مقالات للكاتب

جان عزيز

الثلاثاء 21 حزيران 2011

شارك المقال

كيف استحقّ ميقاتي لقب «الأستاذ»؟

منطقي وطبيعي ومفهوم أن يخرج الحريريون عن طورهم في مخاطبة نجيب ميقاتي، إن مباشرة أو مداورة، عبر تفجير باب التبانة، أو تفجير البلد، أو حتى مساجلة ميشال عون. حتى إنهم استجلبوا أسلحتهم الأكثر ثقلاً، فنزل فؤاد السنيورة شخصياً الى السوق المفتوحة، ليقول كلاماً قد يكون الأول في تاريخه، منذ تهجمه ذات يوم من التسعينات على الياس حبيقه في مجلس الوزراء. قبل أن يسارع آنذاك الى الاعتذار الفوري والشديد، على وقع أقدام حبيقه تدور حول طاولة بعبدا، وصوت رفيق الحريري يصرخ مسابقاً تلك الخطوات: اعتذر يا فؤاد...
منطقي أن يكون كل الذعر «المستقبلي» هذه الأيام، هدفه الميقاتي. ففريق قريطم، وخصوصاً السنيورة، يدرك أن ما من جماعة يمكن أن تخسر في لبنان، أو أن تنهزم أو تختفي أو تُقصى أو تُستبعد. فهذا الكيان الغريب العجيب، قائم على توازن ثابت لا ينتج من اهتزازه إلا عودته الى توازنه. وحدهم الأشخاص يخسرون في هذا النظام. خصوصاً في حالتين: حين يخرجون عن جماعاتهم، أو حين يتوهمون أنهم باتوا يختزلونها. ففي الحالة الأولى يضحون في أزمة مع ناسهم، ما يُفقدهم سريعاً مصدر شرعيتهم. وفي الحالة الثانية يصيرون في أزمة مع كل الناس الآخرين، فتضطر جماعتهم الى التبرؤ منهم، حتى لا تصير أزمة فرد أو مأزقه، أزمة جماعة أو مأزقها.
هكذا، يدرك الحريريون، والسنيورة خصوصاً، أن أهل السنة في لبنان لم يخسروا. ولا يمكن أن يفعلوا. كل ما حصل أن الفريق الحريري هو من خسر. وأن نجيب ميقاتي قد فاز.
غير أن تدقيق الحريريين أكثر في تلك الواقعة، يفسر تلك الحالة الانفعالية الراهنة.
أولاً، جاءت الصدمة مفاجئة أو حتى مباغتة. فصباح الاثنين في 13 حزيران، يوم صعد ميقاتي الى قصر بعبدا ليعلن حكومته، كان الحريريون في استرخاء الى استدامة مأزق خصومهم، واستمرار تراكم نقاطهم.
ثم جاءت ردود الفعل الخارجية: السفير السعودي من أول المهنئين قبل أن يستقل سيّد السرايا الجديد طائرته الى بلد الحريري الثاني. بعدها كرّت سبحة ردود الفعل الغربية باهتة خجولة باردة. لا تحذيرات ولا تهديدات ولا تهويلات، ولا حتى كلام عن مصارف وودائع ووظائف... كل هذا السياق ولّد ربما لدى الحريريين انطباعاً بأن ميقاتي نجح. لا بل فاز. أو حتى انتصر. وصولاً الى إحساس دفين لدى هؤلاء ربما، بأنه «ظبطت» معه. أي تحديداً أنجز ما لم يتمكن الحريريون من إنجازه. لا الولد وحسب، بل حتى الوالد أيضاً.
وفي جردة لما يعتقد الحريريون أن ميقاتي أنجزه، نقاط كثيرة، معظمها يتستر عليه المعنيون به، إذ لا مصلحة لأي منهم ربما في تظهيره.
اتهموا حكومته بالشيعية؟ فجاءهم بأول أرجحية وزارية سنية منذ الستينات. أرجحية تحمل في طياتها توحيد طرابلس في قوة حكومية واحدة، قادرة نظرياً على أن تتحول قوة انتخابية بعد عامين، مما يهدد الحريرية باحتمال فقدانها أكثريتها على نحو دائم وثابت. (مع الملاحظة ههنا، أن لطرابلس على ما يبدو سبعة وزراء لا ستة. ذلك أن وزير التربية حسان دياب، طرابلسي أيضاً، اعتمد الصمت حيال طرابلسيته، حرصاً على صورة التمثيل البيروتي في الحكومة). اتهموا حكومته بأنها سورية؟ فبادر على ما يبدو الى تبديل اسم وزير الحزب القومي، من دون علم أي من أوليائه. ولو لمجرد إمرار الرسالة، بأن «الأمر لي». اتهموه بالخضوع لميشال عون؟ فرد بإنجاز تشكيلته من دون المرور بالرابية. لا بل مع تعمده إجراء تبديل مماثل في اسمي حقيبتي الاتصالات والثقافة، في اللحظة التي سبقت تلاوة سهيل بوجي للمراسيم. ومن ثم عبر التشكيلة الأولى للجنة البيان الوزاري، قبل أن تُحل تلك القطبة المخفية التي قيل إنها مرتبطة بسر ما في العلاقة بين ميقاتي وجبران باسيل.
وصولاً الى استقالة طلال إرسلان، التي شكلت ذروة في فرض ميقاتي لسلطته ومهابته وحضوره. مما لم تعرفه الحريرية يوماً، ولداً عن والد. فشكَّل «الأسف» الإرسلاني مدخلاً إلزامياً لمعالجة غير مسبوقة في تاريخ رؤساء الحكومات. هذا التاريخ الذي حفظ في تاريخه صورة نائب المتن أمين الجميّل وهو يمسك بسترة رشيد الصلح في جلسة مجلس النواب، أو صورة مروحية رشيد كرامي تهوي، أو صورة شقيقه عمر «يُستقال» مرتين، او صورة الحريري الوالد مسلماً مفاتيح العاصمة الى الغازي. أو صورة السنيورة معتذراً لاهثاً للوصول الى جلسة التمديد لإميل لحود، قبل أن يستهدي بعد عامين الى وجنات كوندي...
وسط كل هذا، تُفهم الحالة الحريرية الراهنة. ففي مواجهتهم خصمٌ استحق حتى اللحظة، في الهجوم كما في الدفاع، في المفاوضة وفي المخالصة، في الأزمات وفي الحلول، لقب «أستاذ». بينما الانطباع المقابل أنّ ثمة من تحول ولداً كسولاً، يختلق الذرائع اليومية ليتغيب يومياً عن الصف...

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي