لتبادر السعودية قبل الانهيار الكبير

ابراهيم الأمين
آفاق التواصل السعودي ـــــ السوري لن تُقفل على الإطلاق، والحاجة الموضوعية إلى الجانبين كافية لاستمرار التواصل. لكن عدم معالجة المشكلات العالقة بين الطرفين جدياً خلال السنوات الثلاث الماضية، دلّ على أنه لا يمكن فتح صفحة جديدة على قاعدة تمزيق ما كان موجوداً، بل على العكس من ذلك، بدا أن الجانبين يهتمان أكثر بالعودة إلى الصفحات السابقة كلما شعرا بالحاجة إلى ذلك، وخصوصاً أن دمشق التي عانت الأمرّين جرّاء السياسة السعودية خلال السنوات الخمس الماضية، تشعر، وهي لا تزال عرضة للضغوط نفسها، بأنها معنية بعدم الركون إلى مواقف تظل في إطار المهادنة أو عملية الاحتواء. بل هي مضطرة أكثر من أي وقت سابق إلى تعديل واقع النفوذ بما يضمن لها القدرة على مواجهة الموجة الجديدة المرتقبة قريباً، والمتصلة بالموضوع الأصلي، أي بالصراع مع إسرائيل.
ما يحصل في العراق أو ما هو معدّ للبنان أو ما هو مرتقب داخل الأراضي الفلسطينية، كله يصبّ في المنحى نفسه. والتوترات المتنقلة ببطء في عدد من الدول الخليجية أو في جنوب الجزيرة، والتبدلات في موقع تركيا ومواقفها، كلها تصبّ في خانة التموضع الاستراتيجي الجديد للمنطقة بعد التعثّر غير المنتظر في المشروع الأميركي الذي انطلق إثر أحداث 11 أيلول الشهيرة.
قيل الكثير عن الهلال الشيعي. وقيل أكثر عن الأمبراطورية الفارسية. وقيل أيضاً عن الدور الشيعي في السعي إلى الإمساك بالمنطقة العربية، وعن دور إيراني مركزي في آسيا الوسطى. وجرى الحديث عن تماهي سوريا مع المشروع الإيراني الهادف إلى الإمساك بالثروات العربية. وقيل وقيل وقيل... لكن واقع الأمر يتطلّب قراءة من نوع مختلف. ويتطلّب مراجعة عقلانية، لا تحدّيَ فيها ولا مكابرة ولا تخيّل، لأن زمن الانتحار الجماعي ولّى، ولأن الناس سيكونون في لحظة الحقيقة أمام الصدمة. وبالتالي، إما أن تكون في موقع الشريك المواجه وإما المحبط القانع أو الخاضع. وهو أمر مرتبط بالقيادة، كما هو مرتبط بالناس أنفسهم.
فشل تلو الفشل يصيب عرب أميركا في الخليج وفلسطين وأفريقيا ولبنان ولا مجال لبثّ الحياة
لقد تحول انضمام أنظمة السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية في المشروع الأميركي، وإن بتفاوت، إلى عبء حقيقي على الإدارة الأميركية نفسها. ذلك أن هذه الأنظمة لم تقدم على أي دور فعال في مواجهة القوى المحلية التي تقود أعنف مقاومة بوجه الاحتلال الأميركي منذ زمن بعيد. فالسعودية فشلت في قمع الجهاديين على اختلاف ميولهم العقائدية، وهي تخشى أن يتحولوا في لحظة ما إلى عنصر الانقلاب الذي يطيح الحكم في الرياض. ومصر لم تفشل في ردع أو قمع المقاومة الفسطينية في غزة والأراضي الفلسطينة وحسب، بل في انتزاع دور في السودان والقرن الأفريقي أيضاً، عدا عن عزلتها في بقية شمال أفريقيا. أما الأردن، فهو يعيش أصعب ظروف داخلية، والإشارات والمعطيات الواردة من هناك تتحدث عن غليان قد ينفجر في لحظة واحدة على شكل انقلاب داخل مؤسسة الحكم أو على شكل حرب أهلية، علماً بأن أخطر ما هو قائم الآن هناك، هو برنامج البيع المنظّم للقطاع العام في الدولة، والتخلّي التدريجي عن مؤسسة الجيش واستبدالها بنظام أمني يقدّم خدمات خارج الحدود. أما في الإمارات العربية المتحدة، فإن قبول قيادتها الرسمية دور التصدي للآتين من الجانب الآخر من الخليج، يضعها في موقع حرج للغاية، وعمليات الطرد المنظّمة التي تقودها أجهزة الأمن هناك ضد لبنانيين وفلسطينيين وعرب آخرين بحجة أنهم مع قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، تطوّرت نحو مستوى متقدم من القمع، وهو أمر بدأت ملامحه الداخلية تظهر من خلال ما تتعرّض له الصحافة القومية في هذا البلد منذ أسابيع عدة، والذي يتجه صوب فرض قيود وعقوبات بحجج مختلفة.
إذا كان كل من على أرض فلسطين ودول الجوار لا يتوقع حلاً حقيقياً من خلال المفاوضات الجارية الآن، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى استعدادات متقابلة بين إسرائيل وقوى المقاومة لجولة مواجهات جديدة، فإن مصير المشروع الأميركي في لبنان، الذي تقوده قوى 14 آذار، يلامس فصله الأخير. ولأن لعبة المنطقة لا تحتمل المحاباة ولا المغامرات، وكل التحريض الطائفي والمذهبي والسياسي والشخصي والقبائلي لن يفيد في مواجهة مصائر الأمم، فإن ما يجري الآن سيتطور إلى مراحل أكثر حساسية، وقد تكون هناك ضحايا كثر من المواطنين في كل الأمكنة. وكل ذلك رهن مستوى الجنون في السجال المستعر الآن.
لكن معالجة الأمر لا تقوم الآن على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب» التي يعشقها اللبنانيون ويدفعون مرة تلو الأخرى الثمن الباهظ جرّاء رفعها. ولأن المعركة تقوم فعلياً بين مشروعين إقليميين، فإن على السعودية، قبل غيرها من الدول أو الجهات أو القوى، أن تستدرك الأمر، وأن تتصرف وفق منطق البورجوازية الذكية لا الغبية، وأن تقبل إعادة توزيع الثروة في المنطقة العربية، ما يتيح توازناً يقود إلى توازن وطني من النوع الذي يحفظ البشر ويحفظ الهوية ويمنع الانفجار.
مع الأسف، المسألة تتجاوز المحكمة الدولية وقراراتها الاتهامية أو ما يدور حولها وفي فلكها. وإن كل الشدّ والجذب لن يفيد، لا في محاصرة قوى المقاومة ولا في إنعاش الميت منذ زمن سابق وتأخّر إعلان وفاته أو تأخّر دفنه.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي