ليس هناك تفاهم على خطط المستقبل، لذلك لن يكون هناك أي تفاهم على تأليف الحكومة. الرئيس سعد الحريري يعتبر أن التزامه الخطط الدولية للمساعدة يلزمه بحكومة «غير مشاغبة»، تلتزم الوجهة والتفاصيل أيضاً. والرئيس ميشال عون يفترض، أيضاً، أن «مهمة» الحكومة هي عملياً إدخال البلاد في مرحلة جديدة من المقايضات السياسية والاقتصادية داخلياً ومع الخارج. وبالتالي، لن يكون بمقدوره الموافقة على حكومة لا يكون شريكاً كاملاً في تأليفها ووضع جدول أعمالها وإدارتها. والى جانب الرئيسين عون والحريري، يصطف اللاعبون من الداخل والخارج. ومن السذاجة توقع تغييرات كبيرة في المدى المنظور. أما انتظار السياسات الأميركية الجديدة، فلا يتجاوز حدود «الهبل اللبناني المضجر»، لكنه «هبل» مستمر بنجاح مع هذه الطبقة المتنفذة من السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين.

لذلك، بعيداً عن حفلة «الهبل» هذه، يبقى اللبنانيون في مواجهة الوباء القاتل ومتفرعاته. ولا سبيل أمامهم للتعامل مع هذه المشكلة كما يفعلون في السياسة. فأهل القرار في البلاد غير مؤهلين لتغييرات نوعية، والخارج مشغول بنصيبه من الموت والمرض والكسل. لكن ما يجب التوقف عنده في حالتنا الصحية واضح:
أولاً: ما الذي يمنع قيادات الجيش وقوى الأمن والأجهزة الملحقة من ممارسة أعلى درجات التعسف، لا التشدد فحسب، في تطبيق قرارات الإغلاق؟ ما الذي يمنعهم من اعتقال المخالف وزجّه في سجن لأيام تساوي أيام الإغلاق؟ وتخيلوا كيف يكون هذا اللبناني عند مصادرة سيارته وهاتفه وحبسه لأيام.

ليكن الحجر المنزلي عقاباً لذوات من يصرّ على اختيار هذا الصنف من الحكام والمرجعيات


ثانياً: ما الذي يمنع الجهات الرقابية من أن تقوم لمرة واحدة، فقط مرة واحدة وأخيرة، بمعاقبة كل مخالف من أصحاب المؤسسات والشركات التجارية التي لا تخالف فقط قرارات الإغلاق، بل تمارس أبشع أنواع الزعبرات في سرقة الناس مباشرة أو سرقة أموالهم من خلال استغلال برامج الدعم؟
ثالثاً: ما الذي يمنع عتاة السيادة الوطنية من وضع اليد على مجرمي المستشفيات الخاصة الذين يرفضون توفير خدمات مباشرة وإلزامية لمرضى كورونا ومصادرة هذه المؤسسات، وليس مجرد فرض غرامات عليها أو معاقبتها؟
رابعاً: ما الذي يمنع السلطات، بمؤسساتها كافة، من السيطرة الفورية على المصانع المؤهلة لتوفير حاجات الجسم الطبي في مواجهة متطلبات علاج كورونا؟
خامساً: ما الذي يمنع حكومة حسان دياب من عقد اجتماعات مفتوحة في مقرات القوى الأمنية والعسكرية ومواكبة تنفيذ قرارات الإغلاق؟ وما الذي يمنع هذه الحكومة من فرض قرارات على حاكم مصرف لبنان وعلى المصارف بصرف حاجات الناس المُلحة من الأموال في مواجهة هذه الأزمة؟
ليس من داع لانتظار الجواب. المانع هو أن هذه السلطات، على أنواعها، مدنية أو عسكرية أو أمنية أو بلدية أو قضائية، تشبه من اختارها لهذه المواقع. تشبه الناس الذين لا يحترمون الحد الأدنى من الأصول، وتشبه السياسيين الذين لا يعرفون حتماً احترام الحق العام.
لكن، هل الصمت هو السبيل الوحيد كاستسلام أمام هؤلاء؟
بالتأكيد لا. التشهير بهم واجب في كل لحظة، وليذهبوا هم وسلطاتهم القضائية والأمنية والعسكرية والدينية والاجتماعية الى الجحيم، وهم يحاولون فرض الحُرم علينا لمنع نقدهم ومهاجمتهم والمطالبة برحيلهم سلطة خلف سلطة.
الناس يواجهون اليوم الموت المباشر. الموت الآتي على شكل فيروس غير مرئي، يشبه كل الفيروسات المتضخمة والظاهرة الى العيان في وجوه من بيدهم السلطة اليوم. وهو الموت الذي يجعل الناس في حالة كسل غير مسبوق.
لا دعوة الى انتفاضة أو تظاهرة أو عصيان أو ثورة. إنها دعوة الى المقاطعة السلبية الشاملة. الى عدم احترامهم وعدم الاستماع اليهم وعدم الخضوع لقوانينهم وعدم التزام موجبات دستورهم التافه.
ليكن الحجر المنزلي، ليس هرباً وخشية من الوباء، بل عقاباً لذوات من اختار ويصرّ على اختيار هذا الصنف من الحكام والمسؤولين والمرجعيات.
كلمة أخيرة الى كل المؤسسات والمرجعيات الدينية: علكم تبادرون الى تجميع الذهب المغطي لقباب مساجدكم وكنائسكم، وتجميع الحلى التي تتزينون بها لتقديم الاحترام الى الإله، وتجميع كل ما جمعتموه من الناس طوعاً أو غصباً باسم الرب، ولتذهبوا جميعاً الى بيوتكم، وعيشوا أياماً كمواطنين عاديين، وتوقفوا عن الوعظ البليد مثل وجوهكم جميعاً، واصرفوا ما تسيطرون عليه على الفقراء، وبأيديكم ثروات تحرك الاقتصاد الحقيقي للناس. هذا ما يفيد منكم، أما عظاتكم وخطبكم وإرشاداتكم فاحتفظوا بها لأنفسكم... وحلّوا عن سمانا!