بعد نحو خمسة أشهر من جمود التحقيق في قضية الباخرة «لطف الله 2»، أرسل قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا استنابات قضائية، يطلب فيها تزويده بالمستجد من المعلومات حول التحقيقات الأمنية الجارية في ملف الباخرة، التي ضُبطت محمّلةً بالأسلحة في مرفأ طرابلس قادمة من ليبيا. القاضي أبو غيدا طلب تزويده بأي معلومات جديدة توافرت حول الأشخاص المشتبه فيهم بالقضية، وتحديداً غير المبيّنة كامل هوياتهم في محاضر التحقيق، فضلاً عن طلب وضعه في أجواء كل المتورطين المحتملين في عملية التهريب موضوع الملف.
طلب القاضي العسكري بدا مفاجئاً بعد الاعتقاد بأن الملف قد طُوي. فيما علمت «الأخبار» أن التحقيقات لم تنته في الملف المذكور، لكنها، في الوقت نفسه، لم تُسفر عن جديد. واقتصرت على معلومات أمنية تمكّن عناصر استخبارات الجيش من جمعها من إفادات الموقوفين الذين كانوا على متن السفينة، وجرت مقاطعتها مع معلومات مخبرين كانت بحوزة المحققين، فكانت كافية لرسم صورة واضحة عن مراحل التخطيط ومحطات السفينة وأبرز المتورطين في تهريب شحنات السلاح على متنها. ورغم دقة المعلومات المتوافرة في هذا الشأن، لم تُسفر التحقيقات عن كشف هوية الرأس المدبّر. بقي صاحب «الياقة البيضاء» مجهولاً، فيما أوقع بأدواته التي تعمل ميدانياً.
وقد حصلت «الأخبار» على محضر التحقيق الذي أجرته الشرطة العسكرية في ملف «لطف الله 2»، علماً بأن الرواية الأمنية تتبع مسار السفينة خلال رحلتها التي استمرت 24 يوماً، والتي انطلقت من ليبيا، مروراً بمرفأ مصري وآخر تركي، وصولاً إلى طرابلس في لبنان.
بدأت القصة عندما اتّصل السوري حسين ش. الذي يعمل في مؤسسة اتصالات وبرمجة كومبيوتر في السعودية بالمخلّص الجمركي السوري في مرفأ طرابلس مطاوع ر. طالباً إليه القدوم إلى السعودية للتباحث في بعض الأعمال. وافق الأخير، فالتقيا في جدة. وخلال اللقاء، تحدث حسين عن أقارب له سوريين يرغبون في شحن مواد غذائية إلى لبنان بغية توزيعها على النازحين السوريين. أخبره أن العائق الذي يحول دون تمكنهم من شحنها عن طريق البر، يدفعهم إلى شحنها في مستوعبات عبر البحر. واتّفق معه على أن يتولى مهمة إجراء المعاملات وإخراجها من مرفأ طرابلس. في ليل ذلك اليوم، جمع حسين المخلّص الجمركي برجلين سوريين، أحدهما يُدعى أبو حسن الحموي والآخر أبو جندل مجهول باقي الهوية. قدّمهما حسين إلى مطاوع على أنهما مسؤولان عن جمع التبرّعات لدعم «الثورة السورية»، ولم يلبث أن انسحب من الاجتماع. تبادل الثلاثة أطراف الحديث، فتطرّق أبو جندل إلى الحديث عن الثورة السورية وكيفية دعمها، ثم كشف له أن الشحنة التي ينويان إرسالها تتألف من ثمانية مستوعبات، لكنها تحتوي على أسلحة وذخائر، لا على مواد غذائية. يومها، طلب مطاوع إمهاله للتفكير في الأمر. غاب مدة أسبوع، لكنه لم يلبث أن عاد موافقاً بعد الاتفاق على المبالغ المالية التي سيتقاضاها. وفوراً، اتصل بوسيط نقل بحري يعمل في مرفأ طرابلس يدعى فؤاد ع. طالباً إليه الإسراع في تأمين باخرة لنقل ثمانية مستوعبات تحتوي على زيوت محركات. وبالفعل، وقع الخيار على «لطف الله 2»، واتفق فؤاد مع مالكها محمد خ. على نقل الشحنة، مقابل 65000 دولار أميركي. وهكذا بدأت الخطوة الأولى.
في تلك الأثناء، كان العمل جارياً على توضيب السلاح في المستوعبات. حاول مطاوع مرات عدة، من دول مختلفة، الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي الليبية ليُشرف مباشرة على تعبئتها وإخفاء الأسلحة داخل المستوعبات، لكنه لم يُفلح. هنا تدخّل السوري أبو حسن الحموي. ووصله برجل ليبي يدعى «أبو أنور»، كان الأخير يعمل على توضيب الأسلحة والذخائر داخل المستوعبات. اتفقا على آلية توضيب محددة، فكانوا يضعون زيوت المحركات في مقدمة المستوعبات، ويُخفون الأسلحة والذخائر في الداخل. بقي الاثنان على اتصال. وفي المرة الأخيرة، أبلغ أبو أنور مطاوع أن الحاويات ثلاث لا ثماني، لأنه لم يتمكن من تأمين الكميات اللازمة من زيوت المحركات. غضب الأخير، لكن المسألة سُوّيت برضوخه مرغماً. خُتمت الشحنات الثلاث بالرصاص. بعد عدة أيام، غادرت «لطف الله 2» ميناءها متجهة نحو ليبيا. وفور وصولها، حمّلت المستوعبات الثلاثة متجهة نحو ميناء الاسكندرية، علماً بأن أحداً من ركّاب السفينة لم يكن يعلم أن الشحنة تحتوي على أسلحة. كان ذلك في السادس من نيسان الماضي. وصلت الباخرة الى مصر بعد أربعة أيام، ثم توجهت إلى تركيا لتصلها في 14 من الشهر نفسه. وهناك رست نحو عشرة أيام، قبل أن تتوجّه نحو لبنان.
في تلك الأثناء، أفشى مطاوع سر حمولة السفينة أمام سعد الدين ج، دافعاً له مبلغ ألف دولار لتنظيم أوراق السفينة. بدوره، عمد الأخير الى إخبار أحمد ب. الذي طلب لقاء أتعابه 100 ألف دولار، ثم رضي بـ 60 ألفاً تُدفع على مرحلتين. النصف الأول قبل وصول السفينة إلى المرفأ، والقسم المتبقي لدى إعطائه إذن التسليم. كما طُلب إلى منقذ أ. المعروف بـ«أبو ناصر» تبديل بيان حمولة السفينة وبوليصة الشحن والمانيفست البحري باسم آخر. وبدوره، زوّد أبو ناصر مطاوع برقم هاتف سوري لأحد المهرّبين الناشطين مع «الثورة السورية»، بواسطة رسالة نصية، يُدعى الأخير شلفون ويلقّب بـ«أبو كرمو». وبحسب المعلومات الواردة، فإن مهمة مطاوع كانت تأمين المستوعبات الحديدية على متن الباخرة وتخليص معاملاتها القانونية داخل المرفأ وإخراجها، ثم نقلها بواسطة شاحنات، بالتعاون مع كل من أبو حسن وأبو جندل لتسليمها لـ«أبو كرمو» الذي سيسلمها بدوره إلى مجهول بعد اجتياز حاجز دير عمار.
دخلت السفينة مرفأ طرابلس لتبدأ عملية تخليص الأوراق. في هذه الأثناء، وصلت دورية تابعة للقوات البحرية في الجيش اللبناني. وطلبت من القبطان أن ينتقل بالسفينة مع ركابها إلى مرفأ سلعاتا. في المرفأ المذكور، أُنزل الجميع من على متنها لتبدأ عملية إفراغ محتوياتها. وبحضور القبطان، طلب عناصر الاستخبارات فض أختام الرصاص الليبي عن أحد المستوعبات. وباشروا بإفراغ محتواها، فتبين وجود أربعة صفوف من زيوت المحركات، تليها ألواح خشبية تخفي خلفها أسلحة وذخائر.
تجدر الإشارة إلى أن معظم المشتبه فيهم والمتورطين في ملف شحنات السلاح المهرّبة على متن «لطف الله 2»، كانوا ينشدون الكسب المادي والربح لأهداف تجارية محض، ولم يكن عملهم نابعاً من إيمان بثورة أو غيرها، بحسب ما أدلوا به من اعترافات.
يوم أمس، عادت الحياة إلى هذا الملف، على أمل أن يتم كشف الرؤوس المجهولة في هذه العملية.




أبطال العملية

لم تكن سفينة «لطف الله 2» ستتمكن من الرسو في مرفأ طرابلس لولا تضافر جهود المشتبه فيهم. لم يعلم أحد كيف سُرّبت المعلومة للأجهزة الأمنية، لكن المؤكد أن الاستفادة المادية كانت المحرّك الأوحد لهؤلاء الذين تخطى عددهم خمسة أشخاص. لا سيما من كان منهم على اطّلاع على كافة تفاصيل العملية. ويبرز من هؤلاء، إضافة إلى المخلص الجمركي مطاوع ر. الذي كان في الطليعة، السوري منقذ أ. الملقب بـ«أبو ناصر» الذي دفع تكاليف الباخرة، وهدّد مطاوع بـ«حسابٍ عسير» في حال تفكيره بفضحهم أو الاحتيال عليهم. يليه السوري شلفون الملقب بـ«أبو كرمو» الذي قبض دفعة أولى من أتعابه 10 آلاف دولار، وكانت تنتظره المهمة الأصعب. و«أبو كرمو» هذا ذائع الصيت شمالاً، حيث ينشط في مجال التهريب، علماً أن التحقيقات لم تتمكن من تحديد كامل هويته. إضافة إلى من سبق ذكرهم، هناك كل من أبو حسين حموي وأبو جندل المجهولي باقي الهوية، وهذان هما «دينامو» هذه العملية، بحسب ما بيّنت التحقيقات، وربما الوحيدان إلى جانب «أبو كرمو» الذين يعرفون هوية مستلمي شحنة الأسلحة شمالي دير عمار تمهيداً لنقلها إلى الأراضي السورية.