نشر مركز القدس للشؤون الأمنية والاستراتيجية، مقالاً للمحلل الخاص لشؤون الشرق الأوسط في المركز جاك نيريا، والذي كان مستشار السياسة الخارجية لرئيس الحكومة السابق إسحاق رابين ونائب رئيس تقييم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. عنون نيريا مقاله بـ«لبنان يقف على حافة الفوضى»، شرح الضابط المتقاعد ما يعاني منه البلد «من وضع اقتصادي صعب إلى درجة أن الطبقة الوسطى قد تم القضاء عليها»، ناقلاً ما يجري في لبنان (مع أن بعضها غير صحيح) «من نقص في كل مجالات الحياة: محطات وقود فارغة، بالكاد ساعات قليلة من الكهرباء في اليوم، لا حليب أطفال، إلغاء هبوط ليلي في مطار بيروت الدولي بسبب نقص الكهرباء على مدارج الطائرات، وانعدام الإمدادات الطبية، إجبار المستشفيات على رفض إدخال المرضى وإغلاق العيادات ومغادرة الأطباء البلاد بالمئات، وكذلك كل من يستطيع الهروب من لبنان».

وبعد نقله وشرحه للواقع المعيشي في لبنان، حمّل نيريا حزب الله المسؤولية عن تدهور الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وهذه السردية تحرص إسرائيل وإعلامها العبريّ والعربي على الترويج لها، فبحسب الكاتب، فإن «المنتجات النفطية التي تستوردها الحكومة اللبنانية تجد طريقها إلى سوريا حيث تباع، لتوضع الأموال في خزائن حزب الله. أما الأدوية، فيستوردها حزب الله من سوريا وإيران وتُباع في السوق السوداء دون أي رقابة أو إشراف على جودتها». وبالطبع، اتهم نيريا حزب الله بإرسال «الرمان إلى المملكة العربية السعودية مليئاً بالأمفيتامينات والمخدّرات الأخرى».
وخلص المقال المنشور في مركز القدس، الذي يقدّم دراساته ونشراته التحليلية للعاملين في السلك الدبلوماسي وممثلي الإعلام في إسرائيل، إضافة إلى صنّاع القرار السياسي، أن «لبنان وصل إلى الهاوية ولا يوجد في الوقت الحاضر شبكة أمان لمنع السقوط، والجهة السياسية الوحيدة القادرة على الطفو فوق هذه الموجة الخطيرة هي حزب الله، بسبب الدعم المالي الذي يتلقاه من إيران». لذلك بحسب المركز، ولمنع زيادة نفوذ حزب الله، على إسرائيل «كما فعلت في لبنان في السبعينيات وبداية الحرب الأهلية في سوريا، فتح السياج الجيد، المعروف ببوابة فاطمة بالقرب من المطلة، وتقديم المساعدة الطبية من خلال مستشفى ميداني، والسماح بتدفق البضائع الإنسانية إلى لبنان عبر اليونيفيل»، لأن إسرائيل تُدرك أنها «لا تستطيع تقديم حزمة مساعدات كبيرة للبنان لأنه يفوق قدراتها، لذلك يمكن لإسرائيل إحياء اتصالها التاريخي مع سكان جنوب لبنان، الذين قد يجرؤون على تحدي حزب الله وقبول المساعدة الإسرائيلية بسبب الظروف الاقتصادية والإنسانية الأليمة».
على الرغم من هذه الخطوات، فإن «الحل لا يكمن في لفتة صغيرة قدّمها الجار الجنوبي للبنان، فلقد ثبت أن الجسم السياسي في لبنان غير قادر على إيجاد حل. وفشلت الصيغة السياسية الطائفية اللبنانية: أُنشئت لأول مرة عام 1958، وعدّلت بعد 15 عاماً من الحرب الأهلية عام 1990، وهي اليوم عفا عليها الزمن»، لذلك يجب «تجديد النظام واستبداله بشيء جديد ومبتكر وتكييفه مع واقع القرن الحادي والعشرين. السياسيون اللبنانيون، وهم في الحقيقة زعماء قبائل عرقية ودينية، عليهم ترك المشهد السياسي والسماح بإصلاح هائل في الجسم السياسي». أما كيف يمكن حدوث ذلك، فيطرح المركز توصية أنه «إذا أريد إنقاذ لبنان قبل أن يغرق في كارثة إنسانية غير مسبوقة، يجب على المجتمع الدولي أن يتدخل، ويجب أن يستولي على سلطات الحكومة اللبنانية الحالية والرئيس واستبدالها بسلطة مخوّلة بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ووضع مفوّض سام لحكم لبنان لفترة محددة من الزمن». هذا المفوض السامي الجديد «سيسمح بإنشاء حكومة تكنوقراطية مختلفة ونظام حكم، وسيمكّن المجتمع الدولي من تقديم المساعدة الاقتصادية والمالية». وبحسب رأي المركز الإسرائيلي، «هذا المفوّض السامي سيساعده وجود عسكري ضخم سيفرض نزع سلاح جميع الميليشيات أولاً وقبل كل شيء ومن ضمنها حزب الله، لأنه بدون تحييد الآلة العسكرية لحزب الله، من المشكوك فيه أن يتم تنفيذ مثل هذا الإصلاح».
هكذا، تريد إسرائيل أن يواجه العالم حزب الله عوضاً عنها، ويقول نيريا في ختام ورقته: «حدثت مثل هذه السابقة في كوسوفو ، حيث تم إرساء السلام أخيراً بعد التدخل العسكري لقوات الناتو. بالنسبة إلى أولئك الذين يشككون في القدرة على مواجهة حزب الله، على المرء أن يتذكر أن حزب الله ليس طالبان، وأن لبنان، ليس العراق أو أفغانستان. بشكل عام، تبلغ مساحة لبنان 10452 كيلومتراً مربعاً، أي نصف مساحة إسرائيل أو ويلز أو نيو هامبشاير».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا