h1>السينودس من أجل المشرق

رحلة العماد ميشال عون بالعودة إلى الأصول المشرقية والعربية لمسيحيّي لبنان والمنطقة، مستمرة. رحلة تجاوزت حدود المصالح الضيقة القائمة على حسابات لبنان الضيقة. وهو أمر يثبته عون يوماً بعد يوم، وخطوة بعد خطوة. وقد عاد إلى مراجعة كاملة تتيح له تثبيت موقف أو تعديله أو السير نحو مرحلة مختلفة تماماً عن السابق. وهي المرحلة التي تدخل تعديلات جوهرية على آلية التفكير وعلى المقاربات وعلى الخطاب نفسه كما على المفردات. محطة السينودس من أجل المشرق فرضت نفسها بقوة على العماد عون، وعلى آخرين معنيين بالأمر من زوايا إضافية، بين هؤلاء الباحث غسان الشامي الذي بدأ نقاشه مع عون، فور الانتهاء من الإعداد الناجح لزيارة الأخير إلى حلب، واتفقا على إعداد دراسة موثّقة تمثّل مستنداً تاريخياً يتكّل عليه لصياغة الموقف السياسي النهائي. خلال أربعة شهور، عمل الشامي مستعيناً بأصدقاء في مصر والعراق وسوريا، محاولاً الابتعاد عن السياسة قدر المستطاع. وفي المقابل، تكفّل «الجنرال» بإعداد الرسالة ذات الطابع السياسي للسينودس، التي يفترض أن يضع فيها النقاط على الحروف كقائد سياسي مسيحي. يقول الشامي إنه اكتشف خلال اجتماعاته الكثيرة مع المطارنة ومراكز الأبحاث، أنه لا دراسات جديّة في الموضوع. حاول الالتفات إلى جميع المراجع الموجودة، والاتصال بالمسؤولين الروحيين والزمنيين المعنيين في حقول دراسته، وسرعان ما تبيّن للشامي وفريق العمل أن ثمة محاولة خطيرة عمرها نحو عشرين عاماً، منذ بروز مفهوم الإسلاموفوبيا، لأبْلَسة الإسلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. تابع العماد عون تفاصيل العمل بنحو شبه أسبوعي، قرأ وبارك النشاط. وسّع تصوّره للموضوع، وتعمّق أكثر في القضية التي تشغله منذ ثلاث سنوات بشأن مسيحيي الشرق. وتابع الأمر مع مجلس المطارنة قبل تسعة أشهر، وفي جولاته على الرهبانيات ولقاءاته المكثفة مع المعنيين في هذا الموضوع منذ انتهاء الانتخابات النيابية

غسان الشامي
لبلوغ مـآل المسيحـيـين فـي المشـرق ودورهـم ومستقبلهـم، لا بد من فاتحةٍ تاريخيةٍ سريعةٍ لاستكناه ماضيهم وصولاً إلى وضعهم الحالي، تنطلق من سيرورتهم في المنطقة، وذلك قبل التوجه إلى المسلمين في ما يجـمـع بين الديانتين المشرقيتين نصّاً وروحاً وتاريخاً وثقافة.
والحال أن ما قبل مرسوم ميلانو (313 م) الذي أصدره الإمبراطور قسطنطين الكبير، الذي جعل المسيحية ديانة معترفاً بها فـي الإمبراطورية البيزنطية، غير ما بعده، حيث كانت المسيحية، رغم الاضطهادات، تجتاح بقداسة المؤمنين فيها بلاد المشرق. ولقد اعتمد البيزنطيون على قبائل مسيحية، أهمّها «غسّان» فـي صراعهم السياسي والعسكري ضد الفرس الذين اعتمدوا أيضاً على «المناذرة» اللخميين المسيحيين فـي ذلك الصراع، وانتشرت المسيحية بين القبائل الضاربة فـي بلاد الشام التي كان غالبية سكانها من الآراميين داخل المدن وفـي الأرياف والبادية، ومن قبائلهم الكبرى تغلب وغسّان (شفـيعهما والعلَم الذي يرفعانه، مار سركيس)، وقبائل كلب وبكر ولخم وجذام وطي وقضاعة وتنوخ والضجاعم من بني سليح وغيرها، وكانت علاقاتهم مع قبائل شبه الجزيرة العربية متواصلة، بفعل الترحال والقرابة والتجارة، حيث وُجدت المسيحية فـي نجران واليمن والبحرين ومكة نفسها، التي تعبّد فـيها النبي محمد والقس (الأسقف) ورقة بن نوفل فـي غار حراء.
كانت المسيحية رسالة رسولية على خطى السيد المسيح، رغم تفشّي الخلافات اللاهوتية، لكن ما إن مدّ الأباطرة أيديهم إليها حتى تغيّرت الحال، فمنذ قسطنطين ومجمع نيقية (325م) بات للسلطة الزمنية اليد الطولى فـي الشأن الكنسي، والدليل على ذلك النزاع مع آريوس (336 ـــــ 256 م) الذي قال إن الكلمة ليس إلهاً. فبعد أن حرّم المجمع تعاليمه، وعدّها بدعة، وأمر بنفيه، اضطر الإمبراطور إلى التراجع عن القرارات التي صدرت ضده تحت وطأة اللعبة السياسية ومصلحة السلطة، فـيما أوغلَ خلفاء قسطنطين فـي تدخّلهم في شؤون الكنيسة وفـي تعيين البطاركة وعزلهم حسب الهوى السياسي والمذهبي. ونجم عن تدخلهم صراع مذهبي مرير ألقى بظلاله حتى وقت متأخر لم يحسمه حتى مجمع خلقيدونية (451م)، أو حتى انسحاب هرقل أمام الجيش العربي عام 638 م، حيث يقول المؤرخ أوسترغروسكي إن الإمبراطور لم يبقَ كبير القضاة، بل بات «حاكماً مستبداً، لم يعد يستمد سلطته من قوة على الأرض بل من الله» وصار له سلطان على الكنيسة، وإنّ «من خصائص الدولة البيزنطية سيطرة السلطة الإمبراطورية على الكنيسة».


يقدّر عدد المسيحيين فـي العالم العربي بحوالى 12 مليون نسمة من أصل حوالى 330 مليوناً
ساعدت السلطة الإمبراطورية على تفتيت المسيحيين فـي المشرق عبر تدخّلها فـي تسعير الصراع اللاهوتي، وحتى دورها الصارخ فـي الاضطهادات بين المونوفـيزيين والخلقيدونيين (المؤمنون بالطبيعة الواحدة أو بالطبيعتين للسيد المسيح)، رغم حاجتها الماسة إلى كل جهد ومدد بشري أمام التغلغل والنفوذ الفارسي الذي كان يستشري آنذاك، فـيما بقي المسيحيون المؤمنون غالباً على مبعدة من هذا الصراع، وأسهم النسّاك والقديسون فـي ضخّ روح المسيحية فـي المشرق بعيداً عن الصخب السياسي. لكنّ كُرهاً عميقاً للسلطة البيزنطية كان يترسّخ فـي نفوس السكان تجلّى بمساعدة بعضهم للفرس خلال اجتياحهم للمنطقــة ووصولـهـم إلى القــدس (614 م)، وأخذهــم خشبــة الصليب، ومن ثم فـي اعتبــار السكــان أن الجيــش العربــي ليس جيشــاً غريبــاً عندما بدأ بالدخول إلى بلاد الشــام منذ عام 634 م.
ما من غرابة أن تقرأ فـي كتب التاريخ عن مساعدة المسيحيين المشرقيين للجيش العربي الإسلامي، ابتداءً من بصرى الشام وصولاً إلى مساعدَةِ منصور بن سرجون، جدّ القديس يوحنا الدمشقي للعرب، على فتح دمشق أمام خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، وتسليم البطريرك القديس صفرونيوس القدس سِلماً للخليفة عمر بن الخطاب، وحتى ثورة الأرمن فـي جيش هرقل فـي معركة اليرموك الفاصلة. وما كتبه ميخائيل السوري البطريرك المونوفـيزي المؤرخ «إنَّ ربَّ الانتقام استقدم من المناطق الجنوبية أبناء إسماعيل لينقذنا بهم من أيدي اليونان، وقد أصابنا خير ليس بالقليل بتحرّرنا من قَسوة الرومان وشرورهم ومن غضبهم علينا من جهة أخرى»، يعدُّ دليلاً على طريقة استقبال المسيحيين للعرب المسلمين، فـيما يصف المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون فـي كتابه (تاريخ أفول وسقوط الدولة الرومانية) حال المصريين عند الفتح قائلاً: «إن العرب استُقبلوا فـي مصر كالمنقذين للكنيسة اليعقوبية، وفـي أثناء حصار عمرو بن العاص لمنف عقدت معاهدة سرية بين جيش منتصر وشعب من العبيد»، حيث مارس البيزنطيون اضطهاداً شديداً على الأقباط بحجة الاختلاف المذهبي. ويقول المؤرخ البريطاني ألفرد بتلر «قال مطران نسطوري: وهؤلاء الذين أعطاهم الله السلطان فـي أيامنا لا يحاربون المسيح ودينه بل هم يدافعون عن ديننا ويجلّون قسوسنا وقديسينا ويهبون الهبات لأديرتنا».
استمرَّ الحضور المسيحي طاغياً فـي المشرق طيلة القرن الهجري الأول. ويقول السير توماس أرنولد (1930 ـــــ 1864) صاحب فكرة كتاب «تراث الإسلام»: «لا يسعنا إلا الاعتراف بأن تاريخ المسيحيين فـي ظل الحكم الإسلامي يمتاز ببعده بعداً تاماً عن الاضطهاد الديني»، ويضيف أن المسيحيين حازوا ثروات، وتمتعوا بنجاح عظيم فـي العصور الإسلامية الأولى، بفضل ما كفل الإسلام لهم من حرية الحياة والتملك والعقيدة، حتى كان منهم أصحاب النفوذ العظيم فـي قصور الخلفاء.
ويقول الأب اليسوعي هنري لامانس: إن «عدد المسلمين فـي آخر القرن الأول الهجري لم يكن يتجاوز 200 ألف مقابل 4 ملايين سوري» وقد تبوّأ المسيحيون مواقع مهمة فـي الدولة وتولّوا حركة التأليف والنسخ والترجمة والعلوم والطب والتجارة، والأسماء فـي هذه المجالات كثيرة لا تحصى، ما يعني أن العرب لم يضطهدوا المسيحيين، ما عدا انقلاب الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي حكم ثلاث سنوات، عليهم، رغم أنه مدفون فـي أرض لهم على بعد خطوات من صومعة القديس سمعان العتيق فـي الدير الشرقي قرب مدينة معرّة النعمان السورية، وقد طردَ بعضهم من الوظائف الرسمية وحوّل عدداً من الكنائس إلى مساجد، ومنعَ بناء الكنائس الجديدة ولبس العمائم، وفرض عليهم جزَّ نواصيهم، ولبس ملابس وأحزمة خاصة، وركوب الخيل من دون سروج، وانتهت هذه الإجــراءات بوفــاته. لكنّ ما قـام به بــدا ناجماً عن مزاجٍ شخصي لا عن توجّه ديني.
وعملياً، فإن أول اضطهادٍ حقيقي للمسيحيين حصل خلال عهد الخليفة العباسي العاشر، المتوكل على الله (861 ـــــ 847 م)، وهو من أمٍّ تركية، وأول خليفة يتمذهب بالمذهب الشافعي، وشهدت فترة حكمه بداية تداعي الدولة العباسية. حيث أعاد تطبيق ما فرضه عمر بن عبد العزيز على المسيحيين، وأضاف إليه منعهم من الاحتفال بأعيادهم خارج بيوتهم، وعدم احترام ملكياتهم أو كنائسهم، وأكرهَ مجموعةً على الإسلام قرب حلب. لكنّ هذا الخليفة الذي شهدت فترة حكمه صراعاً مريراً مع البيزنطيين، جرى خلاله قتل أسرى عرب بعد الطلب منهم العودة عن إسلامهم ورفضهم التنصّر، لم يكتفِ باضطهاد المسيحيين، بل طال اضطهاده الشيعة والعلويين، وكان قد أمر بهدم قبر الحسين بن علي فـي كربلاء.
وقام الحاكم بأمر الله الفاطمي (1021 ـــــ 985 م) بإصدار أوامر إضافـية مثيرة للضحِك، فحدّد للمسيحيين أطوال الصلبان التي يتقلّدونها فـي أعناقهم وأوزانها، ومنعَهم من ركوب الخيل والاكتفاء بركوب البغال والحمير، من دون سروج. وقد اشتهر بغرابة أطواره وسفكه للدماء. ومع أن أمَّه مسيحية، أمرَ بهدم كنيسة القيامة، مقدّماً الذريعة لبدء الحروب الصليبية. لكنّه كذلك هدم جامع عمرو بن العاص فـي الإسكندرية واضطهد اليهود والمسلمين الذين يخالفونه المذهب.
لم تكن حال المسيحيين المشرقيين بعد مجيء العثمانيين، إثر معركة مرج دابق قرب حلب عام 1516 م، أفضل كثيراً من حالهم أيام المماليك، رغم خضوع بعض السلاطين لمتطلباتٍ سياسية وإصدارهم «فرمانات» تزعم تحسين أوضاع المسيحيين، لكنّ الأمور فـي الواقع تدهورت وأدت إلى دخول الغرب فـي لعبة قوقعة المسيحيين وربطِ بعضـهم بعواصمــه منذ الاتفاقية الأولى بين السلطـان العثمــاني سليمان القانوني الذي حكم بين 1566 ـــــ 1520 م والسفـير الفرنسي جان دي لا فوريه، التي جددت مرات عدة، وتضمنت توسيع البنود المتعلقة بالأشخاص والملكيات الفرنسية لتشمل مسيحيي المشرق، وبخاصة الكاثوليك، لكنّ الواقع يدلُّ على أن حالهم بقيت فـي أدنى مستوياتها، وبقوا مواطنين هامشيين لا حول لهم ولا قوة حتى رحيل الدولة العثمانية عام 1916.
وجرّاء هذا الوضع التاريخي المأزوم هَرَعَ المسيحيون المشرقيون مجدداً إلى بثِّ الروح فـي النهضة العربية خلال فترة النزْع الأخير من حكم «الرجل المريض» العثماني، فأسهموا كمؤسسين فـي نَشرِ الوعي عبر الجمعيات والصحف وإعادة إحياء اللغة العربية فـي مواجهة التتريك، وقدموا شهداء فـي ساحات بيروت ودمشق على شفا غروب الاحتلال العثماني، والأسماء أكثر من أن تعدّ فـي هذا المجال. كذلك هرعوا إلى تأسيس، أو المساهمة فـي تأسيس، الأحزاب على أسس المواطنة وفصل الدين عن الدولة، وبعضها على أساس طائفـي مغلّف بنزعة ليبرالية. وكانت غاية الكثيرين منهم التحرر من صفة «أهل الذمة» عبر السعي إلى إنشاء دول قومية أو ليبرالية تعتمد على مبدأ المواطنة والعدالة الاجتماعية، وشاركوا بفعالية فـي الثورات الفلاحية بجبل لبنان (1857 ـــــ 1780)، وجبل حوران فـي سورية. أما بعد معاهدة سايكس ـــــ بيكو وتقسيم المشرق والحرب العالمية الثانية وظهور الدول الوطنية، فقد انخرط المسيحيون فـي مجمل الحِراك الوطني من خلال تأسيس الأحزاب العلمانية والحركات الوطنية، وأدّوا قسطهم فـي الصراع مع إسرائيل بعد تأسيسها كدولة، واحتلالها قسماً من أرض فلسطين وتهجير الفلسطينيين منها، مسلمين ومسيحيين.

الخارطة الحالية للمسيحيين في المشرق

للأسف، لا تتوافر إحصاءات رسمية، أو شبه رسمية، عن العدد الحقيقي للمسيحيين فـي دول المشرق، ولا حتى إحصاءات عالمية دقيقة. وفـي جميع الأحوال، فإن الأرقام تقريبية دائماً. ينقسمُ المسيحيون فـي البلدان المشرقية، عدا مصر، إلى 11 طائفة، فـيما ينقسم الأقباط إلى 3 طوائف، كذلك يتوزع المسيحيون أيضاً على أقليات تاريخية إثنية، مثل الآشوريين والكلدان والأرمن وقلّة قليلة من الأكراد. ويقدّر عدد المسيحيين فـي العالم العربي بحوالى 12 مليون نسمة من أصل حوالى 330 مليوناً، لكنّ أغلبيتهم الساحقة موجودة فـي دول المشرق، ويتوزعون فـي مصر، لبنان، سوريا، العراق، الأردن، فلسطين، ويبلغ مجموع عدد سكان هذه الدول، حسب الإحصاءات الرسمية حوالى 150 مليون نسمة، أي إن معدّلهم يساوي 8٪ من مجموع سكان المشرق، مع الإشارة إلى أن عدد سكان الدولة العبرية بلغ فـي آخر إحصاء رسمي حوالى 7,5 ملايين نسمة، 19٪ منهم من العرب، عدد المسيحيين منهم 148 ألف نسمة، ما يعادل 2.1٪ من مجموع السكان. كذلك بلغ مجموع المسيحيين فـي تركيا وإيران نحو ربع مليون، هاجر الكثيرون منهم فـي السنوات الأخيرة إلى مختلف دول العالم.

هجرة المسيحيّين المشرقيّين تاريخيّاً

إن البحث فـي تاريخية الهجرة من المشرق يقود إلى معارج متعددة. فهي لم تقتصر على المسيحيين فقط، بل طالت مكوّنات أخرى من المجتمع، لكنها لفتت الأنظار لدى المسيحيين إلى قلة عددهم فـي بعض البلدان. أما أسباب الهجرة فمتعددة فـي سياقها التاريخي كتعدد أسبابها والعوامل التي أدَّت إليها.
لم تعد الهجرة ظاهرة مقتصرة على بعض دول العالم، أو تختص بعرقٍ أو دين أو مذهب معين، بل تطال مختلف الأديان والأعراق، ولا تجوز مقاربتها من زاوية واحدة كالسياسة أو الاضطهاد الديني أو الخوف من الآخر، لأن هذا يجعل المقاربة تنمُّ عن جهل وقصر نظر وعن غاية مخبوءة لغرض ما. فأغلب الباحثين والمختصين بالإحصاءات يرون أنها ناجمة عن قرار فردي يقوم به شخص ما، قبل أن تكون هاجساً جماعياً، وهي حق للفرد الذي يستنسبُ عيشاً له فـي مكان يرى فـيه راحته. وهنا يكمن الفرق بين المهاجِر والمهجَّر؛ فالأول اختار إرادياً أن يرتحلَ للعيش والكسب أو تبديل الانتماء، على اعتبار أن ما يطمح إليه لا يتحقق فـي وطنه الأم، والبعض من المهاجرين يذهب كأنه لن يعود، نظراً إلى انعدام الانتماء لديه، لذلك يبحث عن جنسية أخرى يعدّها ملجأً له ولطموحاته. والثاني مهجّر قسراً وعنوة، أُجبر على ترْك أرضه، وهذا ينطبق على المسيحيين وغيرهم، كحالتي فلسطين والعراق، وفي الإجمال، فإن التهجير القسري الناجم عن التعصّب الديني حالة نادرة فـي المشرق.
تُجمع الأدلة على أن هجرة المسيحيين الأولى من لبنان مثلاً بدأت لدى اندلاع الحرب الأهلية فـي عام 1854 م، لكنها بقيت على الأغلب ضمن المشرق، حيث انزاح بعضهم فـي هجرة داخلية، فاتجه قسم إلى فلسطين وآخرون إلى مصر، مع اتجاه البعض نحو أميركا اللاتينية. وأول هجرة فلسطينية من مدينة بيت لحم إلى البرازيل كانت فـي عام 1880 م، واتسع نطاق الهجرة المشرقية إلى أميركا الجنوبيـة منذ عـام 1892 م، وبلغــت حـداً كبيـراً بين الأعـوام 1930 ـــــ 1903 م جرّاء المجاعة والحرب العالمية الأولـى، وما عـُرف بـ«سفر برلك»، خلال أفول شمس الدولة العثمانية. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المهاجرين اللبنانيين فـي البرازيل وصل عام 1970 إلى 1.8 مليون مهاجر، فـيما تشير أرقام لوزارة الهجرة البرازيلية إلى أن عدد اللبنانيين والمنحدرين من أصل لبناني يبلغ حوالى 5.8 ملايين نسمة.

التهجير القسري الناجم عن التعصّب الديني حالة نادرة فـي المشرق
ورصد مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط ومركز دراسات الوحدة العربية والمؤتمر القومي العربي، وبعض الجامعات المسيحية الخاصة فـي لبنان، أسباب الهجرة عموماً، وقالوا إن النسب على النحو الآتي: (44٪ بداعي العمل، 30٪ بداعي تكوين الأسر المختلطة، 15٪ بداعي الدراسة فـي الخارج واختيار وطن بديل، 10٪ بداعي الخوف من التطرف، وأسباب أخرى ثانوية)، ما يشير إلى أن الأسباب الدينية تأتي فـي أسفل سلّم الترتيب، وهو ما يحتّم علينا العودة إليها لاحقاً وبالتفصيل، وضمن كل بلد على حدة، لا بل ضمن المجموعات الإثنية المسيحية والأسباب التي أدت إلى تهجير الأقوام التاريخية.
أسباب الهجرة تشير إلى السبب الاقتصادي الذي يدفع العامل المادي، وشحّ فرص العمل والفقر، كما تلبّي نزوعاً نحو المغامرة. وقد أسهم التشويش التاريخي على الهوية، وعدم تبلورها فـي المشرق عموماً، فـي خفضِ منسوب الانتماء، وبالنسبة إلى المسيحي المؤمن هذا مخالفٌ تماماً للإيمان بالبشارة والمسيح، بمعنى أنه يجب أن يشهد مع يسوع على الحق، وعلى أن البقاء هو كالصخرة التي طلب يسوع من بطرس أن يكونها. فاستمرارية الوجود المسيحي فـي المشرق ليست منّة من أحد، بل واجبٌ. كذلك بدأت الأصولية الإسلاموية تطلُّ برأسها بوضوح منذ الخمسينيات، وهي ناجمة عن قراءة أحادية للنصِّ الديني، وقد استفادت من دعم الغرب المطلق لإسرائيل فـي تجييش أنصار لها، وتطورت هذه الحركات متّكئة على المفهوم الجهادي، ضد الماركسية أولاً ومن ثم الغرب، والأميركي منه تحديداً، كذلك هناك المجزرة الديموغرافـية المبنية على تصورٍ مسبق لتسهيل تهجير الأقوام التاريخية من المشرق وتوفير أماكن لجوء وعمل وجنسية لهم خارج إطارهم الطبيعي والجغرافـي والتاريخي واللغوي والتراثي. أما الهجرة البَيْنية للمسيحيين السوريين نحو لبنان، فهي تاريخية جرّاء التداخل العائلي وحركة المصالح. فالمسيحيون من شمال سوريا، بعد خراب «المدن الميتة» خلال الحروب بين العرب والبيزنطيين وبعد الحروب الصليبية والزلازل والقلاقل، جاء قسم منهم إلى لبنان، كذلك فإنه منذ أربعينيات القرن الماضي قصدَته موجة أخرى من حوران بقصد العمل. وتوالت هجرة المسيحيين من سوريا بعد حرب عام 1967، وتنامَت بعد حوادث الإخوان المسلمين عام 1980، وتمكّن الكثيرون من ذوي الكفاءات والشهادات العليا، وحتى بعض الموجودين فـي الإدارة، من الحصول على تأشيرات عبر أقرباء لهم، ويمّموا شطرَ أميركا وكندا والسويد وبعض البلدان الأوروبية الغربية الأخرى.
وقد أسهم المسيحيون المشرقيون تاريخياً فـي إقامة توازن اجتماعي ثقافـي معرفـي فـي بلدانهم. فخلال الألفـي سنة ونيّف الماضية، احتلوا موقعاً رئيساً فـي بناء الحضارة العربية وتطويرها، لغةً ومعماراً وثـقافـة وإبـداعـاً واقـتـصـاداً، لا كمكــوّن منعـزلِ فـي المجتمع، بل كعنصر أساسي فاعل فـي العمل الإنساني والمعرفـي والعملي. وعبر تشابك المصالح فـي المجتمع كانوا يقرّبون بين مكوّناته فـي العادات والتقاليد والتراحم، ومثّلوا جسراً للتواصل مع المنتج المعرفـي فـي الغرب، مساهمين فـي خفض منسوب النظرة السوداوية والسيّئة التي انتشرت فـيه بعد الحروب الصليبية.
ولم تكن الهجرة قدراً محتوماً فـي أحيان كثيرة، بل كانت خياراً وهاجساً فردياً للبعض، ولذلك فإنه لا يجوز النظر بعين واحدة إلى أصحاب هذين الخيارين. وللحقيقة، فقد حاول عدد كبير من المهاجرين الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم وكنيستهم فـي المهجر، ضمن جهد مضنٍ للحفاظ على الهوية الأصلية، لكنّ طبيعة الحياة فـي المَهاجِر واختلاف طرق التفكير والثقافة والعادات والتقاليد، كل ذلك أسهم فـي خلخلة الهوية المشرقية إلى حدٍّ كبير.

خطوات ومسؤوليّات

منذ سنوات طويلة رفع بعض الحريصين على مستقبل المنطقة أصواتَهم محذرين من عواقب الهجرة على البيئة المشرقية عموماً والمسيحيين فـيها على وجه الخصوص، لكنّ هذه الأصوات لم تؤخّر مهاجراً حتى الساعة عن موعدِ إقلاع طائرته، ولم تُعِد مغترباً إلى وطنه، ما يعني وجود خللٍ فـي الممارسة والمخاطبة والتوجّه وفـي آليات العمل، لا بل فـي التدريس والتعليم والتوجيه، وأن الرسالة لم تصل إلى عموم الناس. ولذلك لا بد من ممارسة نقدٍ حقيقي لوسائل العمل وطريقة الخطاب وآلية التوجه، قبل أن نعود لنتوجه إلى المواطن المسيحي طالبين منه البقاء فـي أرضه والتشبّث بمشرقيّته. وهنا تقع المسؤوليات على:
الدول المشرقية: المشرق عموماً مكوّن من موزاييك طائفـي وإثني، وفقدان واحدٍ منه سوف يفقده غناه وتنوّعه وفرادته ورسالته، ويضعف اقتصاده ويخلخل بنيانه الاجتماعي. لذلك مطلوب من الجهات السياسية الحاكمة فـي المشرق الالتفات إلى موضوع الهجرة المسيحية، لا من منظور ديني فقط، بل من منظور وطني، ترى فـيه ملامح أزمة تلوح أشرعتها فـي الأفق. وعليها المبادرة وطنياً للجم وإزالة الأسباب التي تجعل الشباب المسيحي يهاجر. والمطلوب من سوريا والأردن حالياً احتضان المسيحيين العراقيين مؤقتاً وتمكينهم، لا أن يكونا محطة عبور لهم إلى مغترب بعيد، والسعي لإعادتهم إلى ديارهم. ففـي حال هجرة المسيحيين من العراق، لن تحلّ المشكلة، بل ستطلُّ أخرى مذهبية أو إثنية، سنّية ـــــ شيعية، أو عربية ـــــ كردية، لأن الفتنة تجرّ الفتنة.

أسهم المسيحيون المشرقيون تاريخياً فـي إقامة توازن اجتماعي ثقافـي معرفي فـي بلدانهم

وقال بطاركة المشرق الكاثوليك فـي رسالتهم لمناسبة انعقاد اجتماعهم الأوَّل فـي لبنان عام 1991 إن «آفة الهجرة الخطيرة تنخر جسمنا وتعطّل مسيرتنا، وتحرم كنائسنا وأوطاننا من عطائنا، وإسهامنا وتعاوننا. إننا بحاجة إلى أوطاننا، لأنها بيئة دعوتنا ورسالتنا، وأوطاننا بحاجة إلينا كي نثريها بأصالة حضورنا النشط والعامل».
من الواضح أن الكنائس المشرقية جميعها، وهي ليست كلها كاثوليكية، تتحمّل بطريقة أو بأخرى وِزر الهجرة. فالخطاب الكنسي الإنشائي، والعمل الراعوي التقليدي، والاجتماعي الذي ينضح بالفلوكلورية، والتربوي القائم على معادلة الربح فـي المدارس، والخطاب القائم على الكثير من التخويف من الآخر، وعدم تثبيت مفهوم الانتماء التاريخي والمجتمعي، أسهم إلى حدٍّ كبير فـي تعميق ظاهرة هجرة المسيحـيـين. فالكنيسة ليست برجاً عاجــياً للآبــاء والرهبــان، وليست ترَفــاً مضافــاً وصلاة وبخــوراً، بل هي انغمـاس فـي المجتمع لمقاربة همومه، كما كان السيد المسيح يقارب همومَ الناس، وكما فعل عندما اقتضى الأمر طـرد الصيــارفة من الهـيـكل عندما لــوّح بالســـوط، وكما فعل القديـسون والنسّاك فـي شفاء الروح والجـسد، لا بل فـي صــدّ الهـجمــات التي تـتعرض لها المـجـتمعــات. فالكـثيــرون من آبـــاء الكنيسـة وقـفوا في وجـه الحاكــم المستبـد، وقضوا دفــاعــاً عن إيــمــانـهم بالعدالة.
وقد وَصَفتْ الوثيقة التي قدّمها قداسة البابا، أثناء زيارته لقبرص، المسيحيين المشرقيين، مع تحفّظنا على استخدام مصطلح «مسيحيي الشرق الأوسط» لأنه مصطلح سياسي، بأنهم «مواطنون أصليون ينتمون حقاً وقانــوناً إلى النسيج الاجتماعي وإلى الهوية ذاتها لبلادهم الخاصة»، وهذا توصيف حقيقي، لكنّ الوثيقة التي أشارت إلى أن المسلمين زاوجوا بين الغرب والمسيحية، ذكرت أن الغرب له تقليد مسيحي وأن حكوماته علمانية ولا تستلهم السياسة من الإيمان المسيحي، بل كثيراً ما تحارب بعض تعبيراته.
وهنا يقع على الكنيسة الغربية دورُ مهمٌ فـي تثقيف المؤمنين الغربيين بهذا الشأن، فـي ظل حملة شعواء تقودها تحت جنح الظلام وفـي العلن قوى ووسائل إعلام لشيطنة الإسلام، ما ينعكس سلباً على المجتمعات الأصلية التي تحدّث عنها قداسة البابا.
لكنّ قداسته فـي الوثيقة يقارب الأمر أيضاً من زاوية أن «اختفاء المسيحيين فـي الشرق سيكون خسارة للتعددية التي ميّزت بلاد الشرق الأوسط»، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه إيمانياً لا يمكن القبول بمفهوم «الاختفاء» انطلاقاً من الشهادة للمسيح بأنه باقٍ مع المؤمنين إلى أبد الدهر، وأن البيعة التي أقيمت على الصخرة و«أبواب الجحيم لن تقوى عليها». ومن أجل ذلك تجب الإشارة الصريحة إلى السياسات الغربية الداعمة لإسرائيل، والتي قاربها قداسته من زاوية لينة، لا بل إدانة إسرائيل وجعلها تنصاع للقانون الدولي والإنساني. فقد ذكرت الوثيقة أن «الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يجعل الحياة اليومية صعبةً فـي حرية الحركة وفـي المجال الاقتصادي وفـي الحياة الاجتماعية والدينية».
إن السؤال هنا، هل بقيت حياة يومية للفلسطينيين كي تصبح صعبة؟ فأرقام الأمم المتحدة تفـيد بأن عدد الحواجز العسكرية الإسرائيلية فـي الضفة الغربية التي تبلغ مساحتها 5760 كلم مربعاً بلغ خلال العام الجاري 505 حواجز تشي بأن كلمة «صعوبة» لا تفـي بالغرض. وهل الحروب والمجازر بحق الفلسطينيين منذ ثلاثة أرباع القرن، والتهجير الذي طالهم قسراً، يشي فقط بـ«الصعوبة»؟ وهل أن انحدار نسبة المسيحيين قرب كنيسة القيامة والجلجلة ودرب الصليب من 53٪ إلى 2٪ أو أنهم باتوا 12٪ قرب كنيسة المهد مجرد «صعوبة»؟ كلّا طبعاً، هنا تجب الإشارة إلى المسؤولية المباشرة لـ«التطهير الديني» الذي يقع مباشرة ومداورة على الاحتلال الإسرائيلي حسب القانون الدولي، وعلى الغرب الذي يتلقّف هؤلاء المسيحيين فـي تأشيرات تسمح لهم بالهجرة. وبالتالي تقع على الكنيسة الكاثوليكية أيضاً مسؤولية محاولة منع هجرة من بقي من مسيحيين فـي الأراضي المقدسة، وعدم التسامح فـي بيع أو تأجير أوقاف الكنيسة وممتلكاتها للإسرائيليين، كذلك على الكنيسة الأرثوذكسية وقف بيع ممتلكاتها وتأجيرها لجهات إسرائيليةكذلك غاب الاختلاف الضمني للكنائس فـي لبنان عن مقاربة حالة المسيحيين فـيه، وعن تثبيت رسالة السينودس من أجل لبنان كأرضيّة عمل فـي نموذج علاقتهم مع المسلمين. فلمجرد أن وقّع طرفٌ مسيحي اتفاقاً مكتوباً مع مكوّن إسلامي وقفت قوى سياسية وكنسية علناً وضمناً ضد هذا الاتفاق، لا بل سعى البعض إلى أبلسته، وهو اتفاق مكتوب حصّن البلد فـي مرحلة من المراحل القلقة التي مرّ بها لبنان أخيراً، من حرب أهلية.
وتحدثت الوثيقة عن «تصــاعد الإســلام السياسي فـي مصر وانعزال المسيحيين عن المجتمع المدني»، من دون البحث فـي الأسباب الحقيقية لما يحصل، مع ضرورة الإشارة إلى واقع البؤس الاقتصادي وتطور العلاقة المتوترة بين الكنيسة القبطية والدولة المصرية منذ انزياح الأخيرة إلى الغرب وتحوّلها إلى دولة تعتمد على المعونات الآتية منه.
ومن الملاحظ أن الوثيقة لم تتناول وضع المسيحيين فـي سوريا والأردن، حيث يمثّلون فـي الأولى نسبة 10٪ من السكان البالغ عددهم أكثر من 20 مليون نسمة وفـي الثانية حوالى 4٪، إضافة إلى تحمّل البلدين عواقب تهجير النسبة الأكبر من العراقيين، وخاصة المسيحيين منهم، الذين جاء معظمهم إلى سوريا.
ثم هناك أنواع من الأحزاب السياسية فـي المشرق، منها ما هو فـي السلطة، ومنها ما هو فـي المعارضة، ومنها سلطات أنشأت أحزاباً على قياسها. منها العلماني، ومنها أحزاب تتستّر بالدين، ومنها أحزاب دينية وطائفـية، وعلى الجميع يترتّب سؤال كبير بشأن تحديد هوية المواطنة، والسعي إلى عدم فصل مكوّنات المجتمع بعضها عن بعض.

المسلمون المشرقيّون والعلاقة مع المسيحيّين

إن الإسلام الحقيقي هو الإسلام الذي يدعو إلى «كلمة سواء»، لا الإسلام الذي توسل خطاباً سياسياً تكفـيرياً اجتزأ من القرآن والحديث ما شاء له ليحاول فرض تطرّفه وانغلاقه على المسلمين قبل المسيحيين، ولذلك يتحمّل المسلمون المشرقيون عبء وضع الإسلام فـي إطاره الصحيح، إطار الدعوة التي لا تفرّق بين الأنبياء والرسل، القائمة على احترام العقائد «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا» (النساء 136).
ويتابع القرآن الكريم مطالباً المؤمنين «قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ» (البقرة 136، آل عمران 84). و«لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ» (المائدة 68). فالله هو من أراد أن لا يجعل الناس على دين واحد، لا بل ترك ملايين البشر من دون كتاب أو وَحي «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً» (هود 118)، وهو الذي يقول «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (الحج 17)، فحتى الذين أشركوا يفصل الله بهم فـي الساعة، فليس من أحد ديّان إلّا هو. من هنا، لا مكان للتكفـيريين فـي الإسلام، فكيف إذا كان هؤلاء يكفّرون المسيحيين ويصفونهم بالصليبيين والكفّار والمشركين؟ ففـي القرآن الكريم مئة وأربع عشرة سورة ورد فـيها السيد المسيح. وفـي التفصيـل وردت كلمة (المسيح) فـي القرآن 11 مرة، وكلمة (عيسى) 25 مرة، فـيما وردت كلمة (مريم) 34 مرة، حيث ميّز القرآن الكريم المسيح بصفات عظيمة لم يعطها لنبي آخر، فهو المولود من عذراء «قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا» (مريم 20)، وهو رسول الله وكلمته «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ...» (النساء 171) «يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ...» (آل عمران 45). وهو من روح الله «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ» (النساء 171). وهو المعصوم الوجيه المقرّب «وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» (آل عمران 45). وهو العجائبي «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه» (آل عمران 49) «وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ...» (آل عمران 49). والعارف بالأسرار «وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ» (آل عمران 49)، ويحيـي المـوتى «وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ» (آل عمران 49)، وهو الذي يقوم من بين الأموات «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» (مريم 33). لا بل كرّم القرآن المسيحيين الذين آمنوا بعيسى «وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (آل عمران 55)، وفـي سورة المائدة، التي هي سورة مدنية ومن أواخر السور التي نزلت فـي القرآن يمكن إضافتها إلى سورتي مريم وآل عمران، لأنها تضم بين آياتهــا كيفــية المعاملة مع أهل الكتاب، إجمال لمـا ورد آنفــاً «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتــِكَ إِذْ أَيَّدتُــّكَ بِــرُوحِ الْقُــدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتــُكَ الْكِتَــابَ وَالْحِكْمــَةَ وَالتَــوْرَاةَ وَالإِنــجِيلَ وَإِذْ تَخْـلُـقُ مِنْ الطِّــينِ كَهَيْئَــةِ الطَّيْــرِ بِإِذْنِي فَتَنفُـخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْــرًا بِإِذْنــِي وَتُبــْرِئُ الأَكْمَــهَ وَالأَبْــرَصَ بِإِذْنــِي وَإِذْ تُخْــرِجُ الْمَوْتَــى بِإِذْنــِي وَإِذْ كَــفــَفْــتُ بَنِــي إِسْــرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيــِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِيــنَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ» (المائدة 110).
لم يكتفِ القرآن بتكريم العذراء مريم بسورة عدد آياتها (98) بل أتبعها بسورة آل عمران التي تكرّم آلَها وعدد آياتها (200). ويكفي أنها المرأة الوحيدة المذكورة فـي القرآن، وهي التي اصطفاها الله على نساء العالمين جميعاً «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ» (آل عمران 42)، ويقابلها فـي الإنجيل «مباركة أنت فـي النساء» (لوقا 1: 28)، وجعلها مع ابنها المسيح آية، «وَجَعَلنا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمّه آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ» (المؤمنون 50) ، فالبتول مريم هي الاسم الأنثوي الوحيد الذي ذكره القرآن، وكرّمها المسلمون فـي كل بلد حلوّا فـيه، من نجران إلى الحيرة وطرطوس وإنطاكية، ولم يقربوا الكنيسة المريمية، معقد صلاة ورسامة قبيلتي تغلب وغسّان فـي دمشق. وكلمة مريم هي بالآرامية صفة تعني «الطاهرة» صارت اسماً يعني السيدة، والله بالآرامية والسريانية «موريو» والسيد «مار»، وهي تمرّ إنجيلياً فـي مفاصل البشارة والولادة وعرس قانا الجليل والتبشير الأول والجلجلة، وهذا دليل إضافـي على أن الإسلام يقترب من المسيحية إلى حدٍّ كبير انطلاقاً من المسيح ومريم وحتى القسوس والرهبان «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة 82)، مع احترام كبير للإنجيل الذي أتى المسيح من عند الله «وآتيناه الإنجيل فـيه هدىً ونور» (المائدة 46)، حتى إن الله طلب من نبيّه محمد «فَإِن كُنتَ فِـي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ» (سورة يونس 94).
طبعاً، خريطة العلاقة واضحة فـي التعامل منذ أولّ يوم للمسلمين فـي المشرق بين مجموعة فاتحة والمسيحيين فـيه، فعهدة النبي محمد لدير القديسة كاترينا تقول: «لا يغيّر أسقف من أسقفـيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته، ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شيء من بناء كنايسهم فـي بناء مسجد ولا فـي منازل المسلمين، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أين ما كانوا من برّ أو بحر فـي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، وهم فـي ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه... »، كتابة علي بن أبي طالب، وشهود منهم: أبو بكر بن أبي قحافة، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، العباس بن عبد المطلب، الزبير بن العوام. ومنها عهد النبي لأهل أيلة، وعهده لأهل أذرح ومقنا، ودير مار جرجس الحميراء فـي سورية، وعهدة خالد بن الوليد لأهل دمشق، وعهدة الخليفة عمر في فتح القدس، وعهد أبي عبيدة بن الجراح لأهل بعلبك، وعهدة عبد الله بن سعد لعظيم النوبة.
إن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لا تقوم إلّا على الحوار ولا تستقيم إلّا به، حسب ما يوصي به القرآن «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (العنكبوت 46)، فمن هو الذي ظلم من أهل الكتاب (المسيحيون واليهود) طوال التاريخ المشترك الذي يربط بينهما ويتجاوز ألفاً وأربعمئة عام؟
لذلك، فإن خروج أي مسلم عن هذا المنحى فـي التعامل مع المسيحيين عموماً والمشرقيين منهم خصوصاً، هو خروج عن أسس الإسلام وركائز الدين، فليس منّة أبداً التعامل المبني على الاحترام بين الديانتين السماويتين المتوازيتين، فالمسيحيون هم «مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ» (آل عمران 113).

الكنائس المشرقية، وهي ليست كلها كاثوليكية، تتحمّل بطريقة أو بأخرى وِزر الهجرة


وهنا يقع على عاتق المسلمين المشرقيين عبء العمل بجد على تعميم، فهم الأجيال الطالِعة لدور المسيح والمسيحيين فـي النص القرآني وفـي الحياة المشتركة للوصول إلى «كلمة سواء»، عبرَ نشر ثقافة ما يجمع أبناء الوطن، فليس بالقليل أن الكثيرين من المسلمين حالياً هم فـي جذورهم من المسيحيين، كذلك فإن الكثيرين من المسيحيين المشرقيين كانوا من ديانات ما قبل التوحيد، لكن «وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ»، وفـي حال عدم نشر هذه الثقافة فإن المسلمين قد يجدون أنفسهم ذات يوم يحاربون قوى تقتنع بأنهم هم من يريدون جعل العالم وحيد النظرة، وإن جسر الإسلام الحقيقي إلى الكون هو المسيحية المشرقية التي تعرفه بحكم القرابة والتاريخ والبيت الواحد.
تحتاج هذه الرؤية إلى خطوات تطبيقية وعملية ترتكز على حملة إعلامية واسعة لتعميم ثقافة الانفتاح والحوار والقواسم المشتركة على الجيل الجديد من المسيحيين والمسلمين، وعلى رجال الدين المسلمين مقاربتها، ويقع على الكنيسة تطبيقها، حيث إن دور الكنيسة هو تبيان هذه الخصائص الإسلامية فـي المجتمعات التي تؤثر على سياقها الثقافـي، فيما على قادة المسلمين وضع روحية القرآن فـي نظرته إلى المسيحية أمام الجمهور والفصل بين السياسي والديني. فالوثيقة قالت أيضاً إن «الصراعات السياسية القائمة فـي المنطقة تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة المسيحيين بصفتهم مواطنين كما بصفتهم مسيحيين، ما يجعل وضعهم، خصوصاً، هشاً وغير مستقر»، متناولة ما يسمى الإسلام السياسي وتصاعده فـي المنطقة اعتباراً من عام 1970، واصفة إياه بأنه «ظاهرة بارزة تؤثر على المنطقة وعلى وضع المسيحيين فـي العالم العربي»، مستدركة أنه «يستهدف هذا الموقع المجتمع الإسلامي أولاً، غير أن له نتائج على الحضور المسيحي فـي الشرق، وبالتالي تمثّل هذه التيارات المتطرفة تهديداً للجميع، المسيحيين واليهود والمسلمين، وينبغي لنا أن نواجهها معاً». أي إن على السينودس مناقشة المسلمين المشرقيين الذين يعترفون أيضاً بأخطار التطرف هذا، والعمل على صياغة خطوات تنفـيذية له، تبتعد كثيراً عن فولكلور الاجتماعات ولجان الحوار الشكلانية، والجنوح نحو خطىً عملانية، لا صُوَرية تجمع المتحاورين، فكل هذا لم يوقف هجرة مسيحي أو مسلم واحد متضررٍ من هذا التطرف، حيث يجب أن يوحد همّ الهجرة مسيحيي المشرق ومسلميه، لأن أخطارها تطالهما معاً فـي المواطنة والحياة.


جعجع وعون: الأمس والغد



غسان سعود
بين ميشال عون الذي توج أمس برسالته إلى السينودس تواصلاً مع الأبرشيات والرهبانيات، كان قد استهله باجتماع مع مجلس المطارنة الموارنة قبل نحو 9 أشهر، وبين سمير جعجع الذي سيخاطب الرأي العام غداً بأفكار يفترض أنها ولّت مع ويلاتها، يمكن المتأمل اليوم للرجلين التوقف عند علامات فارقة عدّة:
في الشكل: يفاجئ عون الجمهور بعنوان غير متوقع (رسالة إلى السينودس مثلاً) أو زيارة غير متوقعة (حضوره اجتماع مجلس المطارنة مثلاً)، فيخلق المناسبة. أما جعجع فمواعيده ثابتة: ذكرى حل الحزب وذكرى شهداء القوات اللبنانية. بعيداً عن هاتين المناسبتين، لا مبادرات شخصية.
يختار عون صالونات الأديرة أو قاعات الفنادق أو صالات المطاعم لمخاطبة الرأي العام، فيما يفضل جعجع ملاعب كرة القدم.
يخاطب عون الجمهور جالساً على كرسي، يقرأ ورقة مكتوبة. أما جعجع، فيخطب بلغة حماسية، واقفاً على أصابع قدميه خلف منبر، مرتجلاً معظم خطابه.
يحيط عون نفسه بمجموعة صغيرة من فاعليات المجتمع، مفضلاً التواصل مع الجمهور العريض عبر وسائل الإعلام دون صخب كثير. في المقابل، يتابع جعجع منذ أشهر حجم الحشد الذي سيتحلق حوله ولا يزعجه أبداً مقاطعته مرات عدة خلال خطبته بالهتاف: «الله قوات حكيم وبس» أو «براءة براءة سمير جعجع براءة» ممن توقف الزمن عندهم نهائياً قبل عشر سنوات.
أمّا في المضمون، فيقدم عون في معظم إطلالاته موضوعاً سجالياً يمكن بموجبه فتح نقاش عام. أما جعجع، فيكرر في كل مرة الثوابت والعبارات نفسها.
يستعمل عون أدوات تاريخية ليعبر بالحاضر سريعاً باتجاه المستقبل. أما جعجع، فيستعمل الماضي ليدحض تمايز الحاضر، مصراً على استنساخ الماضي للمستقبل.
يحاول عون تقديم نفسه كصاحب رؤية ومشروع مستقبلي لمئة عام، فيما يعتز جعجع بأنه عملاني أولاً وأخيراً.
يتجاوز عون حدوده، منظراً في العناوين الكبيرة، طارحاً نفسه كحل للوطن. في المقابل، يتقوقع جعجع داخل تركيبة تنظيمية، تكتيكية وديماغوجية، طارحاً نفسه كحل لمسيحيي عين الرمانة والحدث.
بين الاثنين أيضاً، عون مقتنع بأن العمل الحزبي هو خيار متحرر لا يستوجب أداء يمين ولا انضباطاً عسكرياً. أما جعجع، فيعتز بتنظيمه الحزبي الحديدي، مبشراً بأنه أشبه بحزب الله المسيحي.
يولي عون اهتماماً كبيراً بعمل كتلته النيابية، ويتابع تطور عمل هذه الكتلة التشريعي وتحول لجنة المال والموازنة مثلاً إلى سلطة رقابة استثنائية على عمل مجلس الوزراء، فيما يكاد يختفي نواب «القوات» تشريعياً.
يتخطى عون بثوانٍ قليلة المواقف السلبية المتراكمة تجاهه، فيما يعجز جعجع عن ردم الانطباع المكوّن لدى الرأي العام منذ الحرب الأهليّة.


عون: يهودية دولة إسرائيل ستجرّّ تهجيراً جديداًوتوجه إلى البابا بالتأكيد أن من الخطأ مقاربة الواقع المشرقي الحالي من منطلق أقليات وأكثريات، فهذه البلاد منذ فجر التاريخ هي ثمرة تراكم معرفي ثقافي لشعوب كثيرة وديانات شتى منذ ما قبل التوحيد. هذا التراكم جمّعته الأقليات والأكثريات معاً، بحسب عون، في مزيج عزّ نظيره وتقلبات غيَّرت التوجهات السياسية وأبقت التنوع المجتمعي والثقافي داخل الجغرافيا، ولطالما كانت هناك أكثرية باتت أقلية، وبالعكس. وأشار عون إلى «أننا كلما اقتربنا من قريبنا في الوطن وأحببناه، أفلَحنا، وكلما ابتعدنا عن محبة القريب، جنحنا نحو التقوقع أو السقوط أو الهجرة، ولذلك نأمل من قداستكم تعميم ثقافة الانفتاح لا التخويف والاقتراب لا الابتعاد، لنسير جميعاً إلى حيث يعمُّ السلام وتنتصر المحبة». ورأى أن ما من سبب واحد وحيد لنزوع المسيحيين إلى الهجرة، رافضاً تحميل مسؤولية النزف البشري في المشرق للخوف من التطرف الديني فقط، منبهاً إلى خطورة الوضع الاقتصادي المتردي والسياسي المتقلب والحروب المتتالية منذ الحرب العالمية الأولى والفقر والجوع اللذين لحقا بالمشرق جراءهما، والحرب العالمية الثانية واستعمار المنطقة وتأسيس إسرائيل وتقسيم فلسطين والتطهير العرقي بحق سكانها العرب من مسلمين ومسيحيين، واستكمال الضغوط عليهم لتهجير ما بقي منهم، ورفض حق عودتهم إلى بلادهم، مشيراً إلى أن هذه الأسباب كلها أدت إلى الهجرة. وتوقف عون عند «مخطط توطين الفلسطينيين في البلدان التي هجّروا إليها»، مشيراً إلى أنه جزء من مشروع تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وجعل مهد السيد المسيح من دون مسيحيين وشطب الهوية الجامعة للأرض المقدسة، سائلاً كيف يمكن تصور المسيح والمسيحية من دون القدس وبيت لحم والناصرة وكفرناحوم وطبريا؟ وهل من مسيحية من دون البشارة والمغارة والجلجلة والقبر المقدس وبولس الرسول والتلاميذ الذين انطلقوا ليبشروا كل الأمم؟
ودخل عون مباشرة إلى الموضوع الإسرائيلي، مؤكداً للسينودس أن الكلام والعمل على يهودية دولة إسرائيل سيجرّّ تهجيراً جديداً وحروباً ومآسٍ وويلات، وهو إلغاء صريح لرسالتين سماويتين يؤمن بهما أكثر من 3 مليارات إنسان دفعة واحدة، وتكريس أحادية دينية يؤمن بها نحو 12 مليون إنسان، ما يمثّل طعنة للحضارة والإنسانية وتأسيساً لحروب مقبلة.
وخاطب عون البابا، مؤكداً أن المشرقيين ينتظرون من الفاتيكان بما يمثله من سلطة روحية لدى المسيحيين الكاثوليك، ومعنوية بالنسبة إلى العالم، وحضور لكرسي بطرس في قلوب المؤمنين، كما ينتظرون من رؤساء الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية، العمل لدى حكومات وإدارات العالم الغربي لوقف محاولة أبلسة الدين الإسلامي الذي يؤمن به أكثر من مليار إنسان، في تقاليده وعاداته. وأن يُدعى إلى النظر بجوهره ونصّه الديني الأصلي فقط، لا من خلال أفعال مجموعات تكفيرية إرهابية، يرى المسلمون أنفسهم أنهم ضحاياها مثل بقية العالم، وأنها لا تمت إلى دينهم بصلة، لأن الاستمرار في إطلاق نعوت التطرف على الدين الإسلامي وتعميم مفهوم الرُهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا) سيؤدي حتماً إلى مزيد من الصدامات وعدم الاستقرار في المشرق والعالم، وربما إلى صراع ديانات وحضارات لا نهاية له إلّا التدمير الذاتي للعالم.
وشجع عون بطاركة المشرق والكنيسة على الوحدة في النهج والتنسيق دائماً، من حيث المبدأ، وعلى الأقل توحيد عيد الفصح في المشرق. وأكد انتظار المسيحيين المشرقيين من الكنائس المشرقية انخراطاً أوسع في العمل الاجتماعي ودعم الشباب وتحفيزهم على الانخراط في العمل الوطني والاجتماعي ودعوتهم ومساعدتهم على البقاء في بلدانهم والابتعاد عن الهجرة، والسعي إلى تأمين حضورهم الفاعل في المجتمع، وجعل المدارس التي تديرها الكنائس والرهبانيات موقعاً للوحدة الاجتماعية والتنوير، واستخدام سلطتهم لكتابة تاريخ واحد للمنطقة يؤكد وحدة المجتمع ودور النشء الجديد في تنكّب مواقع ريادية. كذلك يأمل المسيحيون المشرقيون من كنائسهم، بحسب الجنرال، السعي إلى وقف التخويف من الشركاء في الوطن وإلغاء مفهوم الآخر المختلف، وذلك على أساس المواطنة.
وبعد نقاش بين المجتمعين والعماد عون، أشار الأخير إلى وجود حاجة ماسة لتربية جديدة وأنظمة تربوية جديدة: «عندما نقول حق الاختلاف، فهذا نظام تربوي جديد. ويفترض أن نعدّ دراسات عمليّة نُسهم بها ضمن مجتمعنا».
تجدر الإشارة إلى مشاركة كل من ممثل البطريرك الماروني نصر الله صفير، المطران رولان أبو جودة، في المؤتمر الذي عقد في فندق «لو رويال» في الضبية، وممثل بطريرك أنطاكية والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، المطران نقولا حكيم، وممثل عن شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن، الشيخ نزيه العريضي، وممثل كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كيليكيا آرام الأول كيشيشيان، المطران كوميتاس أدهانيان، وممثل بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك نرسيس بدروس التاسع عشر، عبود بوغوس، إضافة إلى حشد من السياسيين يتقدمهم رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية.