قد تكون المصادفة هي صاحبة الفضل الأكبر في وضع ملفّ أحد «حيتان المال» تحت مجهر القضاء في مدينة حلب، لكنّ استكمال التحقيقات وإخضاع (الرجل المتواري عن الأنظار) لسلطة القانون وكشف جميع أوراقه، هي مهمات تحتاج حتماً ما يتجاوز المصادفة، وتضع معادلة «سلطة المال والفساد في مقابل سلطة القانون» أمام اختبار جديد. بدأت الحكاية بورود فاكس (رقم 1323/ ص م تاريخ 8 تشرين الثاني 2017) من قيادة شرطة محافظة حلب إلى مكتب وزير الداخلية السورية، الذي يشرح وجود ملابسات في حالة بناء مخالف للقانون في مدينة حلب القديمة، ويقترح تكليف رئاسة فرع الأمن الجنائي بحلب التحقيق الفوري في الملف.


ردّ مكتب وزير الداخليّة بالكتاب رقم 42445 /م و/8/ 5 1496 تاريخ 9 تشرين الثاني 2017، المتضمن «موافقة السيد وزير الداخلية على المقترح». وتأسيساً على ذلك، كُلِّف «رئيس فرع الأمن الجنائي إجراء التحقيق بإشرافه بالذات نظراً لأهميّة هذا الموضوع». تتمحور القضيّة حول «العقار 3096 مقسم 97 منطقة عقارية سابعة – الجلّوم، أثري تاريخي»، وهو في الوقت الراهن عبارة عن بناء من خمس طبقات بشكل مخالف للنظام العمراني في مدينة حلب القديمة. وبيّنت التحقيقات أنّ البناء المذكور كان في السابق «عبارة عن طبقة واحدة» قبل تغيير أوصافه على الصحيفة العقارية بتاريخ 2 حزيران 2010. واتّضح أن مديرية المصالح العقارية قد استندت في تعديل الأوصاف على كتاب مديرية الآثار والمتاحف بحلب رقم 4409 تاريخ 2 أيار 2010.

تحقيقات... إفادات واعترافات

وفقاً لضبط التحقيق المكوّن من ثماني عشرة صفحة، والذي اطّلعت عليه «الأخبار»، فقد شملت التحقيقات كلّاً من: محمد نعمان منصور، بصفته وكيلاً عن صاحب العقار عماد عيّاش، ومارلين أسعد الموظفة في مديرية الآثار والمتاحف بحلب، بصفتها «مسؤولة عن نقل الملكية وتغيير المواصفات في فترة حدوث المخالفة»، وأحمد خيزران الموظف في مديرية المدينة القديمة، وبسام السيد خليل بصفته «معاون مدير الآثار والمتاحف في حلب وقت حدوث المخالفة»، ماجد زمّار، وأحمد أحمد (تقرّر ترك الأخيرَين ما لم يكونا مطلوبَين لدواعٍ أخرى). فيما يتوارى عن الأنظار كلّ من: محمد براء قاطرجي (رجل أعمال)، محمد عدنان طرقجي (مهندس)، باسل موسى (مهندس)، جورج كشر (مهندس)، ومحمد عمار غزال (مدير المدينة القديمة وقت وقوع المخالفة، والمصروف من الخدمة قبل سنوات لأسباب تمسّ النزاهة). حظي ورود اسم قاطرجي في الملف باهتمام من النيابة العامة، وأكّدت في خلال التحقيقات ثلاث مرّات وجوب التوسع في التحقيق «لجهة دور براء قاطرجي في استحصاله على رخصة تصحيح أوصاف العقار موضوع الضبط».

دور «رجل الأعمال»

بخلاصة الإفادات التي أدلى بها الموقوفون، يتبيّن أنّ «رجل الأعمال» براء قاطرجي (لم يكن ذائع الصيت وقتها) كان قد لعب دوراً محوريّاً في موضوع المخالفة. ويفيد أحمد خيزران بأنّ وكيل صاحب العقار (نعمان منصور) كان قد طلب مساعدته في «تأمين موافقة مديرية الآثار والمتاحف».


مارس المتهم ضغوطاً كبيرة لطيّ الملف ولفلفة القضيّة

عرض خيزران الأمر على «قريبه وصديقه براء قاطرجي» الذي وافق على الأمر ووعد بتأمين الموافقات اللازمة مقابل حصوله على مبلغ مليوني ليرة سورية (نحو 40 ألف دولار وفقاً لسعر الصرف في تلك الفترة). وقد أوردت إفادة منصور المعلومات نفسها بتطابق تام. ووفقاً للإفادات، فقد دفع منصور المبلغ إلى خيزران الذي أعطاه بدوره لقاطرجي، الذي دفع منه مبلغ خمسمئة ألف للمهندسة مارلين أسعد، وأربعمئة ألف لأحمد خيزران (على دفعات). أما إفادة مارلين أسعد، فتقول إنها تعرفت إلى قاطرجي عام 2008 بصفته «صاحب أملاك ومحلات في مدينة حلب القديمة»، وفي عام 2009 طلب منها «العمل على تأمين الموافقات اللازمة لتصحيح أوصاف عقار مخالف» لكنها رفضت. وتتابع الإفادة بالقول إن قاطرجي ألحّ في طلب الأمر، وأعلمها بأنّ له «نفوذ ومعارف في الدولة، وسيقوم بحمايتها في حال حصول أي إشكال»، كذلك عرض عليها مبلغ خمسمئة ألف ليرة سورية، ووعدها بترقيتها «من طريق معارفه ووضعها في منصب مدير الآثار والمتاحف بحلب». وفي عام 2010 أنجزت أسعد المهمّة بالتعاون مع معاون المدير للشؤون الإدارية بسام السيد خليل الذي حصل على مبلغ قدره مئة ألف ليرة سوريّة. وثمة تفصيل لافت في إفادة المذكورة، مفاده أنها بعد شهرين من إنجاز المهمة طلبت من قاطرجي العمل على «نقل المهندس خالد المصري (مدير الآثار وقتها) بسبب سوء معاملته مع الموظفين، ومن أجل أن أتسلّم مديرة مكانه»، وبعد فترة نُقل المصري بالفعل. أما آخر تواصلٍ بين المهندسة و«رجل الأعمال»، فقد حصل قبل أقل من شهر بعد أن استشعرت الخطر من جرّاء «كشف المستور» والبدء في التحقيقات، حيث حاولت الاتصال به مرات عدة، لكنه لم يردّ على اتصالاتها، فأرسلت له رسالة نصية تقول فيها: «الأخ براء العزيز، الأخ منصور نعمان سجين في الجنائية. أرجو التدخل من قبلك بالسرعة القصوى».

«الحوت» متوارٍ عن الأنظار

في خلال السنوات السبع الماضية طرأت تغيرات كثيرة على «مكانة رجل الأعمال»، الذي تحول إلى واحد من الأسماء «اللامعة» بفضل الحرب إلى درجةٍ بات معها ذكر اسمه «مثيراً للرعب». وتفيد مصادر مواكبةٌ لمسار التحقيق في القضية المذكورة أعلاه بأنّ الرجل حاول «ممارسة ضغوطات كبيرة عبر معارف وازنين لطيّ الملف ولفلفة القضيّة»، لكنّ جهوده باءت بالفشل (حتى الآن). ووفقاً لوثائق التحقيق فقد توارى قاطرجي عن الأنظار، أما الموقوفون الذين اعترفوا أوّل الأمر بكل ما نُسب إليهم، وبدور قاطرجي في الملف، فقد عمدوا إلى تغيير أقوالهم أمام قاضي التحقيق والزعم بأنّ «الاعترافات قد انتُزعت منهم تحت الضغط». وتؤكد مصادر قضائيّة لـ«الأخبار» أنّ تغيير الأقوال على النحو المذكور هو «سلوكٌ معهود في حالات مماثلة»، مع الإشارة إلى أنّ «الاعترافات الأوليّة تحظى عادة بثقل أساسي لدى القضاء، إلا في حال ثبوت تعرّض الموقوفين للعنف في خلال استجوابهم وبموجب تقرير طبيبٍ شرعي». وبموجب الملف المفتوح حاليّاً يواجه قاطرجي اتهامين بجرمي: التدخل بالرشوة الجنائيّة، والتّدخل في إتلاف الآثار. بينما يتقاسم المتهمون الخمسة الآخرون اتهامات الرشوة الجنائية والتدخل بها، وإتلاف الآثار وتخريبها.

■ للاطلاع على الوثائق انقر هنا





ملفّات وملفّات

إذا كانت المصادفة قد قادت إلى كشف موضوع العقار المذكور، فثمّة ملفّات كثيرة أخرى ترتبط بـ«رجل الأعمال» وتحيط بها إشارات استفهام كبيرة. من بين تلك الملفّات واحدٌ يتعلق بالتلاعب بالأقماح بالتعاون مع تنظيم «داعش»، وقد نشرت «الأخبار» تحقيقاً مفصّلاً عنه قبل قرابة عام ونصف عام («الأخبار»، العدد 2891) . وقبل شهر سلّطت وكالة «رويترز» الضوء على الملف نفسه. كذلك، ثمة ملفّات عدّة تتعلّق بمبانٍ تاريخيّة وأثريّة في مدينة حلب القديمة، وأهمّها عقارٌ في منطقة «السفّاحية» في حلب القديمة، كان في الأصل حمّاماً أثريّاً متهالكاً يقع مقابل جامع السفاحيّة، قبل أن يتحوّل أخيراً إلى مبنىً من طبقاتٍ عدّة. وتفيد معلومات متقاطعة بأنّ «قاطرجي كان قد اشترى أرضاً بجوار الحمام المذكور قبل الحرب، ثم بدأ في تشييد بناء ضخم تحوّلت بقايا الحمّام الأثري إلى جزء منه، رغم أن الأمر مخالف لقوانين الآثار». اللافت أنّ العمل في تشييد المبنى المذكور استمرّ في سنوات الحرب رغم وقوع المنطقة تحت سيطرة المجموعات المسلّحة، وبعد عودة حلب القديمة إلى سيطرة الدولة السوريّة كانت أعمال التشييد قد دخلت مراحلها الأخيرة. ووفقاً لمعلومات «الأخبار» فقد زارت لجنةٌ آثاريّة مقرّ الأعمال «بعد تحرير حلب بنحو شهرين، وحاولت الوقوف على طبيعة الأعمال المنفّذة، لكنّ بضع مسلّحين محسوبين على رجل الأعمال طردوا اللجنة». ويبدو أنّ اهتمام قاطرجي قد انصبّ أخيراً على قطاع البناء، حيث شارك قبل أربعة أشهر بتأسيس «شركة قاطرجي للتطوير والاستثمار العقاري» التي يمتلك 34% من أسهمها، بينما يمتلك حسام قاطرجي 33% ومحمد آغا قاطرجي 33%.