الحريري يُورث ميقاتي مشكلة مع إيـران أم يُورّطه؟
بكّر الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي في ممارسة صلاحياته الدستورية كرئيس لمجلس الوزراء، قبل صدور مرسوم تأليف الحكومة ومثولها أمام مجلس النواب ونيلها الثقة، مقدار ما اجتهد رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في اتخاذ موقف منوط بمجلس الوزراء مجتمعاً ولا يتلاءم مع الصلاحية الضيّقة لتصريف أعمال حكومة مستقيلة.
وقف الرجلان، الخلف والسلف، وجهاً لوجه في مسألة شائكة تتصل بالسياسة الخارجية للبنان، مقدار اتصالها بتوافق لبناني رسمي، على الأقل، يجنّب هذا البلد تماساً داخلياً وخارجياً على السواء. ردّ ميقاتي على ما أعلنه الحريري الخميس في افتتاح المنتدى الاقتصادي اللبناني ــــ السعودي، برفضه تحويل لبنان محمية إيرانية وتدخّل الجمهورية الإسلامية في شؤون لبنان والبحرين والخليج العربي، متبنّياً موقف دول مجلس التعاون منها، كي يطرح مقاربتين مختلفتين للسياسة الخارجية من جهة، وتناقضاً من داخل الطائفة السنّية يمثله مرجعان يتزامن تنافسهما على زعامة الطائفة ورئاسة مجلس الوزراء، هما رئيس حكومة تصريف أعمال ورئيس مكلف تأليف الحكومة من جهة أخرى.
وتنطوي أصداء الموقف المفاجئ للحريري على المعطيات الآتية:
1ــــ أنه الأول الذي يخرج فيه لبنان، منذ انفجار التحرّكات الشعبية على بعض الأنظمة العربية، بردّ فعل مباشر وغير محايد كان قد تفاداه الحريري وميقاتي، كما رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وعلى وفرة ما قيل عن تلك التحرّكات، في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين والكويت والأردن وسوريا، من اتهامات لتدخّلات خارجية سبّبت الفوضى التي ضربتها، وتورّط دول عربية أو غربية فيها، اكتفى لبنان بموقف الحياد، الأقرب إلى المتفرّج، وحاذر انتقال تلك النزاعات إلى أراضيه وجعل الانقسام الداخلي وقوداً إضافياً لها، وهو بالكاد يحاول التوافق على تأليف حكومة جديدة.
أطيحت حكومة الحريري في ذروة اشتعال التحرّكات التونسية، وكُلّف ميقاتي تأليف الحكومة مع انطلاق التحرّكات المصرية، وتزامنت الحملات العنيفة للحريري على سلاح حزب الله مع استعار المواجهات المذهبية في البحرين، ودخول جنود سعوديين وإماراتيين إلى المملكة، وبلوغ جهود تأليف الحكومة أسوأ صعوباتها مع تحرّك الشارع السوري ضد النظام.
انسحب موقف الحياد هذا على صمت لبناني ــــ بما في ذلك صمت الحلفاء ــــ بإزاء الاضطرابات في سوريا، ولم يتخذ المسؤولون ولا الحلفاء موقفاً التضامن مع الرئيس بشّار الأسد إلا متأخرين، بعد أيام قليلة، وقد تأكدوا أن النظام استعاد زمام المبادرة وقبض على الوضع الداخلي مجدّداً، مع إعلان الأسد سلّة إصلاحات. تدفقت إذ ذاك مواقف ميّزت بين ما كان يحدث في سوريا وما يحدث في سائر الدول العربية.
مع ذلك، كان في الإمكان تلمّس انزعاج دمشق من بطء ردود الفعل اللبنانية، الرسمية والحليفة، وتريّثها في تأكيد التضامن مع سوريا في عزّ مواجهتها الأزمة الداخلية الأولى التي يجبهها نظام الأسد، الابن بعد الأب، بعد أربعة عقود من الحكم والاستقرار في هذا البلد.
2ــــ رغم الحياد المرتبك للبنان ممّا كان يحدث في جواره العربي، تصرّف الإعلام الخاص الحزبي مع النزاعات الداخلية العربية بكثير من الانحياز الفاضح والضلوع ضد الأنظمة المتداعية أو الموشكة على التداعي أو حتى المتماسكة. ولم يكن موقف هذا الإعلام إلا صورة مطابقة لمرجعياته السياسية التي اختبأت وراء وسائل إعلامها كي تعبّر عن موقفها الحقيقي من تلك الأنظمة، ولم يسعها إمراره في مجلس الوزراء مجتمعاً، ولا تبنّي آثاره العلنية ومفاعيله المباشرة. كان اشتباك وسائل إعلام المرجعيات السياسية المؤتلفة في مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية خير معبّر عن تداخل ما كان يجري هناك بوطأة الانقسام هنا.
وقف إعلام حزب الله إلى جانب التحرّك الشيعي في البحرين، بعدما كان قد وقف بعنف ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، مؤيّداً الانتفاض عليه، وكذلك الحال بالنسبة إلى اليمن. ووقف إعلام رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله إلى جانب التحرّكات الشعبية الليبية في وجه الرئيس معمّر القذافي للأسباب المعروفة. وأبرَزَ في المقابل إعلام تيّار المستقبل والقوات اللبنانية التحرّكات الشعبية ضد الرئيس السوري، مسهباً في التفاصيل الأصغر كي يضاعف من خطورتها ووطأتها، والإيحاء بمصير يشابه ما سبقته إليه تونس ومصر.
في السياق نفسه كان الردّ غير المباشر للحريري على حزب الله وأمينه العام السيّد حسن نصر الله، عندما تبنّى الأخير التحرّك الشيعي في البحرين، فرفضه الحريري ووصفه بأنه تدخل في شؤون المملكة، ثم أعاد تأكيده أمس. ولم يكن هذا الموقف سوى صورة مطابقة للتماس السنّي ــــ الشيعي في لبنان عندما أخرج سلاح الحزب الحريري من الحكم وأقصاه عنه، وعندما أصبح التأثير الشيعي في السلطة الإجرائية ــــ تأليفاً أو إطاحة ــــ أكثر فاعلية من الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء السنّي الممسك بمفاتيح هذه السلطة.
مع ذلك، حاذر لبنان الرسمي اتخاذ أيّ ردّ فعل. حتى الحلفاء الرئيسيون لمبارك، كتيّار المستقبل والقوات اللبنانية، لزموا الصمت حيال ما كان يحدث في مصر، من غير أن يدعموا التحرّك الشعبي ضده، في وقت كانوا وجدوا في التحرّكات العربية صورة منسوخة عن انتفاضة قوى 14 آذار.
3ــــ يرث ميقاتي عن رئيس حكومة تصريف الأعمال أزمة مع إيران، بعد أزمة انقطاع الحوار مع سوريا طبعت تدهور علاقة الحريري بها في تشرين الأول 2010، وبلغت ذروة في كانون الثاني 2011 بتخليه عن التسوية السعودية ــــ السورية. ويلاحظ معاونون للرئيس المكلف، في معرض تبرير ردّه على الحريري من غير أن يسمّيه، أن سلفه لا يكتفي بأن يورثه أزمة مع دول يتقاطع نفوذها في لبنان مع دول أخرى ذات نفوذ مباشر مشابه ويمثّل تماساً شيعياً ــــ سنّياً حساساً، بل يورّطه في نزاع محاور يرفض ميقاتي الانخراط فيه. وهو لم يتردّد في الردّ على أفرقاء محليين انتقدوا بقسوة المملكة السعودية.
وقف الرجلان، الخلف والسلف، وجهاً لوجه في مسألة شائكة تتصل بالسياسة الخارجية للبنان، مقدار اتصالها بتوافق لبناني رسمي، على الأقل، يجنّب هذا البلد تماساً داخلياً وخارجياً على السواء. ردّ ميقاتي على ما أعلنه الحريري الخميس في افتتاح المنتدى الاقتصادي اللبناني ــــ السعودي، برفضه تحويل لبنان محمية إيرانية وتدخّل الجمهورية الإسلامية في شؤون لبنان والبحرين والخليج العربي، متبنّياً موقف دول مجلس التعاون منها، كي يطرح مقاربتين مختلفتين للسياسة الخارجية من جهة، وتناقضاً من داخل الطائفة السنّية يمثله مرجعان يتزامن تنافسهما على زعامة الطائفة ورئاسة مجلس الوزراء، هما رئيس حكومة تصريف أعمال ورئيس مكلف تأليف الحكومة من جهة أخرى.
وتنطوي أصداء الموقف المفاجئ للحريري على المعطيات الآتية:
1ــــ أنه الأول الذي يخرج فيه لبنان، منذ انفجار التحرّكات الشعبية على بعض الأنظمة العربية، بردّ فعل مباشر وغير محايد كان قد تفاداه الحريري وميقاتي، كما رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وعلى وفرة ما قيل عن تلك التحرّكات، في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين والكويت والأردن وسوريا، من اتهامات لتدخّلات خارجية سبّبت الفوضى التي ضربتها، وتورّط دول عربية أو غربية فيها، اكتفى لبنان بموقف الحياد، الأقرب إلى المتفرّج، وحاذر انتقال تلك النزاعات إلى أراضيه وجعل الانقسام الداخلي وقوداً إضافياً لها، وهو بالكاد يحاول التوافق على تأليف حكومة جديدة.
أطيحت حكومة الحريري في ذروة اشتعال التحرّكات التونسية، وكُلّف ميقاتي تأليف الحكومة مع انطلاق التحرّكات المصرية، وتزامنت الحملات العنيفة للحريري على سلاح حزب الله مع استعار المواجهات المذهبية في البحرين، ودخول جنود سعوديين وإماراتيين إلى المملكة، وبلوغ جهود تأليف الحكومة أسوأ صعوباتها مع تحرّك الشارع السوري ضد النظام.
انسحب موقف الحياد هذا على صمت لبناني ــــ بما في ذلك صمت الحلفاء ــــ بإزاء الاضطرابات في سوريا، ولم يتخذ المسؤولون ولا الحلفاء موقفاً التضامن مع الرئيس بشّار الأسد إلا متأخرين، بعد أيام قليلة، وقد تأكدوا أن النظام استعاد زمام المبادرة وقبض على الوضع الداخلي مجدّداً، مع إعلان الأسد سلّة إصلاحات. تدفقت إذ ذاك مواقف ميّزت بين ما كان يحدث في سوريا وما يحدث في سائر الدول العربية.
مع ذلك، كان في الإمكان تلمّس انزعاج دمشق من بطء ردود الفعل اللبنانية، الرسمية والحليفة، وتريّثها في تأكيد التضامن مع سوريا في عزّ مواجهتها الأزمة الداخلية الأولى التي يجبهها نظام الأسد، الابن بعد الأب، بعد أربعة عقود من الحكم والاستقرار في هذا البلد.
2ــــ رغم الحياد المرتبك للبنان ممّا كان يحدث في جواره العربي، تصرّف الإعلام الخاص الحزبي مع النزاعات الداخلية العربية بكثير من الانحياز الفاضح والضلوع ضد الأنظمة المتداعية أو الموشكة على التداعي أو حتى المتماسكة. ولم يكن موقف هذا الإعلام إلا صورة مطابقة لمرجعياته السياسية التي اختبأت وراء وسائل إعلامها كي تعبّر عن موقفها الحقيقي من تلك الأنظمة، ولم يسعها إمراره في مجلس الوزراء مجتمعاً، ولا تبنّي آثاره العلنية ومفاعيله المباشرة. كان اشتباك وسائل إعلام المرجعيات السياسية المؤتلفة في مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية خير معبّر عن تداخل ما كان يجري هناك بوطأة الانقسام هنا.
وقف إعلام حزب الله إلى جانب التحرّك الشيعي في البحرين، بعدما كان قد وقف بعنف ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، مؤيّداً الانتفاض عليه، وكذلك الحال بالنسبة إلى اليمن. ووقف إعلام رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله إلى جانب التحرّكات الشعبية الليبية في وجه الرئيس معمّر القذافي للأسباب المعروفة. وأبرَزَ في المقابل إعلام تيّار المستقبل والقوات اللبنانية التحرّكات الشعبية ضد الرئيس السوري، مسهباً في التفاصيل الأصغر كي يضاعف من خطورتها ووطأتها، والإيحاء بمصير يشابه ما سبقته إليه تونس ومصر.
في السياق نفسه كان الردّ غير المباشر للحريري على حزب الله وأمينه العام السيّد حسن نصر الله، عندما تبنّى الأخير التحرّك الشيعي في البحرين، فرفضه الحريري ووصفه بأنه تدخل في شؤون المملكة، ثم أعاد تأكيده أمس. ولم يكن هذا الموقف سوى صورة مطابقة للتماس السنّي ــــ الشيعي في لبنان عندما أخرج سلاح الحزب الحريري من الحكم وأقصاه عنه، وعندما أصبح التأثير الشيعي في السلطة الإجرائية ــــ تأليفاً أو إطاحة ــــ أكثر فاعلية من الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء السنّي الممسك بمفاتيح هذه السلطة.
مع ذلك، حاذر لبنان الرسمي اتخاذ أيّ ردّ فعل. حتى الحلفاء الرئيسيون لمبارك، كتيّار المستقبل والقوات اللبنانية، لزموا الصمت حيال ما كان يحدث في مصر، من غير أن يدعموا التحرّك الشعبي ضده، في وقت كانوا وجدوا في التحرّكات العربية صورة منسوخة عن انتفاضة قوى 14 آذار.
3ــــ يرث ميقاتي عن رئيس حكومة تصريف الأعمال أزمة مع إيران، بعد أزمة انقطاع الحوار مع سوريا طبعت تدهور علاقة الحريري بها في تشرين الأول 2010، وبلغت ذروة في كانون الثاني 2011 بتخليه عن التسوية السعودية ــــ السورية. ويلاحظ معاونون للرئيس المكلف، في معرض تبرير ردّه على الحريري من غير أن يسمّيه، أن سلفه لا يكتفي بأن يورثه أزمة مع دول يتقاطع نفوذها في لبنان مع دول أخرى ذات نفوذ مباشر مشابه ويمثّل تماساً شيعياً ــــ سنّياً حساساً، بل يورّطه في نزاع محاور يرفض ميقاتي الانخراط فيه. وهو لم يتردّد في الردّ على أفرقاء محليين انتقدوا بقسوة المملكة السعودية.