«حزب الخلافة» يعود إلى العتمة
انتهت مرحلة أحمد فتفت. نتائج الانتخابات البلدية أكدت هذا الأمر على المستوى الشعبي، ونية حكومة الرئيس سعد الحريري بسحب العلم والخبر الذي حازه حزب التحرير أيام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة تؤكد هذا الأمر على المستوى السياسي
غسان سعود
على كورنيش البحر يمكن مصادفتهم يوزعون كتيبات تعرّف بحزبهم، قرب الملاعب كما قرب الجوامع أيضاً، وغالباً في المدارس والجامعات. يرصدون اهتماماً صغيراً بهم لفتح حوار يقودونه إلى حيث يريدون، فيوافق محاورهم على لقاءات أخرى. ولاحقاً، لا يعقّدون الأمور، فاللقاء بهم لا يتطلب زيارة مقر الحزب أو غرف سرية، سيسرهم النقاش العلني على مرأى ومسمع من الناس.
الشبان المبشّرون بحزب التحرير لا يشبهون الصورة النمطية للإسلاميين. قرب الكورنيش يرتدون ثياباً رياضية، لا لحى مرخيّة، يتكلمون العامية لا الفصحى، يتنقلون من مقهى إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى من دون أخذ التفاصيل التي يتوقف عندها غيرهم في الاعتبار. وحين ييأسوا من إقناع محاورهم بالانضمام إليهم في مسيرتهم لإقامة «دولة الخلافة الإسلامية وتوحيد المسلمين تحت مظلّة الخلافة»، يحاولون بناء صداقة، متقبلين (مرحلياً أقله) حفاظ الآخر على اقتناعاته. والأهم في التحريريين، وفق ما يرددونه دائماً، أن لا علاقة لهم بالأمن أو العسكر. فلا جهاز أمنياً سرياً أو علنياً يتفرع من الحزب، خلافاً لمعظم الأحزاب الإسلامية. وهم يصرون على القول دائماً إنهم سلميون، ينشرون أفكارهم عبر المؤتمرات والنقاشات.
هذه الأفكار هي أكثر ما يميز حزب التحرير الذي انطلق من فلسطين عام 1953 على يد الشيخ تقي الدين النبهاني، وأبرزها ثلاث:
1ـــــ إقامة الخلافة. ففي بيروت، في وضح النهار، ستجدون طبيباً حديث التخرج يقول بثقة إن «القضية المصـيرية للمسلمين في العالم أجـمع هي إعادة الحكم بما أنزل الله، من طريق إقامة الخلافة، ونصب خليفة للمسلمين يبايعُ على العمل بكتاب الله وسُنّة رسوله، ليهدم أنظمة الكفر، ويضع أحكام الإسلام مكانها موضع التطبيق والتنفيذ». وقبل أن ينتهي الطبيب الشاب سيقاطعه «أخوه»، مؤكداً أن «أنظمة الكفر» المقصودة تقوم في لبنان كما في سوريا والسعودية وغيرها. وسيرفض الشباب أي حلول وسط في سعيهم إلى إقامة الخلافة، فتلك هي القضية. والأمر أشبه، يشرح أحد الشبان، أن تطلب من حزب الله التخلي عن ولاية الفقيه ومن المسيحيين عدم المعمودية ومن الحزب السوري القومي الاجتماعي استبدال الهلال الخصيب بسهل البقاع. وفي انتظار الخلافة، لا يقع الحزب في التناقض بين ما يفكر فيه وما يفعله. ففكرته عن إقامة الخلافة تجعله يعتقد أن حصوله على وزارة المال أو وزارة الاقتصاد أو فوزه بكتلة نيابية لا معنى له في ظل «الدولة العلمانية»، وبالتالي يلتزم معظم أعضائه بمقاطعة الانتخابات لأنها بكل بساطة «صراع على لا شيء» ما دام لا مرشحين يحملون مشروعاً إسلامياً.
2ـــــ ضد الديموقراطية. متصالحون مع أنفسهم ومقتنعون جداً بما يقولونه، يجاهر الناشطون في حزب التحرير برفضهم الديموقراطية مبدأً وممارسة، فهي «نظام كفر يحرم التعامل معه». لكن رغم رفض التحريريين مبدأ الديموقراطية، يُفهم من كلامهم أنهم يعتمدون عليها لإقامة الخلافة المنتظرة، فيشرح أحد الشبان أنهم يعدّون الرأي العام وينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه خوض الانتخابات والفوز بالعدد الكافي من المقاعد لتعديل الدستور وتحويل الجمهورية اللبنانية إلى ولاية لبنان. عندها سيكون الخليفة هو السلطتين التنفيذية والاشتراعية و«إن نازعه ثان يُقتل إن لم يتنازل، وكل منازع للخليفة وجب قتله». وسيكون للبنانيين «مجلس أمة» أعضاؤه المنتخبون مسلمون وغير مسلمين (يقتصر دورهم على إظهار الشكوى من إساءة تطبيق الإسلام). مع العلم بأن «إقامة الأحزاب السياسية حق للمسلمين وحدهم». ويفترض بهذه الأحزاب أن تكون قائمة على العقيدة الإسلامية.
الدراسات الأكثر جدية عن حزب التحرير رأت أن قدرته على التكيّف مميزة، فهو ينسج رسالته بما يناسب شعوب دول مختلفة، ما يسمح له بإيصال رسالة موحدة إلى جميع الدول التي يعمل فيها. وتشير إحدى هذه الدراسات إلى أن للحزب «انتشاراً واسعاً في العالم، وخصوصاً في فلسطين ولبنان وإندونيسيا وماليزيا وأوزبكستان (لديهم في أوزباكستان أكثر من سبعة آلاف معتقل)، وبعض الدول الغربية كالمملكة المتحدة (تضع إنكلترا الحزب تحت المراقبة) وأوستراليا». مع العلم بأن الحزب محظور في معظم الدول العربية والإسلامية، وفي ألمانيا وروسيا. ومنذ بداية هذا الشهر بدأت حملة عالمية على الحزب، فاعتذر الفندق الذي كان يفترض أن يستقبل مؤتمر الحزب في الولايات المتحدة الأميركية عن استقبال المؤتمرين، وتمنعت معظم الفنادق الأخرى عن استقبال التحريريين. وبدأت حملة ملاحقة واعتقالات لأعضاء الحزب في عدة دول. ففي التاسع من هذا الشهر، اعتقلت الاستخبارات الأردنية ثلاثة ناشطين في الحزب. وفي فلسطين، منعت السلطة الفلسطينية أنصار الحزب من دخول مسجد يصلون فيه عادة. أما في غزة، فاعتقلت الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس مجموعة من شباب الحزب كانوا يعدّون لنشاط. ومن فلسطين إلى بنغلادش، اعتقلت السلطات هناك قبل أربعة أيام أربعة شباب، مدعية وجود علاقة بين الحزب و«جماعة الإسلام» رغم تأكيد حزب التحرير أنه لا علاقة به بالمسلحين أو بمجرمي الحروب.
وانسجاماً مع تضامن لبنان مع ما يحصل في العالم، قرر مجلس الأمن المركزي النظر فجأة في أوضاع حزب التحرير. هذا الحزب الذي ينشط بهدوء وبعيداً عن الأضواء منذ بداية الستينيات، كان من الأحزاب النادرة التي تجنّبت بالكامل التدخل في الحرب اللبنانية. وقد بقي محظوراً حتى عام 2006، إذ كانت الاستخبارات السورية حتى انسحابها من لبنان تتعامل بحزم معه، وتنسّق مع استخبارات الجيش لاستدعاء ناشطيه والتحقيق معهم وتوقيفهم أياماً طويلة. ورغم سريّة العمل في تلك المرحلة، يقول أحد المؤثرين في الحزب إنّ عملهم كان ناجحاً وأسسوا قاعدة صلبة، صمدت رغم القمع الشديد. لاحقاً، مع وصول الوزير أحمد فتفت إلى وزارة الداخلية والبلديات، تقدم حزب التحرير بطلب العلم والخبر، فنال الرقم 182/اد بتاريخ 11 أيار 2006. وإثر الانتقادات لفتفت لترخيصه «التحرير»، دافع النائب المستقبلي عن موقفه، مشيراً إلى أنه يعطي العلم والخبر انطلاقاً من التزامه القانون ومبدأ الحرية والديموقراطية. ولاحقاً، في مقابلة مع صحيفة «النهار» أكد فتفت أن لا صلة بين القاعدة وحزب التحرير، مشيراً إلى سؤاله عن صلته بحزب التحرير في واشنطن والقاهرة وعواصم أخرى، فأكد لهم أن الحزب عمره نصف قرن، وهو «نشط سياسياً» وسيطلب بنفسه من مجلس الوزراء حلّه إن توافرت أسباب أمنيّة لا سياسيّة.
في النتيجة، بعد المعلومات الصحافية المغلوطة عن ورود بند طارئ على جدول أعمال مجلس الوزراء، أمس، لبحث قضية حزب التحرير، سأل الوزير جبران باسيل عن الموضوع أمس على طاولة مجلس الوزراء، فأجابه وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بأن «معلومات غير مطمئنة» وردته من الأجهزة الأمنية، لكنه يفضل الاكتفاء بمنع مؤتمرهم اليوم والتريث ريثما يكتمل الملف. وحين طلب باسيل التعامل بحزم مع هذا الحزب، تدخل الرئيس سعد الحريري، داعياً إلى عدم الاستعجال وانتظار بارود.
الحضور المفاجئ لحزب التحرير على طاولتي مجلس الأمن المركزي ومجلس الوزراء أقلق حزب التحرير، فتوزع مسؤولوه بعضهم يطرق باب السياسيين وبعضهم يتواصل مع الإعلاميين. خلال السنوات الأربع الماضية استفاد حزب التحرير من حرية الحركة والممارسة ليبني شبكة علاقات مع كثير من القوى الحزبية والاجتماعية والإعلامية في المجتمع اللبناني. وبالنسبة إلى الحزب، هناك اليوم نواب أصدقاء مثل سمير الجسر ومحمد كبارة ونجيب ميقاتي في طرابلس، وهو طرق دون جدوى باب الرئيس سعد الحريري مرات عدّة. ونجح الحزب بالتوسع أكثر في البقاع وعكار حيث كانت الحركة السياسية صعبة في السابق، ولديه اليوم فريقه الإعلامي وموقعه الإلكتروني ومطبعته ومنشوراته. هذه كلها ستتأثر بالحظر غير المبرّر، يقول الناشطون في حزب التحرير. ويشرح أحد هؤلاء أنها، أولاً، ليست المرة الأولى التي يعقد فيها حزب التحرير مؤتمراً صحافياً. وثانياً، وجهت الدعوات منذ نحو أسبوعين إلى وزراء ونواب وسياسيين ورجال أمن وإعلام وفكر ودين، وأبلغ الأمن العام والمحافظ.
شبان الحزب في نهاية اليوم الطويل بالنسبة إليهم، كانوا يتذكرون سنوات النضال، كيف كانت الاستخبارات تستدعيهم بحجة المسّ بالأمن، ثم تحاكمهم على أفكارهم، معدّين أنفسهم لمرحلة جديدة من النضال من أجل حرية الفكر والمعتقد. بين المزح والجدّ، كان أحدهم يعترف بأنهم يصعّبونها على الدولة، إذ مهما كان خيارها، فلن يكون مصيباً.
مجلس الوزراء منقسماً!
خلافاً لما فُهم من قرار مجلس الأمن المركزي، بمنع أي نشاط غير مرخص لحزب التحرير الإسلامي، وبإحالة موضوع الحزب على مجلس الوزراء لاتخاذ الموقف المناسب، فإن الأخير لم يبحث هذا الموضوع في جلسته أمس، لأنه لم يكن مدرجاً على جدول الأعمال، كما أكد مصدر وزاري، موضحاً أن الوقت ما بين اجتماع المجلسين لم يكن كافياً ليسلك هذا الملف الطريق المعتاد للإحالة.
مع ذلك، حضر أكثر من ملف ساخن على طاولة جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السرايا الحكومية أمس، وأولها كان حادثة تسلل الشاب فراس حيدر إلى طائرة «ناس» السعودية، التي أثارها رئيس الحكومة سعد الحريري في مستهل الجلسة، قائلاً «إن دخول أي شخص بطريقة غير قانونية إلى حرم المطار وبصورة خاصة الوصول إلى مدارج الإقلاع أمر خطير ومرفوض»، مشيراً إلى تأليف لجنة مشتركة خاصة لإجراء دراسة شاملة لكل الأمور في المطار. وأعطى توجيهاته «بوجوب تحديد مكامن الخلل والثُّغر الأمنية واقتراح الخطط والمشاريع والإجراءات الضرورية لتحسين سير الأعمال في المطار»، ووضع تصور شامل للتدابير الضرورية لتفعيل الإجراءات الأمنية وضمان سلامة المرفق الجوي.
في هذا الإطار، كلف مجلس الوزراء وزارة الأشغال العامة والنقل، إعداد تقرير شامل عن الاحتياجات اللازمة، لإقامة الإنشاءات الكفيلة بتوفير حماية المطار، ورفع تقرير خلال 15 يوماً إلى المجلس ليتخذ القرارات المناسبة بشأنه.
وبحسب المعلومات الرسمية عن الجلسة، التي أذاعها الوزير جان أوغاسابيان، فإن الحريري طرح أيضاً مسألة الاتفاقية الأمنية مع فرنسا، وقال إن مجلس الوزراء وافق عليها «لكونها لمصلحة لبنان». ووضع «علامات استفهام حول طبيعة النقاشات» التي جرت في مجلس النواب بشأن هذه الاتفاقية «مع احترامه لحق النواب بالمناقشة في أي أمر، وحق مجلس النواب في رفض أو قبول ما يراه مناسباً». وأكد في هذا المجال «أن هاجس تعريف الإرهاب هو مشترك لدى الأطراف السياسية اللبنانية كافة، وهذه الاتفاقية لا تتضمن أي تعريف للإرهاب، والنص الوحيد الذي يعرّف الإرهاب هو التعريف الذي ورد في الاتفاقية العربية، وهذا الأمر متوافق عليه من الجميع».
ومباشرة بعد الفقرة السابقة، وبحسب ترتيب المعلومات الرسمية، طرح الحريري موضوعاً لافتاً في توقيته ومضمونه، حيث أكد «ضرورة حماية التعاون الوزاري داخل حكومة الوحدة الوطنية، وذلك لتفعيل قدرة الحكومة لمواجهة التحديات على أنواعها»، مشيراً «إلى أن الانقسام داخل الحكومة له انعكاسات سيئة على مجمل أداء الحكومة ومسيرتها». وقال «إن الحكومة مسؤولة عن إدارة شؤون البلد، وهذه المسؤولية تقتضي أن نبحث معاً في مجالات التعاون الكامل وتعزيز الثقة بين الوزراء كافة، ونجاح الحكومة مجتمعة هو لمصلحة كل لبنان».
وفي موضوع التعيينات الإدارية، أعلن أوغاسابيان إنجاز لوائح المرشحين من داخل الملاك، وكذلك مواصفات التعيين وشروطه «وسيصار في أقرب وقت إلى تأليف لجان خاصة لكل موقع قيادي ليصار إلى التعيين». كذلك أعلن أن المجلس أقر إعطاء صندوق المهجرين سلفة خزينة بقيمة 90 مليار ليرة.
غسان سعود
على كورنيش البحر يمكن مصادفتهم يوزعون كتيبات تعرّف بحزبهم، قرب الملاعب كما قرب الجوامع أيضاً، وغالباً في المدارس والجامعات. يرصدون اهتماماً صغيراً بهم لفتح حوار يقودونه إلى حيث يريدون، فيوافق محاورهم على لقاءات أخرى. ولاحقاً، لا يعقّدون الأمور، فاللقاء بهم لا يتطلب زيارة مقر الحزب أو غرف سرية، سيسرهم النقاش العلني على مرأى ومسمع من الناس.
الشبان المبشّرون بحزب التحرير لا يشبهون الصورة النمطية للإسلاميين. قرب الكورنيش يرتدون ثياباً رياضية، لا لحى مرخيّة، يتكلمون العامية لا الفصحى، يتنقلون من مقهى إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى من دون أخذ التفاصيل التي يتوقف عندها غيرهم في الاعتبار. وحين ييأسوا من إقناع محاورهم بالانضمام إليهم في مسيرتهم لإقامة «دولة الخلافة الإسلامية وتوحيد المسلمين تحت مظلّة الخلافة»، يحاولون بناء صداقة، متقبلين (مرحلياً أقله) حفاظ الآخر على اقتناعاته. والأهم في التحريريين، وفق ما يرددونه دائماً، أن لا علاقة لهم بالأمن أو العسكر. فلا جهاز أمنياً سرياً أو علنياً يتفرع من الحزب، خلافاً لمعظم الأحزاب الإسلامية. وهم يصرون على القول دائماً إنهم سلميون، ينشرون أفكارهم عبر المؤتمرات والنقاشات.
هذه الأفكار هي أكثر ما يميز حزب التحرير الذي انطلق من فلسطين عام 1953 على يد الشيخ تقي الدين النبهاني، وأبرزها ثلاث:
1ـــــ إقامة الخلافة. ففي بيروت، في وضح النهار، ستجدون طبيباً حديث التخرج يقول بثقة إن «القضية المصـيرية للمسلمين في العالم أجـمع هي إعادة الحكم بما أنزل الله، من طريق إقامة الخلافة، ونصب خليفة للمسلمين يبايعُ على العمل بكتاب الله وسُنّة رسوله، ليهدم أنظمة الكفر، ويضع أحكام الإسلام مكانها موضع التطبيق والتنفيذ». وقبل أن ينتهي الطبيب الشاب سيقاطعه «أخوه»، مؤكداً أن «أنظمة الكفر» المقصودة تقوم في لبنان كما في سوريا والسعودية وغيرها. وسيرفض الشباب أي حلول وسط في سعيهم إلى إقامة الخلافة، فتلك هي القضية. والأمر أشبه، يشرح أحد الشبان، أن تطلب من حزب الله التخلي عن ولاية الفقيه ومن المسيحيين عدم المعمودية ومن الحزب السوري القومي الاجتماعي استبدال الهلال الخصيب بسهل البقاع. وفي انتظار الخلافة، لا يقع الحزب في التناقض بين ما يفكر فيه وما يفعله. ففكرته عن إقامة الخلافة تجعله يعتقد أن حصوله على وزارة المال أو وزارة الاقتصاد أو فوزه بكتلة نيابية لا معنى له في ظل «الدولة العلمانية»، وبالتالي يلتزم معظم أعضائه بمقاطعة الانتخابات لأنها بكل بساطة «صراع على لا شيء» ما دام لا مرشحين يحملون مشروعاً إسلامياً.
2ـــــ ضد الديموقراطية. متصالحون مع أنفسهم ومقتنعون جداً بما يقولونه، يجاهر الناشطون في حزب التحرير برفضهم الديموقراطية مبدأً وممارسة، فهي «نظام كفر يحرم التعامل معه». لكن رغم رفض التحريريين مبدأ الديموقراطية، يُفهم من كلامهم أنهم يعتمدون عليها لإقامة الخلافة المنتظرة، فيشرح أحد الشبان أنهم يعدّون الرأي العام وينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه خوض الانتخابات والفوز بالعدد الكافي من المقاعد لتعديل الدستور وتحويل الجمهورية اللبنانية إلى ولاية لبنان. عندها سيكون الخليفة هو السلطتين التنفيذية والاشتراعية و«إن نازعه ثان يُقتل إن لم يتنازل، وكل منازع للخليفة وجب قتله». وسيكون للبنانيين «مجلس أمة» أعضاؤه المنتخبون مسلمون وغير مسلمين (يقتصر دورهم على إظهار الشكوى من إساءة تطبيق الإسلام). مع العلم بأن «إقامة الأحزاب السياسية حق للمسلمين وحدهم». ويفترض بهذه الأحزاب أن تكون قائمة على العقيدة الإسلامية.
منذ أيام بدأت حملة عالمية على الحزب المنتشر في فلسطين ولبنان وإنكلترا
3ـــــ ضد الرأسمالية. اللافت في ثقافة التحريريين أنهم يتكلمون بالثقة نفسها والاطلاع ذاته على أمور السياسة والدين والاقتصاد. ويستعيد هؤلاء في كلامهم عن الرأسمالية كلاماً سُحب من التداول منذ عقدين على الأقل، فيعتبرون أن الرأسمالية سبب شقاء الناس، مبررين قولهم هذا بآلاف الأدلة. وهم ينتقدون الاشتراكية والشيوعية أيضاً، مقدمين نظاماً اقتصادياً وضعه مؤسسهم النبهاني بناءً على اجتهادات مبنية على فهمه للشريعة الإسلامية. مع العلم بأن الحزب يقدم رؤية تفصيلية عن كيفية إدارة «الدولة الإسلامية» إذا ما نجح بإقامتها، ويعرض للمهتمّين دستور هذه الدولة والتصوّر الكامل لأجهزتها في الحكم والإدارة. وفيهما يرد أن «حرية العقيدة والرأي والملكية والحرية الشخصية تتناقض مع أحكام الإسلام»، و«المسلم ليس حرّاً في عقيدته، فإنه إذا ارتدّ يُستتاب، فإن لم يرجع يقتل»، و«المسلم ليس حرّاً في رأيه، فما يراه الإسلام يجب أن يراه». والأهم، «المسلم ليس حرّاً في الملك» لأن «الحرية الشخصية لا وجود لها في الإسلام. فالمسلم ليست له حرية شخصية، بل هو مقيّد بما يراه الشرع». وفي دولة الخلافة: تُحرّم الشركات المساهمة والمؤسسات الفردية، يمنع الاتجار بالرموز الدينية المسيحية والخصخصة ممنوعة. أما العملة فهي الذهب والفضة. ومن الاقتصاد إلى التربية: «أساس منهج التعليم العقيدة الإسلامية، وهدفه تكوين العقلية والنفسية الإسلامية لإيجاد الشخصية الإسلامية». واللافت، على صعيد العلاقة بين الخلافة والدول الأخرى، أن البلاد غير الإسلامية هي «دار كفر وحرب. والعلاقة معها تحدد وفق ما يقتضيه الجهاد». الدراسات الأكثر جدية عن حزب التحرير رأت أن قدرته على التكيّف مميزة، فهو ينسج رسالته بما يناسب شعوب دول مختلفة، ما يسمح له بإيصال رسالة موحدة إلى جميع الدول التي يعمل فيها. وتشير إحدى هذه الدراسات إلى أن للحزب «انتشاراً واسعاً في العالم، وخصوصاً في فلسطين ولبنان وإندونيسيا وماليزيا وأوزبكستان (لديهم في أوزباكستان أكثر من سبعة آلاف معتقل)، وبعض الدول الغربية كالمملكة المتحدة (تضع إنكلترا الحزب تحت المراقبة) وأوستراليا». مع العلم بأن الحزب محظور في معظم الدول العربية والإسلامية، وفي ألمانيا وروسيا. ومنذ بداية هذا الشهر بدأت حملة عالمية على الحزب، فاعتذر الفندق الذي كان يفترض أن يستقبل مؤتمر الحزب في الولايات المتحدة الأميركية عن استقبال المؤتمرين، وتمنعت معظم الفنادق الأخرى عن استقبال التحريريين. وبدأت حملة ملاحقة واعتقالات لأعضاء الحزب في عدة دول. ففي التاسع من هذا الشهر، اعتقلت الاستخبارات الأردنية ثلاثة ناشطين في الحزب. وفي فلسطين، منعت السلطة الفلسطينية أنصار الحزب من دخول مسجد يصلون فيه عادة. أما في غزة، فاعتقلت الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس مجموعة من شباب الحزب كانوا يعدّون لنشاط. ومن فلسطين إلى بنغلادش، اعتقلت السلطات هناك قبل أربعة أيام أربعة شباب، مدعية وجود علاقة بين الحزب و«جماعة الإسلام» رغم تأكيد حزب التحرير أنه لا علاقة به بالمسلحين أو بمجرمي الحروب.
وانسجاماً مع تضامن لبنان مع ما يحصل في العالم، قرر مجلس الأمن المركزي النظر فجأة في أوضاع حزب التحرير. هذا الحزب الذي ينشط بهدوء وبعيداً عن الأضواء منذ بداية الستينيات، كان من الأحزاب النادرة التي تجنّبت بالكامل التدخل في الحرب اللبنانية. وقد بقي محظوراً حتى عام 2006، إذ كانت الاستخبارات السورية حتى انسحابها من لبنان تتعامل بحزم معه، وتنسّق مع استخبارات الجيش لاستدعاء ناشطيه والتحقيق معهم وتوقيفهم أياماً طويلة. ورغم سريّة العمل في تلك المرحلة، يقول أحد المؤثرين في الحزب إنّ عملهم كان ناجحاً وأسسوا قاعدة صلبة، صمدت رغم القمع الشديد. لاحقاً، مع وصول الوزير أحمد فتفت إلى وزارة الداخلية والبلديات، تقدم حزب التحرير بطلب العلم والخبر، فنال الرقم 182/اد بتاريخ 11 أيار 2006. وإثر الانتقادات لفتفت لترخيصه «التحرير»، دافع النائب المستقبلي عن موقفه، مشيراً إلى أنه يعطي العلم والخبر انطلاقاً من التزامه القانون ومبدأ الحرية والديموقراطية. ولاحقاً، في مقابلة مع صحيفة «النهار» أكد فتفت أن لا صلة بين القاعدة وحزب التحرير، مشيراً إلى سؤاله عن صلته بحزب التحرير في واشنطن والقاهرة وعواصم أخرى، فأكد لهم أن الحزب عمره نصف قرن، وهو «نشط سياسياً» وسيطلب بنفسه من مجلس الوزراء حلّه إن توافرت أسباب أمنيّة لا سياسيّة.
يصر الحزب على القول إنه سلمي
الأسباب الأمنية لم تتوافر، لكن مجلس الأمن المركزي قرر في اجتماعه الشهري، أول من أمس، بحث موضوع حزب التحرير إثر ورود ثلاثة تقارير إلى المجلس من مديرية الاستخبارات في الجيش اللبناني والأمن العام والأمن الداخلي تشير إلى نية الحزب إقامة مؤتمر في فندق البريستول في 18 تموز. ورأى المجلس أن حزب التحرير لم يلتزم بالقوانين في إعلام المراجع الأمنية بنيته عقد مؤتمر، ما يستوجب من وزارة الداخلية أو مجلس الوزراء بحسب أحد المسؤولين في مجلس الأمن المركزي حل الحزب. لكن، لماذا يُحلّ الحزب ولا يوقف نشاطه حتى يستحصل على ترخيص بشأنه، إذا لزم؟ لأن الحزب، يقول المصدر نفسه، يتناقض مع الدستور اللبناني والقوانين، مع تأكيد مجلس الأمن المركزي عدم وجود أي معطيات عن نيّات أمنية يبيّتها حزب التحرير. في النتيجة، بعد المعلومات الصحافية المغلوطة عن ورود بند طارئ على جدول أعمال مجلس الوزراء، أمس، لبحث قضية حزب التحرير، سأل الوزير جبران باسيل عن الموضوع أمس على طاولة مجلس الوزراء، فأجابه وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بأن «معلومات غير مطمئنة» وردته من الأجهزة الأمنية، لكنه يفضل الاكتفاء بمنع مؤتمرهم اليوم والتريث ريثما يكتمل الملف. وحين طلب باسيل التعامل بحزم مع هذا الحزب، تدخل الرئيس سعد الحريري، داعياً إلى عدم الاستعجال وانتظار بارود.
الحضور المفاجئ لحزب التحرير على طاولتي مجلس الأمن المركزي ومجلس الوزراء أقلق حزب التحرير، فتوزع مسؤولوه بعضهم يطرق باب السياسيين وبعضهم يتواصل مع الإعلاميين. خلال السنوات الأربع الماضية استفاد حزب التحرير من حرية الحركة والممارسة ليبني شبكة علاقات مع كثير من القوى الحزبية والاجتماعية والإعلامية في المجتمع اللبناني. وبالنسبة إلى الحزب، هناك اليوم نواب أصدقاء مثل سمير الجسر ومحمد كبارة ونجيب ميقاتي في طرابلس، وهو طرق دون جدوى باب الرئيس سعد الحريري مرات عدّة. ونجح الحزب بالتوسع أكثر في البقاع وعكار حيث كانت الحركة السياسية صعبة في السابق، ولديه اليوم فريقه الإعلامي وموقعه الإلكتروني ومطبعته ومنشوراته. هذه كلها ستتأثر بالحظر غير المبرّر، يقول الناشطون في حزب التحرير. ويشرح أحد هؤلاء أنها، أولاً، ليست المرة الأولى التي يعقد فيها حزب التحرير مؤتمراً صحافياً. وثانياً، وجهت الدعوات منذ نحو أسبوعين إلى وزراء ونواب وسياسيين ورجال أمن وإعلام وفكر ودين، وأبلغ الأمن العام والمحافظ.
شبان الحزب في نهاية اليوم الطويل بالنسبة إليهم، كانوا يتذكرون سنوات النضال، كيف كانت الاستخبارات تستدعيهم بحجة المسّ بالأمن، ثم تحاكمهم على أفكارهم، معدّين أنفسهم لمرحلة جديدة من النضال من أجل حرية الفكر والمعتقد. بين المزح والجدّ، كان أحدهم يعترف بأنهم يصعّبونها على الدولة، إذ مهما كان خيارها، فلن يكون مصيباً.
مجلس الوزراء منقسماً!
خلافاً لما فُهم من قرار مجلس الأمن المركزي، بمنع أي نشاط غير مرخص لحزب التحرير الإسلامي، وبإحالة موضوع الحزب على مجلس الوزراء لاتخاذ الموقف المناسب، فإن الأخير لم يبحث هذا الموضوع في جلسته أمس، لأنه لم يكن مدرجاً على جدول الأعمال، كما أكد مصدر وزاري، موضحاً أن الوقت ما بين اجتماع المجلسين لم يكن كافياً ليسلك هذا الملف الطريق المعتاد للإحالة.
مع ذلك، حضر أكثر من ملف ساخن على طاولة جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السرايا الحكومية أمس، وأولها كان حادثة تسلل الشاب فراس حيدر إلى طائرة «ناس» السعودية، التي أثارها رئيس الحكومة سعد الحريري في مستهل الجلسة، قائلاً «إن دخول أي شخص بطريقة غير قانونية إلى حرم المطار وبصورة خاصة الوصول إلى مدارج الإقلاع أمر خطير ومرفوض»، مشيراً إلى تأليف لجنة مشتركة خاصة لإجراء دراسة شاملة لكل الأمور في المطار. وأعطى توجيهاته «بوجوب تحديد مكامن الخلل والثُّغر الأمنية واقتراح الخطط والمشاريع والإجراءات الضرورية لتحسين سير الأعمال في المطار»، ووضع تصور شامل للتدابير الضرورية لتفعيل الإجراءات الأمنية وضمان سلامة المرفق الجوي.
في هذا الإطار، كلف مجلس الوزراء وزارة الأشغال العامة والنقل، إعداد تقرير شامل عن الاحتياجات اللازمة، لإقامة الإنشاءات الكفيلة بتوفير حماية المطار، ورفع تقرير خلال 15 يوماً إلى المجلس ليتخذ القرارات المناسبة بشأنه.
وبحسب المعلومات الرسمية عن الجلسة، التي أذاعها الوزير جان أوغاسابيان، فإن الحريري طرح أيضاً مسألة الاتفاقية الأمنية مع فرنسا، وقال إن مجلس الوزراء وافق عليها «لكونها لمصلحة لبنان». ووضع «علامات استفهام حول طبيعة النقاشات» التي جرت في مجلس النواب بشأن هذه الاتفاقية «مع احترامه لحق النواب بالمناقشة في أي أمر، وحق مجلس النواب في رفض أو قبول ما يراه مناسباً». وأكد في هذا المجال «أن هاجس تعريف الإرهاب هو مشترك لدى الأطراف السياسية اللبنانية كافة، وهذه الاتفاقية لا تتضمن أي تعريف للإرهاب، والنص الوحيد الذي يعرّف الإرهاب هو التعريف الذي ورد في الاتفاقية العربية، وهذا الأمر متوافق عليه من الجميع».
ومباشرة بعد الفقرة السابقة، وبحسب ترتيب المعلومات الرسمية، طرح الحريري موضوعاً لافتاً في توقيته ومضمونه، حيث أكد «ضرورة حماية التعاون الوزاري داخل حكومة الوحدة الوطنية، وذلك لتفعيل قدرة الحكومة لمواجهة التحديات على أنواعها»، مشيراً «إلى أن الانقسام داخل الحكومة له انعكاسات سيئة على مجمل أداء الحكومة ومسيرتها». وقال «إن الحكومة مسؤولة عن إدارة شؤون البلد، وهذه المسؤولية تقتضي أن نبحث معاً في مجالات التعاون الكامل وتعزيز الثقة بين الوزراء كافة، ونجاح الحكومة مجتمعة هو لمصلحة كل لبنان».
وفي موضوع التعيينات الإدارية، أعلن أوغاسابيان إنجاز لوائح المرشحين من داخل الملاك، وكذلك مواصفات التعيين وشروطه «وسيصار في أقرب وقت إلى تأليف لجان خاصة لكل موقع قيادي ليصار إلى التعيين». كذلك أعلن أن المجلس أقر إعطاء صندوق المهجرين سلفة خزينة بقيمة 90 مليار ليرة.