مجزرة شارع الرشيد: إسرائيل تقتل الجوعى
وفقاً لشهادة محمود بعلوشة، وهو واحد من هؤلاء الذين قرّروا خوض غمار المجازفة، فقد تحوّل المكان إلى مسلخ بشري، أصيب فيه المئات من الشبان والعجائز. سُمع الصراخ من مسافة تجاوزت الكيلومتر، فيما لم تستطع أيّ سيارة إسعاف التقدّم لانتشال وإسعاف أيٍّ من المصابين حتى الساعة السابعة صباحاً.
ومع بزوغ الفجر، تبدّت معالم المجزرة، حينما عادت الشاحنات التي كان من المقرّر أن تعود محمّلة بالطحين والمساعدات، وقد تكدّس عليها المئات من المصابين والشهداء، حتى ضاقت أقسام الاستقبال في مستشفيَي «الشفاء» و»المعمداني»، غربي وشرقي مدينة غزة بالمصابين، فبدأ الرجال بنقل الشهداء والمصابين إلى مستشفيَي «العودة» و»كمال عدوان» في محافظة شمال القطاع. وأشارت آخر الإحصائيات التي قدّمتها وزارة الصحة، إلى استشهاد نحو 130 مواطناً، وإصابة أكثر من 300 آخرين.
في شوارع القطاع الذي غصّ بموجة حادّة من الحزن، استحالت الآمال بالحصول على رغيف خبز، إلى جنائز وتقاذف للتهم. أم محمد، وهي جارتنا في السكن، سمع أهالي مخيم جباليا صوت نحيبها وهي ترثو نجلها البكر: «والله ترجيته ما يروح، والله بست إيده وقلتله ما بدنا طحين، كرهت الطحين والخبز، يحرم عليا أكله ليوم ما أموت». في صباح اليوم، يوم الحزن الرهيب ذاته، وفيما كانت العائلات تدفن أبناءها الشهداء الجوعى، لم تستحِ الطائرات العربية من إعادة إنتاج مسرحية الإنزال الجوي ذاتها؛ حيث ألقيت أربعة برشوتات في محافظة الشمال، وانتظرتها عيون الأهالي الذين ترقّبوا سقوطها في أوساطهم، لكنها هذه المرّة لم تذهب إلى الجهة الغربية من شمال القطاع، ما يعني أنها لن تسقط في البحر. ولم تكد موجة التهليل والتصفيق تنتهي، حتى تبيّن أنها سقطت كلها في مستوطنات «غلاف غزة».