ميقاتي يستوعب ضربتين من المستـقبل: هل «يُفرمل» الثالثة؟

السرعة التي عالج بها الرئيس نجيب ميقاتي الاشتباكات الواقعة بين باب التبانة وجبل محسن، عكست انطباعاً مستجداً غير معهود عنه. فاستغراقه 141 يوماً كي يؤلف حكومته، أعطى إشارة مبدئية إلى أن الرجل يعتزم السير على خطى السلحفاة في مقاربة الأمور ومعالجتها.
لكن هذا الانطباع عنه سرعان ما تلاشى تدريجاً، عندما جمع ميقاتي وزراء طرابلس الأربعة حوله في مؤتمر صحافي رُتِّب على عجل، ليوجه من خلاله رسائل بالغة الدقة. فميقاتي رأى أن الرسائل الأمنية ـــــ السياسية وُجهت إليه وإلى وزراء طرابلس، من خاصرة المدينة الرخوة، قبل ساعات قليلة من انطلاق حفلي استقبال شعبيين في المدينة، لمناسبة حصول عاصمة الشمال على حصة وازنة وغير مسبوقة في الحكومة.
في مؤتمره الصحافي، نطق ميقاتي بكلمات قليلة، لكنها كافية كي تصل إلى خصومه، نظراً إلى ما حملته من مضامين عدة، وإن جاءت مبطنة. فهو إذ أشار إلى أنه «نفهم أن تكون معارضة سلمية، وهذا ما وُعدنا به»، من غير أن يوضح من أعطاه هذا الوعد وكيف، رأى أن «حوادث مخلة بالأمن حصلت، ونحن نقوم بواجبنا كاملاً لقطع دابر الفتنة في هذه المدينة».
بعد مضي أقل من ساعة تقريباً على كلام ميقاتي في اتهامه المعارضة بافتعال اشتباكات طرابلس، انطلق نواب المستقبل في الشمال للرد عليه، في ظل تناقض في مواقفهم. فالنائب سمير الجسر، الذي كان يعَدّ حتى الأمس القريب أحد أقرب نواب المستقبل لميقاتي، دعاه مرتين إلى اعتبار كلامه «زلة لسان»، طالباً منه استدراكها.
أما النائب أحمد فتفت، فردّ سبب الاشتباكات إلى «إلقاء قنبلة على تظاهرة مؤيدة للشعب السوري»، متهماً ميقاتي بأنه «أراد توجيه الأنظار إلى مكان آخر عما جرى في طرابلس»، لافتاً إلى أن «أحد أركانه الأمنيين (خضر المصري) أصيب في الحوادث في طرابلس». غير أن النائب محمد كبارة ناقضه عندما أشار دون سواه (لحسابات طرابلسية لا تعني فتفت) إلى أن «ما جرى يطرح تساؤلات جدّية حيال الشريحة المخرّبة التي حرفت مسار التظاهرة وأدخلتها إلى شارع سوريا كي تستهدفها بعض العصابات من جبل محسن». ولفت إلى أن خضر المصري كان، عندما أطلق النار عليه، «يقوم بمهمة ضبط الوضع وتهدئة الناس ودرء الفتنة».
هذا التخبط لدى نواب المستقبل جعل ميقاتي يفضل عدم الرد، تاركاً لوزرائه هذه المهمة، وهو ما تمثل في إشارتين: الأولى جاءت على لسان الوزير محمد الصفدي الذي رأى أن تصرف قوى 14 آذار «غير لائق، ولا نعدّه معارضة بناءة». أما الثانية فأطلقها وزير الداخلية والبلديات مروان شربل، الذي وعد بأنه «لن يكون هناك أي إشكال أمني في طرابلس بعد اليوم»، وأن الجيش سيبقى منتشراً في المنطقة «لـ6 أشهر لإعادة الطمأنينة».
انتهت الخضّة الأمنية، وسقط بنتيجتها 7 قتلى وعشرات الجرحى وأضرار مادية كبيرة. لكن السؤال المطروح اليوم يتمحور حول «الخطوة التالية التي سيقدم عليها ميقاتي لدرء الأخطار عن حكومته ومدينته مستقبلاً». فمنذ تكليفه تأليف الحكومة، تلقى ميقاتي من قوى 14 آذار ضربتين تجاوزهما بأقل قدر ممكن من الأضرار. الأولى في يوم غضب طرابلسي لدى تكليفه في 25 كانون الثاني الفائت، والثانية في اشتباكات طرابلس بعد مرور 3 أيام على تأليفه الحكومة.
غير أن ميقاتي يدرك أن موعد الضربة الثالثة التي سيوجهها المستقبل إليه لن يكون بعيداً، وأن طرابلس، ومن ثمّ الشّمال، سيكونان على الأرجح ساحة النزال السياسي ـــــ الأمني بينهما. ففي عقر دار ميقاتي، ستتقرر وجهة الحريرية السياسية في لبنان، خلال السنوات المقبلة. واستحقاق 2013 الانتخابي هو الهدف الرئيسي الذي يعمل له الطرفان منذ الآن، وخصوصاً المستقبل، الذي وجه أمس رسالة مباشرة إلى ميقاتي على لسان رئيس كتلته النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، لا تحتاج إلى من يفسرها، عندما سأل الأخير ميقاتي: «هل أنت جئت مكلفاً لاستئصال إرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟»، قبل أن يجيبه بما يشبه التحدي: «الكل يعلم أن الحائط والجدار الذي بناه رفيق الحريري والشعب اللبناني عال كثيراً، لا يستطيع أحد أن يتسلقه وأن يقفز فوقه».

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي