توقّفت لعنة «السّواطير» التي حلّت بمناصري جمعيّة المشاريع الخيريّة الإسلامية عام 2004 في «مليونية ناصر قنديل» عن ملاحقة الجمعيّة. تماماً كما سقط اتهام الجمعيّة باغتيال الرئيس رفيق الحريري مع خروج الأخوين أحمد ومحمود عبد العال من السجن قبل أربع سنوات. الأحباش (نسبةً إلى مرشد الجمعية الشيخ الراحل عبد الله الهرري الحبشي) الذين حملو السواطير احتجاجاً على كلمة للنائب ميشال عون في الكونغرس الأميركي، لم يذبحوا بسواطيرهم أحداً، لم يُكبّروا، لم يهلّلوا لعنقٍ مدقوقة ولم يمثّلوا بجثّة. كان الساطور «سوريالياً» في غير محلّه، وكان القتل باسم الله لا يزال يخجل من الكاميرا.

لا يمكن أن تجد لافتة في بيروت أو طرابلس أو أي مكان في لبنان تحمل توقيع الجمعيّة، وتمتّ إلى السياسة بصلة. نأى الأحباش بأنفسهم عن السّياسة «بجدّ» بعد اغتيال الحريري، أي قبل الأزمة في سوريا، وقبل الحكومة الميقاتية.

ونأت الجمعيّة، التي يرأسها اليوم الشيخ حسام قراقيرة، بنفسها عن الإعلام أيضاً. قد لا تقرأ أو تسمع تصريحاً واحداً على لسان مسؤول في الأحباش عن أي حدث سياسي في لبنان أو المنطقة. البيانات والأخبار عن تخريج الطّلاب وتقديم المساعدات إلى المحتاجين ما أكثرها، كما الاعتراض على الصور والأفلام المسيئة بحق نبّي المسلمين محمّد. وحده بيان استنكار اغتيال اللواء وسام الحسن خرج عن السّياق العام.
للجمعيّة جذورٌ قديمة، إذ تأسست عام 1930 بهدف مساعدة المحتاجين، لينطفئ وهجها بعد حين. بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أعاد الشيخ نزار الحلبي الحياة إليها، على شكل مؤسسات تربوية وثقافية. والحلبي واحد من مريدي الهرري الذي أتى إلى لبنان في أواخر الستينيات، كداعية ينشر تعاليمه المستمدّة من المذهب الشافعي والطرق الصوفيّة، «بعيداً عن السّياسة والتطّرف في الدّين» كما يقول مصدر في الجمعيّة.
وسرعان ما انتشرت تعاليم الهرري بين كثيرين من أبناء بيروت عبر أئمة المساجد التي حضر فيها مريدو الشيخ، كما بين عدّة مجموعات عسكريّة كانت قد تشكّلت في حضن حركة فتح في بيروت مع بداية الحرب اللبنانية، كالمجموعة التي كانت تدور في فلك المسؤول الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد)، وأخرى كانت تعمل مع حركة «أنصار الثورة» تعرف بـ«مجموعة الرابع». وعلى ما يقول أحد متابعي مسار الأحباش من البيارتة، «تقرّبت الجمعيّة كثيراً من مكتب الأمن القومي التابع للجيش اللبناني، وكان على رأسه المقدم صلاح منصور»، بعد دخول الجيش التابع لرئيس الجمهورية في حينها أمين الجميّل إلى «بيروت الغربية» أوائل عام 1984.
ومع دخول الجيش السوري إلى بيروت في شباط 1987، توطّدت أواصر العلاقة بين الجمعيّة وسوريا. ويفاخر الأحباش بأن «عيد الجيشين» (أي اللبناني والسوري) كان من أهم إنجازات الجمعيّة في مرحلة الثمانينيات، بالإضافة إلى العمل التربوي والاجتماعي؛ إذ احتفل الأحباش بهذا العيد في الأول من آب من كلّ عام، حتى عام 2004.
لم تدخل جمعيّة المشاريع المجلس النيابي إلا مرة واحدة فقط، حين انتخب أحد قيادييها، عدنان الطرابلسي، عام 1992 بما يقارب 13 ألف صوت. إذ شكّل الأحباش لائحة، وسط مقاطعة مارونية للانتخابات النيابية الأولى بعد اتفاق الطائف. ويقول أحد المصادر في قوى 8 آذار، إن «الأحباش في تلك الانتخابات أخذوا أصوات الجميع على اللائحة، ولم يعطوا أحداً، فهل يفعلون الأمر نفسه عام 2013؟».
مرّت السنوات وعصب الجمعيّة يشتدّ أكثر فأكثر. بنت مؤسسات تربويّة في لبنان يناهز عددها الثلاثين، وتجاريّة قوية في الخارج، أمتنها في ألمانيا والسويد والدنمارك. «لا تأخذ الجمعيّة ليرة من أحد، لا من دولة أو جهة خارجيّة» يؤكّد مصدر من الأحباش، وتالياً «الأحباش ليسوا في جيب أحد».
بعد «الفجيعة الأصليّة» باغتيال الحلبي عام 1995، أتت جريمة اغتيال الحريري عام 2005، لتصيب الجمعية بالإرباك والوهن مع خروج الجيش السوري من لبنان واعتقال الشيخين أحمد ومحمود عبد العال بتهمة المشاركة في اغتيال الحريري. كان الشيخ محمود من صقور المشايخ، وأحمد مسؤولي الجمعيّة الأمني، اللّصيق بالعميد السوري جامع جامع.
ويقول أكثر من مصدر داخل الجمعيّة وخارجها إن النائب السابق سليم دياب أبلغ الجمعيّة قرار تيّار المستقبل ودار الإفتاء باستعادة المساجد الثلاثة التابعة لها في زقاق البلاط وبرج أبي حيدر والبسطا، «بالقوّة لو لزم الأمر، عبر قوى الأمن الداخلي». تهديد دياب كان نوعاً من المقايضة، «أبقوا في مساجدكم ولا تتدخّلوا في السياسة، تبقى المساجد لكم ونخرج الأخوين عبد العال كالشعرة من العجين».
على ضفّة 8 آذار، هناك من يلوم الأحباش على موقفهم ونأيهم بالنفس في الفترة التي اشتدّ فيها الصّراع ونزلت المعارضة وقتها إلى الشارع في خريف 2006؛ إذ انسحبت الجمعية من لقاء الأحزاب، كما لم تشارك في أي تحرك ضد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. «كنّا نحتاج حينها إلى غطاء سنّي للتحرّك، لكي لا يكون الحراك موجّهاً ضدّ السنّة، فالمعركة سياسية وليست مذهبيّة»، يقول أحد المسؤولين في 8 آذار. لكن في 8 آذار أيضاً من يبرّر للجمعيّة موقفها: «لم يكن باستطاعة أي قوة دينية سنية أن تقف علناً في وجه الهجمة الحريرية، فكل من كان يجرؤ على رفع صوته كانت تهمته جاهزة بقتل رفيق الحريري، فكيف بالأحباش المعروف عنهم قربهم من سوريا؟».
يُنكر الأحباش أن يكون في عداد الجمعيّة أي جسم مسلّح، «نحن جمعية تربوية اجتماعية فحسب». قبل أقلّ من عامين، وقع إشكالٌ بين أنصار الجمعية وأنصار حزب الله في منطقة برج أبي حيدر راح ضحيّته ثلاثة قتلى. ظهر سلاحٌ كثيف في المنطقة وقتها؛ إذ استمرّ الاشتباك بين الطرفين لساعات، وحين سئل المصدر في الجمعيّة عن الأمر، أشار إلى أن إشكالاً كهذا قد يحصل بين أي طرفين سياسيين في البلد، وهو لم يؤثّر قَطّ في العلاقة: «شهداء حزب الله شهداؤنا وشهداؤنا شهداء حزب الله». وعن السّلاح، يقول المصدر إن الجمعيّة لا تملك جسماً عسكريّاً، لا من قريب ولا من بعيد، «ومن حمل السلاح في برج أبي حيدر حمله بشكل عفوي، بالإضافة إلى عناصر الحماية في المسجد». على الهامش، يقول مصدر في قوى 8 آذار، «إن جمعية المشاريع تشتري سلاحها بنفسها ولا تأخذ سلاحاً من أحد».
أين الجمعية اليوم؟ نائية بنفسها طبعاً؛ فالأزمة السورية زادت من الضغط عليها. فالحالة السلفية التي تستعر شيئاً فشيئاً تعادي الأحباش بشكلٍ قاطع على قاعدة الخلاف الفقهي والعقائدي؛ إذ لطالما حذّر الأحباش من خمس حالات في الإسلام: تعاليم شيخ الإسلام ابن تيمية، الوهابيّة، الإخوان المسلمون، حزب التحرير والسلفيّة الجهادية المتطرّفة.
في السياسة، الأحباش اليوم ليسوا في 8 أو 14 آذار، ليسوا مع النّظام في سوريا، كذلك فإنهم ليسوا ضدّه، مع أن مسؤولين في الجمعية التقوا الرئيس السوري بشار الأسد قبل فترة وجيزة في دمشق، واتُّفق على عدم إعلان اللقاء. يقول أحد المصادر إن الجمعية صمدت تحت الضغط السعودي، ولم تعلن موقفاً ضدّ النظام السوري، كذلك لم تعلن دعمها له رغم انتقادات قوى 8 آذار. والعلاقة مع تيّار المستقبل، بحسب مصادر من المستقبل، ليست بهذا السوء، «لا لقاءات دائمة، وفي الوقت نفسه لا صدام».
تنتظر الجمعية قانون الانتخاب، كما تنتظره القوى السياسيّة اللبنانية. عين الأحباش على مقعد نيابي في بيروت، ولا يخفون أن «المطلوب هو مقعد الباشورة». لم تحسم الجمعية خيارها الانتخابي بعد، لكنّ التفاوض مع حزب الله بحسب مصادر 8 آذار، يسير على قاعدة مقعد للجمعية مقابل الأصوات (يقول الأحباش إن قوتهم في بيروت تتجاوز 10 آلاف صوت وفي طرابلس 6000 وفي البقاع الغربي 1000، فيما تقدر 8 آذار قوتهم بين 7500 إلى 9000 صوت في بيروت، و800 في البقاع الغربي، و4 آلاف في طرابلس، فيما يقسم تيار المستقبل أرقام الجمعية على اثنين، إذ تقول مصادر التيار الأزرق إن قوة الأحباش في بيروت لا تتجاوز 5 آلاف صوت «بشكلٍ أكيد».




تنوّع داخل الوحدة

تبدو جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية جسماً متماسكاً ومنظّماً بنحو دقيق. يستحيل أن تسمع من أي مسؤول في الجمعية انتقاداً لأداء مسؤولٍ آخر على غرار ما يحصل في معظم التنظيمات اللبنانية. لكن في حقيقة الأمر، داخل الجمعية اتجاهات متصارعة لا تخرج إلى العلن. ويمكن رصد أربعة اتجاهات بدأت بالتشكّل بعد اغتيال الشيخ نزار الحلبي، وزادتها اختلافاً مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والأزمة السورية. الاتجاه الأول يمثّله مريدو الشيخ عبد الله الهرري الأقربون؛ إذ يفضّل هؤلاء أن لا تتدخّل الجمعية في السياسة وتبقى على عملها في نشر الدين والعمل التربوي والخيري. الاتجاه الثاني يمثّله النائب عدنان طرابلسي، وهذه الفئة قريبة من قوى 8 آذار وسوريا وتتعاطى السياسة أكثر من أمور الدين. الاتجاه الثالث، وهو مجموعة تمثّل «المثقفين»، ومنها عبد القادر الفاكهاني، وتدير هذه الفئة إذاعة «نداء المعرفة» ودار المشاريع للطباعة والنشر ومكتب الإعلام والتوجيه في الجمعية. المجموعة الرابعة، وهي خارج السياق الإداري لعمل الجمعيّة، وهي نوع من ميليشيا جديدة تشكّلت في حضن تيّار المستقبل، معظمها في الطريق الجديدة من أفراد ينتمون فكرّياً ودينيّاً إلى الأحباش، ويحملون السلاح إلى جانب تيار المستقبل.