حريّة الجمعيّات: رحلة الألف ميل بعد مئة عام
استُفزّ وزير الداخلية والبلديات زياد بارود من المساءلة التي طرحتها «الأخبار» بشأن تأخر الوزارة في تسليم العلم والخبر إلى العديد من الجمعيات، رغم مرور وقت طويل على إيداع أوراقها لدى الدائرة المختصة في الوزارة.
«ليس صحيحاً هذا الادعاء، وأنا أطالبكم بإعداد لائحة بهذه الجمعيات، وأنا على استعداد لتوقيع طلباتها على الفور»، قال بارود لـ«الأخبار»، على هامش الندوة التي عُقدت في المجلس النيابي، أمس، لمناسبة العيد المئة لقانون الجمعيات الصادر في عهد السلطنة العثمانية عام 1909.
بناءً على عرض الوزير بارود، ندعو الجمعيات المعنية إلى المبادرة بالإبلاغ عن وضعها، تمهيداً لنشر لائحة بأسمائها، تكريساً لحرية تأسيس الجمعيات الذي اتفق المداخلون في الندوة على أنه حق مقدس كفله الدستور اللبناني وقانون الجمعيات، ودافع عنه مجلس شورى الدولة في قرار شهير صدر عام 2003 لمصلحة جمعية «عدل» ضد الدولة اللبنانية.
بارود ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن خلال الندوة أن الحالة الوحيدة التي لم تُسَلَّم العلم والخبر هي جمعية أُرسل ملفها بتاريخ 16/3/2009 إلى هيئة الاستشارات في وزارة العدل للنظر في وضعها قبل اتخاذ قرار بتسليمها العلم والخبر أو حلها في مجلس الوزراء.
ورغم أن بارود لم يسمِّ تلك الجمعية، إلا أنه بات من المعلوم أن الجمعية المقصودة هي الجمعية اللبنانية من أجل حقوق المثليين والمثليات في لبنان «حلم». تقدمت هذه الجمعية بأوراقها إلى الداخلية منذ 4 سنوات ولا تزال تنتظر تسليمها العلم والخبر حتى اليوم.
تنص المادة الثالثة من قانون الجمعيات على أنه لا يجوز تأليف جمعية مستندة إلى أساس غير مشروع مخالف لأحكام الآداب العمومية، وليس معلوماً إذا كانت هيئة الاستشارات في وزارة العدل ستصنف «حلم» بأنها مخالفة للآداب العامة باعتبارها تطالب بإلغاء مادة في قانون العقوبات تنصّ على معاقبة «ممارسة الجنس خلافاً للطبيعة».
وعرض صاغية العديد من التعديلات الواجبة على القانون، ومنها حق المقاضاة للجمعيات دون أي تصنيف لها على أساس النشاط أو صفة المنفعة العامة، وحق الموظفين والقضاة في تأليف الجمعيات، ورأى أن واحداً من عناصر استقلالية القضاء هو تكريس حق القضاة بالتجمع.
النائب غسان مخيبر رأى أن اللقاء هو لتبيان مدى هشاشة حرية الجمعيات، إذا لم ندافع عنها في مواجهة الانتهاكات التي طاولتها. وقدّم مثالاً على ذلك قانون تنظيم المهن الفنية الذي صدر عام 2008 وأعطى وزارة الثقافة صلاحيات تخالف الدستور. وأسف مخيبر كيف أن المجلس الدستوري الحالي لم ينظر في الطعن الذي تقدم به المتعلق بدستورية هذا القانون. وقوبل أسف مخيبر بتبرير من رئيس المجلس الدستوري، عصام سليمان، الذي أوضح أن هناك التباساً في موضوع صلاحية المجلس الدستوري الحالي في النظر بهذا الطعن، إذ تبين للمجلس بعد قراءة معمقة أن قانون المهن الفنية يخالف الدستور في بعض فقراته. لكن قانون إنشاء المجلس الدستوري كان صريحاً في عدم إعطاء المجلس الحالي حقّ النظر في طعون وردت قبل تعيين أعضاء جدد فيه، وإن هذا القانون كان صريحاً في إعطاء الحق لأعضاء المجلس الدستوري المنتهية صلاحيتهم في النظر في دستورية ثلاثة قوانين موجودة لديهم، لكنهم لم يفعلوا. ولفت سليمان إلى «أن كلاماً عن أن أجواء التوافق السياسي أثرت في القرارات التي اتخذها المجلس في الطعون النيابية هو غير صحيح والمجلس غير معني بها». وختم: «إذا صدر قانون بإجماع المجلس النيابي وكان غير دستوري فسنبطله. وليجربونا».
وأكد زياد عبد الصمد أن المجتمع المدني اللبناني يجب أن يمتلك أدوات الرقابة الذاتية وأن يطهّر نفسه من الشوائب، وهناك آلية لمراقبة المجتمع المدني من داخله، معمول بها في العديد من الدول، ويجب أن تُطبَّق في العالم العربي.
عصام خليفة، الاختصاصي في «العثمانيات» عرض إسهام العديد من المفكرين اللبنانين، أمثال خليل غانم ومحمد أرسلان، في صدور القانون 1909، نافياً أن يكون هذا القانون نتاجاً عثمانياً صرفاً. ولم ينسَ خليفة في معرض مدحه للقاضي الفرنسي في مجلس شورى الدولة تيري لورا أن يشير إلى أنّ الانتداب الفرنسي كان قامعاً لحرية الجمعيات في لبنان.
وفيما تولى لوران توفي عرض المثال الأوروبي في حماية حرية الجمعيات، عارضاً القرارات الصادرة عن المحكمة الأوروبية في هذا الشأن، تولى كرم كرم تقديم قراءة سوسيولوجية عن المجتمع المدني اللبناني، مشيراً إلى أن التحدي الأسساسي أمامه هو في التخلص من التبعية السياسية للنظام وفي الخروج من القيد الطائفي.
النائب ميشال موسى، الذي مثّل الرئيس نبيه بري في الندوة، عرض مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن هذا المشروع أقر جملة مقترحات، منها عدم تعليق تسليم العلم والخبر على النشر في الجريدة الرسمية، وإلغاء القانون الذي يعطي وزارة الشباب صلاحية إصدار تراخيص لجمعيات شبابية ورياضية وكشفية. أما في ما يخص النقابات، فرأى موسى أنه لا بد من تشريع توقيع المعاهدة المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
ب. ق
«ليس صحيحاً هذا الادعاء، وأنا أطالبكم بإعداد لائحة بهذه الجمعيات، وأنا على استعداد لتوقيع طلباتها على الفور»، قال بارود لـ«الأخبار»، على هامش الندوة التي عُقدت في المجلس النيابي، أمس، لمناسبة العيد المئة لقانون الجمعيات الصادر في عهد السلطنة العثمانية عام 1909.
بناءً على عرض الوزير بارود، ندعو الجمعيات المعنية إلى المبادرة بالإبلاغ عن وضعها، تمهيداً لنشر لائحة بأسمائها، تكريساً لحرية تأسيس الجمعيات الذي اتفق المداخلون في الندوة على أنه حق مقدس كفله الدستور اللبناني وقانون الجمعيات، ودافع عنه مجلس شورى الدولة في قرار شهير صدر عام 2003 لمصلحة جمعية «عدل» ضد الدولة اللبنانية.
بارود ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن خلال الندوة أن الحالة الوحيدة التي لم تُسَلَّم العلم والخبر هي جمعية أُرسل ملفها بتاريخ 16/3/2009 إلى هيئة الاستشارات في وزارة العدل للنظر في وضعها قبل اتخاذ قرار بتسليمها العلم والخبر أو حلها في مجلس الوزراء.
ورغم أن بارود لم يسمِّ تلك الجمعية، إلا أنه بات من المعلوم أن الجمعية المقصودة هي الجمعية اللبنانية من أجل حقوق المثليين والمثليات في لبنان «حلم». تقدمت هذه الجمعية بأوراقها إلى الداخلية منذ 4 سنوات ولا تزال تنتظر تسليمها العلم والخبر حتى اليوم.
تنص المادة الثالثة من قانون الجمعيات على أنه لا يجوز تأليف جمعية مستندة إلى أساس غير مشروع مخالف لأحكام الآداب العمومية، وليس معلوماً إذا كانت هيئة الاستشارات في وزارة العدل ستصنف «حلم» بأنها مخالفة للآداب العامة باعتبارها تطالب بإلغاء مادة في قانون العقوبات تنصّ على معاقبة «ممارسة الجنس خلافاً للطبيعة».
إذا صدر قانون بإجماع المجلس النيابي وكان غير دستوري فسنبطله وليجربونا
المحامي نزار صاغية رأى أن الكثير من مواد القانون يمكن أن تفسر على نحو واسع وبما يضيّق على حرية تأسيس الجمعيات وعلى الأسباب الموجبة لحلها. ورأى أن التحدي هو في تسليم العلم والخبر لجمعيات تعمل على قضايا حساسة مثل جمعية «حلم» التي تطالب بتعديل قانون العقوبات. وسأل: هل المطالبة بإلغاء مادة قانونية هي مخالفة للآداب العامة؟ وماذا عن تغير شكل الحكومة الذي لا تجيزه المادة الثالثة في قانون الجمعيات؟ فرغم غضّ نظر المشترع عن هذه الفقرة، إلا أنها مثال على أن القانون العثماني يحتاج إلى تعديل بما لا يسمح بالتوسع في تحديد الأسباب الموجبة لحجب العلم والخبر. وعرض صاغية العديد من التعديلات الواجبة على القانون، ومنها حق المقاضاة للجمعيات دون أي تصنيف لها على أساس النشاط أو صفة المنفعة العامة، وحق الموظفين والقضاة في تأليف الجمعيات، ورأى أن واحداً من عناصر استقلالية القضاء هو تكريس حق القضاة بالتجمع.
النائب غسان مخيبر رأى أن اللقاء هو لتبيان مدى هشاشة حرية الجمعيات، إذا لم ندافع عنها في مواجهة الانتهاكات التي طاولتها. وقدّم مثالاً على ذلك قانون تنظيم المهن الفنية الذي صدر عام 2008 وأعطى وزارة الثقافة صلاحيات تخالف الدستور. وأسف مخيبر كيف أن المجلس الدستوري الحالي لم ينظر في الطعن الذي تقدم به المتعلق بدستورية هذا القانون. وقوبل أسف مخيبر بتبرير من رئيس المجلس الدستوري، عصام سليمان، الذي أوضح أن هناك التباساً في موضوع صلاحية المجلس الدستوري الحالي في النظر بهذا الطعن، إذ تبين للمجلس بعد قراءة معمقة أن قانون المهن الفنية يخالف الدستور في بعض فقراته. لكن قانون إنشاء المجلس الدستوري كان صريحاً في عدم إعطاء المجلس الحالي حقّ النظر في طعون وردت قبل تعيين أعضاء جدد فيه، وإن هذا القانون كان صريحاً في إعطاء الحق لأعضاء المجلس الدستوري المنتهية صلاحيتهم في النظر في دستورية ثلاثة قوانين موجودة لديهم، لكنهم لم يفعلوا. ولفت سليمان إلى «أن كلاماً عن أن أجواء التوافق السياسي أثرت في القرارات التي اتخذها المجلس في الطعون النيابية هو غير صحيح والمجلس غير معني بها». وختم: «إذا صدر قانون بإجماع المجلس النيابي وكان غير دستوري فسنبطله. وليجربونا».
وأكد زياد عبد الصمد أن المجتمع المدني اللبناني يجب أن يمتلك أدوات الرقابة الذاتية وأن يطهّر نفسه من الشوائب، وهناك آلية لمراقبة المجتمع المدني من داخله، معمول بها في العديد من الدول، ويجب أن تُطبَّق في العالم العربي.
عصام خليفة، الاختصاصي في «العثمانيات» عرض إسهام العديد من المفكرين اللبنانين، أمثال خليل غانم ومحمد أرسلان، في صدور القانون 1909، نافياً أن يكون هذا القانون نتاجاً عثمانياً صرفاً. ولم ينسَ خليفة في معرض مدحه للقاضي الفرنسي في مجلس شورى الدولة تيري لورا أن يشير إلى أنّ الانتداب الفرنسي كان قامعاً لحرية الجمعيات في لبنان.
وفيما تولى لوران توفي عرض المثال الأوروبي في حماية حرية الجمعيات، عارضاً القرارات الصادرة عن المحكمة الأوروبية في هذا الشأن، تولى كرم كرم تقديم قراءة سوسيولوجية عن المجتمع المدني اللبناني، مشيراً إلى أن التحدي الأسساسي أمامه هو في التخلص من التبعية السياسية للنظام وفي الخروج من القيد الطائفي.
النائب ميشال موسى، الذي مثّل الرئيس نبيه بري في الندوة، عرض مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن هذا المشروع أقر جملة مقترحات، منها عدم تعليق تسليم العلم والخبر على النشر في الجريدة الرسمية، وإلغاء القانون الذي يعطي وزارة الشباب صلاحية إصدار تراخيص لجمعيات شبابية ورياضية وكشفية. أما في ما يخص النقابات، فرأى موسى أنه لا بد من تشريع توقيع المعاهدة المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
ب. ق