تشرين الأول 2019، تاريخ نشوب أكثر من 100 حريق في لبنان، وأفول نجم طوافات «سيكورسكي». أحراجٌ لبنانية مُشتعلة، والنيران لامست المنازل. كلّ «الدولة» كانت نائمة، والأهالي يُحاولون إخماد النار... بـ«نربيش» مياه. أين كانت الطوافات الثلاث من نوع «سيكورسكي» طراز S-70A؟ كشفت المصيبة حينذاك أنّ الطوافات «أُحيلت إلى التقاعد» منذ الـ2012، ولم تخضع للصيانة من حينه، بسبب عدم تخصيص الأموال اللازمة لها في ميزانية الجيش. كانت تلك الضربة الأولى لإبعاد الطوافات عن المشهد العام، قبل أن تشطبها جلسة مجلس الوزراء اليوم نهائياً. فعلى جدول أعمال المجلس أُدرج طلب وزارة الدفاع «الموافقة على بيع خمس طائرات نوع Hawker Hunter وثلاث طوافات نوع Sikorsky بالمزايدة العمومية».

داخل الملفّ المُرسل من وزارة الدفاع، استعادة لكيفية إتمام صفقة شراء الطوافات، بأنّه في الـ2009 «قُبلت هبة عن ثلاث طوافات نوع سيكورسكي مُقدّمة من جمعية «أخضر دايم» لاستعمالها في إخماد الحرائق، وقد نفّذت الطوافات 1226 ساعة طيران حتّى توقّف نشاطها». في الـ2011، «تعرّضت الطوافة AD-1601 لحادث جسيم، ولم يُعثر على القطع المتضررة في الأسواق العالمية». في الـ2012، تعرّضت الطوافة AD-1602 لعُطل «وتعذّر تأمين قطع البدل اللازمة لمساعفتها». أما في الـ2017، فقد توقّفت الطوافة AD-1603 بعد أن «استهلكت ساعات العمل». إصلاح الطوافات كان سيُكلّف «حوالى 9 ملايين دولار، والكلفة السنوية لتأمين جاهزيتها مليون و600 ألف دولار». ومن الأسباب الموجبة للبيع، بحسب الملف الوارد إلى مجلس الوزراء، أنّ «التجارب أثبتت أنّ فعالية الطوافات منخفضة في إطفاء الحرائق بسبب صعوبة المناورة فيها، وارتفاع كلفة ساعة الطيران عليها - 5000 دولار - والمشاكل التقنية التي تُعاني منها بسبب قدمها، وقد يكون العمل لإعادة تجهيزها هدراً للأموال»، مُقارنةً بين هذه الطوافات والطوافات التي تستخدمها القوات الجوية حالياً من نوع UH-1H وHuey-II «التي تُقدّر كلفة ساعة الطيران عليها بـ2000 دولار». أما بالنسبة إلى الخمس طائرات من نوع Hawker Hunter، فبيعها يتمّ لأنّ «استخدامها لم يعد آمناً وعدم توافر قطع بدل لها» (وهي فعلاً طائرات عسكرية قديمة جداً). وقد أبدت المديرية العامة للدفاع المدني ووزارة المال موافقتهما على طلب وزارة الدفاع.
من المُستغرب أن تُقدّم طوافات الـ«سيكورسكي» كما لو أنّها «غير نافعة»، بعد أن سُوّق لها بأنّها مُختصة بمكافحة حرائق الغابات، تتحرّك بسرعة ومُفيدة في المناطق الجبلية، ومُجهّزة بخزانات إضافية تصل سعتها إلى نحو 12 ألف ليتر. وعند استقدامها قبل 11 عاماً، أقيمت لها الأفراح بشعار «إجونا من السما»، فضلاً عن أنّه في العام 2009، توجّه فريق مختصّ من سلاح الجوّ في الجيش اللبناني إلى مطار «ثيركستون» في بريطانيا، للكشف النهائي على الطوافات الثلاث، وقرّر اعتماد هذا الطراز (S-70A) وليس الطائرات العادية، لأسباب مرتبطة بطبيعة الأرض في لبنان. فلماذا بدّل الجيش رأيه، بعد أن شاركت الطوافات في إطفاء العديد من الحرائق الكُبرى ونقل الجرحى والمُصابين والقيام بعدد من المهام (حادثة الطائرة الإثيوبية مثلاً)؟
يقول أحد المُتابعين لصفقة شراء الطوافات إنّ «هذه العملية لم تُكلّف الدولة قرشاً، وتضمنت تغطية تكلفة الصيانة لمدّة ثلاث سنوات، كما أنّ شركة طيران الشرق الأوسط تبرّعت في إحدى السنوات لصيانة إحدى الطائرات»، مُعتبراً أنّه لو فُتحت اعتمادات مالية لصيانة الطوافات «لما كانت أوقفت عن العمل، وجرى التحجّج بغياب قطع الغيار، فيما طراز الـS-70A يُستخدم لإطفاء الحرائق داخل الولايات المتحدة نفسها». ولكن ألا يُعتبر الأمر مُبرّراً في ظلّ الأزمة التي يمرّ بها البلد؟ يردّ بأنّه «أولاً لا يُمكن مقارنة كلفة صيانة هذه الطوافات بطوافات عادية لا تتعدّى سعتها الـ700 ليتر، فإذا ما أُخذ هذا الأمر بعين الاعتبار تكون كلفة صيانة النوعين متقاربة. ثانياً، تبقى صيانة الـ«سيكورسكي» أوفر من الكلفة البيئية التي سيتكبدها البلد من جرّاء اندلاع الحرائق وعدم قدرة الطوافات العادية على التدخل في المناطق الوعرة». يسأل المصدر عن وجود «قطبة مخفية» خلف بيع الطوافات الثلاث، «فالعام الماضي، توجّه وفد لبناني إلى إسبانيا للبحث في شراء طوافات جديدة، وكان يُسوّق جوّ داخل وزارة البيئة بأنّه يجب تبديل طوافات الـ S-70A. شراء معدات جديدة بوجود القديمة لن يكون مُبرّراً، لذلك ربّما يجد المسؤولون أنّه يجب بيع الـ«سيكورسكي»».

في العام الماضي، توجّه وفد لبناني إلى إسبانيا للبحث في شراء طوافات جديدة


الأيام المقبلة كفيلة بتبيان الغاية الحقيقية خلف بيع الطوافات المُهترئة، ولكن يبقى أمر أساسي لا يُمكن تخطّيه، وهو ضرورة وجود خطة شاملة لمكافحة الحرائق، واحدة من أهم ركائزها العنصر البشري. فمنذ إتمام الصفقة في الـ2009، كان خبراء بيئيون يتحدثون عن «عدم فعاليتها»، لاعتبارهم أنّ الأجدى كان تخصيص الـ14 مليون دولار (ثمن الطوافات الثلاث) لتوظيف حرّاس أحراج وتجهيز البلديات. «ما عُرف في بداياته، سهُل التحكّم به. الوقاية والمراقبة والتشخيص مُبكراً من أهمّ مبادئ مكافحة الحرائق»، يقول أحد الخبراء البيئيين. في المرتبة الثانية، يأتي تجهيز البلديات بوسائل بسيطة تُمكنّها من التدخل سريعاً، وتطويق الحريق. الحديث عن أهمية «العنصر البشري»، يُعيد إلى الواجهة انتظار 106 موظفين ناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية لوظيفة حراس أحراج في وزارة الزراعة (فئة رابعة) تعيينهم منذ الـ2017. رئيس مجلس الوزراء حسّان دياب وقّع المرسوم، ولكنّه لا يزال عالقاً في أدراج القصر الجمهوري.