يكرر التاريخ نفسه، لكن هذه المرة بالأدوات نفسها.

في منتصف أيلول 2011، وكان نظام معمر القذافي قد انهار، تسابقت الدول التي شاركت في قصف ليبيا إلى زيارة طرابلس الغرب من أجل اقتطاع حصة لها من الكعكة الليبية.
وإذ أعلن رئيس الحكومة التركية حينها رجب طيب إردوغان عزمه على زيارة طرابلس في 17 أيلول، فاجأه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس وزراء بريطانيا دايفيد كاميرون بزيارة مشتركة في 15 أيلول، أي قبل يومين من زيارة إردوغان. كان واضحا أن ساركوزي تحديداً لم يكن يريد أن يسبقه إردوغان إلى هناك.
بعد انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي عاجل الرئيس الفرنسي خصومه بعد ذلك بيومين بزيارة عاجلة واستثنائية رسمية وشعبية.
وما لبث ان أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بعد يوم من زيارة ماكرون، نيته إرسال نائبه فؤاد اوكتاي ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، اللذين وصلا فعلاً يوم الأحد في زيارة رسمية لعدة ساعات.
وعلى ما يبدو فإن إردوغان، وهذا من عاداته، كان في قرارة نفسه يميل إلى القيام بنفسه بمثل هذه الزيارة. ولكن على الأرجح أن تقارير أمنية تركية قد حذرته من تلك الزيارة، وخصوصا بعد اتهامات رسمية لبنانية لتركيا بالتدخل في الشأن اللبناني الداخلي. فكان القرار بإرسال نائبه ووزير خارجيته.
تحوّل لبنان بزيارتي ماكرون وأوكتاي - تشاووش أوغلو إلى ساحة جديدة للصراع والتنافس بين تركيا وفرنسا. وهذا ربما سيرتّب أعباءً ثقيلة على لبنان والاستقرار فيه.
1- فاجأ ماكرون في لقائه مع ممثلي الأحزاب اللبنانية، مساء الخميس في قصر الصنوبر، الحاضرين بتحذيرهم من التحرك التركي في شمال لبنان وخطره على لبنان. جاء مثل هذا التحذير الرسمي من خارج السياق العام للزيارة التي جاءت للتعبير عن التضامن مع لبنان بعد انفجار المرفأ.
ولا شك في أن أنقرة قد شعرت بأنها في مرمى الاستهداف الفرنسي المباشر، ومن لبنان هذه المرة. فكان الرد على زيارة ماكرون بزيارة أوكتاي - تشاووش أوغلو. وهو مبدأ أقرّه رئيس الحكومة التركي السابق أحمد داود اوغلو الذي قال مرة إنه حيث يرفرف علم فرنسي ستجدون قبالته علماً تركياً، ولا سيما في أفريقيا. ولسان حال تركيا اليوم أنه إذا كانت فرنسا استعمرت لبنان 25 سنة، فإن تركيا حكمته أربعمئة سنة.
2- قبل حادثة انفجار المرفأ، كثر الحديث عن طبيعة الدور التركي في لبنان؛ فوزير الداخلية محمد فهمي تحدث رسمياً عن مجموعات تحرّضها تركيا. ورئيس تكتل لبنان القوي جبران باسيل أشار إلى تدخل تركي أمني وتعاون حتى بعض القوى الأمنية اللبنانية مع هذا التدخل(؟).
وبالتأكيد، فإن السفير التركي في لبنان حاقان تشاكيل أجرى اتصالات واسعة مع المسؤولين اللبنانيين لدحض هذه الاتهامات ونفيها. لكن انفجار بيروت جاء فرصة أخرى لكي توضح أنقرة مباشرة هذا الموضوع، من خلال مسؤولين رفيعي المستوى.
3- جاءت الزيارة التركية استباقية في مواجهة قوى على خصام وتنافس معها، مثل مصر والسعودية والإمارات. وباستثناء زيارة أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، فإن أنقرة سجلت هدفاً في مرمى خصومها من العرب الذين لم يرسلوا حتى اليوم أي مسؤول، ولو على مستوى وزير، إلى لبنان والاكتفاء باتصالات هاتفية، وإن على مستوى عال. وبالتالي فإن تركيا تستفيد، وهذا مشروع في قانون الصراع، من حالة الفراغ التي أحدثها انكفاء (لحسابات ضيقة ومستحيلة) بعض العرب، عن مدّ يد التوسط بين اللبنانيين المنقسمين من أجل وقف التدهور ومعافاة لبنان، وأكثر من ذلك الفراغ الذي تشهده «الساحة السنّية» مربط خيل الصراع التركي - العربي. وتركيا التي غابت عن لبنان مئة عام، تبدو أقرب إلى فهمه من أشقائه العرب الذين تجمعهم مظلة الجامعة العربية.
إن الصراع التركي - الفرنسي/الخليجي/ المصري في لبنان قد يصبّ في مصلحة لبنان إذا كان تنافساً في مدّ يد المساعدة في هذه اللحظة «الفقيرة»، لكنه قد يصبح كابوساً إذا تُرجم فِتناً متنقلة.