«ألفا» والشائعات: الوقت لا ينقضي

الموظفون في «ألفا» قلقون. يشعرون بالحرج بعد توقيف زميلين لهم متهمَين بالتعامل مع إسرائيل، وبالضيق من كثرة التحقيقات. هكذا، لم تعد الحياة داخل الشركة كما كانت، رغم محاولات الإدارة الدائمة «تطبيع» يوميات العاملين فيها، فثمة خوف ينمو خلف جدران مباني ألفا الثلاثة

أحمد محسن
ما زال مبنى «ألفا» على حاله من الخارج. أشعة الشمس تعكس صورة السيارات المزدحمة تحته، فتلتقي ظلالها مجتمعة على واجهته الزجاجية، لتصنع فسيفساء جميلة على الواجهة الكحلية المكسورة بالضوء. لكن هذا المشهد المديني الهادئ يحمل في طياته بعض الذكريات السيّئة. فقرب هذا المبنى، استشهد النقيب وسام عيد. وقرب هذا المبنى، احتشد العشرات من المواطنين لمراقبة اشتعال النيران في الموكب الذي استهدفه الانفجار. لم يكن المبنى مهمّاً أو لافتاً آنذاك. كانت المفارقة الغريبة الوحيدة هي استشهاد الأمني المختص بالهواتف النقالة، على مقربة شديدة من إحدى كبريات الشركات اللبنانية لخطوط الهاتف التي اكتشفها المستهدف. طبعاً، لا يعني ذلك شيئاً على المستوى الأمني، ولا يفترض أن يمثّل اتهاماً لأحد في الشركة. كانت مجرد مفارقة معنوية لافتة، فالشركة الضخمة تعدّ من معالم المنطقة حديثاً.
تغيّر الأمر اليوم. وأن تصبح «ألفا» لافتة للنظر أمر بديهي، بعد توقيف عاملين أساسيين فيها بتهمة التعامل مع إسرائيل. كثيرون الآن ينظرون إلى المبنى بحذر حين يمرّون إلى جانبه، فقد ذاع صيت «ألفا»، وتخطّى الحدود التجارية العادية.
خطوات قليلة إلى الداخل، وتنقشع بعض التفاصيل. في قسم السنترال وقسم خدمة الزبائن، لا يزال العمل طبيعياً. شباب وصبايا يُجيبون عن أسئلة المواطنين الهاتفية، التي ترد تكراراً إلى الشركة. وفي القسم العادي الآخر، حيث تدفع الفواتير وتعالج بعض المشاكل الأخرى، دورة العمل مستمرة. لكن، رغم كل شيء، يمكن الزائر أن يلمس حذراً في عيون الموظفين يصعب تفسيره، لكنه يكاد يكون واضحاً. في البداية، كان من الصعب الحديث مع واحد منهم عن قضية المشتبه فيهما بالتعامل مع إسرائيل. أغلبهم، ابتسم زيفاً، في محاولة لتصوير الموضوع كأنه مزحة سمجة. لكنّ أحد الموظفين تجرّأ وهمس: «الوضع لا يطاق». فهو يرى أن الأشياء قد تغيّرت تماماً. الأشياء ذاتها مختلفة عما كانت عليه، حتى المكاتب والسنترال والأبواب المجهزة بروابط أمنية خاصة يمر الوقت ثقيلاً عليها. كل شيء تغيّر. الهواء الذي يتنفسه الموظفون. توقيت إجازاتهم. نظرة الناس إليهم كموظفين في شركة «ألفا». الشائعات التي تلاحقهم. لكنّ الحكاية ليست هنا. الحكاية كلها خارج المبنى الزجاجي. المبنى الزجاجي هو واجهة الشركة وحسب. وعلى عكس ما يعتقده المواطنون، فإن المبنى الحجري الملاصق، هو المبنى الذي يضم المديرين الرئيسيين في الشركة، إضافة إلى الموظفين المهمين. أما المبنى الثالث، الأشد أهمية، والذي يحوي مكاتب المختصين التقنيين ويتطلّب نفوذاً تقنياً عالياً للدخول إليه، فهو المبنى البعيد عن فرن الشباك.
صعوداً باتجاه المتروبوليتان، يقبع المبنى المهم حيث كان يعمل الموقوفان شربل ق. وطارق ر. اللذان ترفض الشركة التصديق أنهما عميلان حتى الآن. الإدارة تنتظر انتهاء التحقيقات الأمنية وصدور القرارات القضائية النهائية. الموظفون لا ينتظرون شيئاً. الصدمة أقوى من أي اقتناع آخر. لا أحد يمكنه الدخول إلى الغرفة، لكن، من المؤكد أن مكتبَي الموقوفين ما زالا شاغرين. لا موظفين جدداً لتعويض جهودهما، رغم أهمية دورهما على المستوى الفني. فعلى ما يبدو، تولي الشركة العامل النفسي أهميةً كبرى. ووفقاً لمصادر إدارية في الشركة، فإن الموظفين الذين كانوا في فريق شربل وطارق قادرون على إدارة الشركة. المصادر الإدارية نفسها تتمسك بالتعاون مع استخبارات الجيش اللبناني، وتذكّر مراراً بأنها تضع جميع إمكانياتها في تصرّف المحققين اللبنانيين. هكذا، يستفحل التناقض تدريجاً في قرارات الشركة. أولاً في التعاون مع الاستخبارات من جهة والتعامل مع توقيف المشتبه فيهما على أنهما في عطلة زواج من جهة أخرى (جُمِّد عقدا عملهما بعد أيام من توقيفهما بحجة أنهما لا يعملان)، وثانياً في الإصرار على أن الشركة لم تتأثر بعملية التوقيف نهائياً، فيما تتردد شائعات كثيرة في السنترالات المحلية عن تراجع بيع وشراء خطوط «ألفا». كذلك يبدو التأثّر واضحاً على الموظفين، وخصوصاً في المبنى التقني، حيث يخضعون لما يشبه الحجر الصحي، كي لا يصل الإعلام إليهم.
الشائعات تحاصر الشركة إذاً. ماذا عن السياسة التي تنتهجها الإدارة لمواجهة الشائعات؟ «ألفا» في وضع لا تُحسد عليه... إعلامياً. تناقل الخبر بحدّ ذاته لم يكن مشكلة. بالنسبة إلى الإدارة، الإفصاح عن المهمات الحقيقية للمشتبه فيهما هو المشكلة. داخلياً، يحمل الموقوف طارق ر. لقباً باللغة الأجنبية يحوي لفظة «Backbone»، وهو ما يترجم حرفياً العمود الفقري. وما يزيد الطين بلّة هو أنّ الأمر لم يتوقّف عند طارق، فثمّة من

هبوط في المعنويات وموظفون يخضعون لتحقيق يومي
يستنتج وجود حلقة: في البداية شربل ق. مسؤول الصيانة، تلاه مسؤول التصميم، طارق ر. واليوم، ينفي المسؤولون في الشركة الحديث عن توقيف متهم ثالث في «ألفا». فالتأكُّد من حصول أمر كهذا يمكن أن يحطم ما بقي من معنويات داخل الشركة، بالنسبة إلى موظفيها في الدرجة الأولى، الذين يخضعون لتحقيق شبه يومي من الجهات الأمنية المختصة. اللافت في الموضوع أن زملاء للموقوف طارق ر. صدموا مرة أخرى بعد توقيفه. فكما لم يشتبه أحد منهم إطلاقاً في تعامله مع إسرائيل، استغرب آخرون أن يكون الرجل ملتزماً دينياً، وأن يستخدم ثلاث عاملات آسيويات في منزله. كان شخصاً مرحاً وودوداً، ولم تكن تظهر عليه مظاهر التديّن نهائياً، إلا عندما حُقّق معه.
بدورهم، يثبت المواطنون العاديون أن الشائعات يمكن أن تستحيل سلاحاً في وجه الشركة. فهؤلاء الذين يتصلون بين الحين والآخر بالشركة، ويشتمونها، متهمين إياها بالتعامل، لا ينتظرون انتهاء التحقيقات. الأمور حسمت بالنسبة إليهم. موظفو السنترال اعتادوا الأمر، من دون أن يعني ذلك قبولهم باستمراره. وما زال وضعهم أفضل حالاً من بعض رجال الأمن الموجودين أمام المبنى الزجاجي في فرن الشباك. هناك، مرّت بعض السيارات، في مواكب، وبادرت إلى «لبننة» الشائعات. أطلق ركاب السيارات الاتهامات بالتعامل على الشركة بأكملها وطالبوا بإغلاقها. وطبعاً، في حال ثبوت التهمة على الموقوفين، فإن الهتافات تنصبّ على المبنى الخاطئ. فالمبنى الذي كان فيه الموقوفان هو المبنى البعيد عن فرن الشباك. وفي السياق ذاته، كان أحد الموزعين في الشركة يسلّم بعض اللوازم من خطوط تشريج ومواد تجارية أخرى إلى أحد الزبائن، قبل أن تسودّ الدنيا في وجهه في لحظة. فقد تعرّض لضرب مبرح من مجموعة لم يستطع أن يحصي عددها تماماً، لأن السيارة التي نزل منها موشومة بشعار «ألفا». لم ينته الأمر إلا بتدخل أحد العقلاء الذي حاول إقناع الغاضبين بأن الرجل مجرد موزّع، وكان يمكن أن يكون أيّ منهم مكانه. كان ضرباً من ضروب العبث. شتموه مجدداً، وشتموا الشركة.
ربما تحتاج «ألفا» إلى حملة إعلامية جديدة لتلميع صورتها في صفوف المواطنين، لا تتوقف عند دعوة الإعلاميين إلى الغداء باستمرار (كما لفت أكثر من شخص منهم)، ولا تنتهي بتوزيع الهدايا عليهم في نهاية الغداء. الشركة، كما يهمس العاملون فيها، تحتاج إلى «استعادة الثقة بنفسها».

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي