتبرت أنه «لا يوجد ضغط دولي لتعديل القانون، بقدر ما هو ضغط لالتزام البلاد بالقانون الدولي وما وقّعت عليه من اتفاقيات دولية، وفق ما يصدر من تقارير لتقييم هذا الالتزام». ولفتت إلى أن «شروط المرأة في عقد الزواج أصبح منصوصاً عليها في القانون، بعدما كانت موجودة ضمناً، ما يعني فعلياً أنها لم تكن ممنوعة».

تقرأ مصادر برلمانية في التعديل الأخير مواكبة للتشريعات الدولية


وأشارت إلى «التناقض في تعديل المادة 128 الذي يقضي باستخدام البصمة الوراثية (DNA) لإثبات النسب، في حين لم يتم اعتماد الوسائل العلمية لتحديد الحمل»، متسائلة عن إصرار المشرّع على «العدّة الشرعية» في حال الطلاق. كما فصّلت الحديث عن مواد تمثل من وجهة نظرها تراجعاً بدلاً من التطور، كالمادة 137 التي تُسقط أهلية الحضانة بعد إتمام الطفل 5 سنوات، في حال الاختلاف في الدين. ورأت أن «أهم المواد التي تتطلب إعادة النظر فيها في الوقت الراهن لم يصبها أي تعديل»؛ إذ لم يقترب المشرّعون مثلاً من المادة 170 التي تجعل ولاية الميراث للعصبة من الذكور، رغم «حضانة الأم التي تعتبر ولية على النفس إنما ليس على المال»، بما يلزمها بإذن الولي قبل التصرف بأموال أولادها. وفي ظلّ غياب الآباء بسبب الحرب، فإن تعديل هذه المادة تلبية لحاجات المجتمع، بحسب حمد. وحول تعديل كلمة «النكاح» في عقد الزواج، ذكرت أن كلمة «الموطوءة» استُخدمت في مواد أُخرى، وهي توازي كلمة «النكاح» تأثيراً. وعليه، شدّدت حمد على أن بدء مسار طويل وجديد للمطالبة بقانون أسرة مدني لكل السوريين هو ما ينتظر المناضلين في سبيل تغيير القانون.

النواب العلمانيون و«العوائق الشرعية»
تقرأ مصادر برلمانية حضرت اجتماع التعديل الأخير بين اللجنتين الحكومية والبرلمانية، في هذا التعديل، مواكبة للتشريعات الدولية، بما لا يعني «ضغطاً دولياً بقدر ما يعني تطوراً». التطور الأشمل المطلوب لم يتمكن نواب الشعب العلمانيون من انتزاع تشريع يقرّه، بحكم أن لا إمكانية لذلك في ظل وجود ما يسمّونه «عوائق شرعية». محاولات تحقيق تعديلات أكبر واجهها التيار المقابل بردّ اعتبرته المصادر «صادماً لكنه واقعي». فبما يخصّ شهادة المرأة، جاء الرد بأن «النص القرآني وارد كما هو. ولا يمكننا تغييره».
وعلى اعتبار أن حضور النواب الممثلين للتيار العلماني في المجلس لا يؤثر على مسار إقرار أي قانون، لأسباب تتعلق بأكثرية عددية تطغى على كل تصويت، ترى المصادر أن الطموحات التي تذهب باتجاه قانون مدني أفضت إلى تحفظات عديدة خلال الاجتماع مع اللجنة الحكومية، ولاحقاً ضمن المداخلات تحت قبة البرلمان. المادة 18 كانت أكثر المواد التي أثارت حفيظة العلمانيين، فتساءلت المصادر عن «الجهة الرقابية على القضاء الشرعي الممنوح صلاحية مطلقة في أن يأذن بالزواج لمن رأى فيهم الأهلية مِمّن هم تحت سن 18 عاماً»، إذ إن أهليتهما الجسدية، والمعرفة في الحقوق الزوجية، تُحدَّدان وفق ما يتبينه القاضي.
انطلاقاً من ذلك، ترى المصادر نفسها أن موعد أي تعديل مقبل مرهونٌ بتشكل «تيار مدني قادر على فرض طروحاته وآرائه في المجتمع بما تنعكس آثاره تحت القبة البرلمانية». وتضيف: «من المستحيل تشكيل (لوبي) علماني تحت القبة، والتعويل على الشارع».

«رسالة إلى الإسلاميين»
من جهتها، توجّه الرئيسة السابقة لـ«الهيئة السورية للأسرة»، منى غانم، انتقادات عديدة للتعديل الأخير وتوقيته، متسائلة إن «سُبق التعديل بطرحه على الجمهور»، مع أخذها بعين الاعتبار استحالة ذلك وسط الاستقطاب السياسي الحاد بين جمهوري الموالاة والمعارضة. وتعتبر غانم أن «عدم طرح التعديل للنقاش مع الجمهور الموالي، وإنما بطريقة الغرف المغلقة، أمر غير مقبول». كما تتساءل عن حق السوريين خارج البلاد في الإدلاء بآرائهم حول هذا القانون، رابطةً «توقيت التعديل بالحديث عن لجنة دستورية جديدة قد تخلق تغييرات أساسية في بنية السلطة الحالية ووضع دستور جديد». وترى أن التعديل جاء بمثابة «رسالة توجّهها السلطة السورية إلى الإسلاميين لطمأنتهم إلى مكانتهم وقوانينهم، وليس استجابة لحقوق الإنسان والمرأة أو النهوض بسوريا تنموياً بعد الحرب، بما يكفل إعطاء المرأة تمييزاً إيجابياً لتقوم بالدور المنوط بها، في ظلّ فقدان الكثير من الرجال سواء في الحروب أو السجون أو الهجرة».
وتلفت غانم إلى النموذج الأتاتوركي في تغيير قوانين الأحوال الشخصية في الدول التي اعتمدت قانون «قدري باشا»، مشيدة بتجارب دول عربية عديدة كان يمكن الاستفادة منها. وتقرأ في التعديل الأخير «رسالة سياسية لبعض الخصوم من أجل الانخراط في اللعبة السياسية التي ستؤدي إلى انتخابات رئاسية». وتعتبر التعديل الشكلي للقانون كـ«تكملة لمشروع وزارة الأوقاف السابق»، مضيفة أن «الانتصار على الإرهاب فرصة تاريخية للانقلاب على القوانين المتخلّفة، والتقدم بركب البلاد إلى العالم العصري. كان أمام السلطة فرصة ذهبية لوضع تصورها الإصلاحي الذي تخاطب مواليها من خلاله، لكن جاء المشروع منفصلاً عن الواقع الأليم الذي تعيشه آلاف الأسر السورية».