تمكّن النظام السياسي والاقتصادي في لبنان من النجاة على مدى مئة سنة من الولادة وسبعة وسبعين عاماً من الاستقلال، على الرغم من تكرار أزماته واطّرادها. و»الفضل» في ذلك يعود إلى الطائفية بوصفها عنصر حماية سياسية للسلطة، وإلى التسويات التي أعانته على قصوره الذاتي. لقد عطّل نظام تقاسم المصالح الذي أنشأه الفرنسيون مع إعلان دولة لبنان الكبير، الديناميات الاجتماعية التي يمكنها دفع الأمور قدماً إلى الأمام نحو نظام أكثر تطوّراً وحداثة. وقد جاء هذا التعطيل بالدرجة الأولى من خلال جعل الطائفية أقوى بكثير من الانتماءات الأخرى المناطقية والطبقية والمهنية والمؤسّساتية، بل إنّ الانتماء إلى الطائفة تمكّن بعد «اتفاق الطائف» من كسر ما يسمّيه ماكس فيبر العصبية البيروقراطية التي لا تستوي أوضاع القطاع العام ولا تستقيم أموره من دونها. لكنّ العامل الطائفي لم يكن مستقلّاً ولا مكتفياً بنفسه، بل تفاعل مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية، التي ضخّمت الفروقات بين الجماعات، وجعلتها أرضاً خصبة للاستغلال السياسي. ولم يصبّ ذلك في مصلحة عموم أبناء تلك الجماعات كما يزعم، بل لحساب فئة قليلة جدّاً منهم. وكان أصحاب الأجندات الطائفية والتضليلية، هم الرابح الأكبر غالباً من بين السياسيين في جميع المراحل من الاستقلال إلى يومنا هذا.

(مروان بو حيدر)

مساومات قلقة
كانت استمرارية النظام السياسي في لبنان محكومة لمساومات عدّة ساعدته على الإفلات من طائلة التغيير الحتمي. بدءاً من المساومة الأولى التي أنتجت ميثاق عام 1943، فأعطت لبنان استقلاله، وصار نظام تقاسم السلطة بموجبها جزءاً لا يتجزّأ من كينونة البلد الناشئ وشرطاً لبقائه. حقّقت هذه التسوية مرادها في قيام دولة متحرّرة من أعباء الاندماج في المحيط العربي الأوسع، وتحظى بحرّيات اقتصاديّة واسعة وبنسبة أقل من الحريات السياسية، مع تركيبة اجتماعية تجمع على نحو مفارق بين التحرّر والانفتاح والانطواء والتمايز الثقافي والتمييز الاجتماعي والفئوي. كان الالتباس معمّماً في النظام الذي بُني عليه الكيان: توزيع السلطة على نحوٍ مثير للجدل، وليبرالية تجارية جمعت بين انفتاح مفرط على الخارج وانغلاق داخلي محكوم للاحتكارات ذات النفوذ، ونمو معطّل للتنمية ومحبط للتقدّم المستمر.
أدّت هذه المساومة إلى الشيء ونقيضه: ازدهار في العاصمة ومحيطها منحها مستوى معيشة مماثلاً لبعض دول جنوب أوروبا، وفقر في مناطق الأطراف يقرّبها إلى أوضاع دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقيّة. وكذلك توزيع طائفي يحقّق رضى الجماعات عن نفسها، لكن سرعان ما ينقلب إلى سخط للأسباب الاقتصادية والاجتماعيّة المذكورة تارةً، ولدواعٍ جيوسياسيّة تارةً أخرى. وقد حصل في خمسينيّات القرن الماضي أن حاول اليمين القوي في حينه استغلال اختلالات الصيغة لربط لبنان بأحد الأحلاف الغربية المستحدثة (حلف بغداد)، ما أدّى إلى احتدام الصراع الداخلي والوصول إلى حافّة الهاوية.
وهنا كانت المساومة الثانية، فبعد أحداث عام 1958 جرى التعامل مع ثلاث قضايا خلافيّة مع إهمال قضيّة رابعة. واقتضى ذلك: اعتماد موقف وسطي يضع لبنان شكلاً خارج الأحلاف والمحاور، وإصلاح الإدارة العامّة وتحقيق قدر من التوازن الطائفي في توزيع الوظائف العامّة، والعمل على تقويم اعوجاج الاقتصاد والإنفاق الاستثماري والاجتماعي الحكومي من دون المساس بركائز النظام الاقتصادي، أمّا القضيّة التي أُهملت فكانت إصلاح النظام السياسي الذي بقي موغِلاً في طائفيّته وغارقاً في انقساماته، التي مهّدت مع أشياء أخرى للحرب الأهليّة. انتهت تلك الحرب إلى مساومة ثالثة، هي «اتفاق الطائف»، الذي سعى إلى ترميم النظام من خلال صيغة جديدة «أكثر إنصافاً» لتقاسم الحصص الطائفية بدعوى أنّها مرحلة انتقالية تقودنا إلى نظام جديد. وللتعويض عن افتقار النظام الانتقالي للوسائل التي تكفل توازنه، أُطلق مارد المحاصصة والزبائنية والفساد من قمقمه، فابتلع النظام ودمّر الاقتصاد، وجعل الظلم الاجتماعي العابر للانقسامات الطائفية، بديلاً من الاختلال الطائفي والافتئات المناطقي الذي كان سائداً قبل الحرب. ومع ذلك، حظي لبنان بعد «الطائف» بشيء من الاستقرار الداخلي والوفرة الاقتصادية المؤقتة التي قامت على بركان المديونيّة المتراكمة، والقدرة الشرائية المفتعلة والمصطنعة. بقي هذا البركان خامداً زهاء ربع قرن، قبل أن ينفجر بفعل أزمات المنطقة والعقوبات الأميركية والإخفاق السياسي، وتحت وطأة الفساد والنهب وضرب أركان الدولة وإقامة دولة عميقة ذات غرف طائفية وسياسية محمية من كلّ أنواع المحاسبة والمساءلة والرقابة، وكلّ ذلك على حساب الإدارة العامّة التي بنيت أواسط القرن الماضي.

أيّ دولة؟
يدفع فشل المساومات السابقة وتعثّرها إلى التفكير بنوع آخر من المخارج إزاء المأزق الكياني، يفترض به أن يتحاشى تاريخاً طويلاً من الرهانات الخاسرة والخاطئة. ولا يجدي نفعاً محاولة العودة إلى الماضي «المشرق» للعثور على طريقنا نحو المستقبل، فإنجازاتنا التي يجب البناء عليها، جاءت من خارج المسرح السياسي التقليدي بل على الرغم منه، وتحقّقت بالتعارض مع ذلك الماضي ونماذجه المرجعية التي ما زال يحنّ إليها كثير منّا. ولنتذكر هنا أنّ الإجابة على سؤال عالق منذ نشأة لبنان بشأن دوره في المنطقة، وموقعه في صراعاتها، ونظرته إلى سبل ضمان أمنه القومي لم تأتِ من طريق المساومات والتسويات المذكورة أعلاه، بل من خلال الفعل التاريخي الذي بادرت إليه المقاومة من دون أن تلقي بالاً إلى تعقيدات الصيغة ومترتّبات التوافق، فأثمر ذلك تحريراً عام 2000 وانتصاراً عام 2006 ودحراً للإرهاب بعد ذلك. قد يفضّل بعضهم الانطلاق من السؤال المعتاد بشأن الدولة التي نريد: هل هي دولة مدنية أم علمانية أم لا طائفية أم توافقية أم...؟ إلّا أنّ ترتيب الخيارات على هذا النحو مثير بحدّ ذاته للانقسام وينطوي على بذور جديدة للشقاق الفئوي والأيديولوجي والعقائدي والثقافي، وسيفتح الباب أمام جدالات عقيمة لا نهاية لها ولا طائل منها. والتركيز على الهوية المعلنة للدولة وسرديّاتها الصاخبة، لن يفضي إلّا إلى تكرار توترات الماضي ولو بقوالب جديدة، فيما المطلوب الاتفاق على الدور الفعلي الذي ستؤدّيه الدولة والأهداف الرئيسية التي تريد أن تحقّقها.
وبقول آخر، يجب أن تكون المساومة الجديدة نقطة عبور إلى دولة حقيقية لا شراء مزيد من الوقت أو تعميق المحاصصة أو تفكيك السلطة ومؤسّساتها أو لقيام تفاهمات عابرة أخرى تمتصّ الغضب الشعبي قبل أن تعيد القديم إلى قدمه. والغاية المنشودة هي أن تكون الدولة قوية بما فيه الكفاية لقيادة مجتمعها نحو الغايات التي تريدها، وقادرة على مواجهة التحدّيات والمخاطر الداخلية والخارجية، والتموضع بصورة مؤثرة في موازين القوى، وصلبة بامتلاكها قطاعاً عاماً فاعلاً ومؤسّسات منتجة.
إنّ قيام الدولة القوية والقادرة والصلبة يقتضي اتخاذ طريق معاكس للذي سلكناه في تاريخنا السياسي


لكنّ فتح الأبواب الموصدة في وجه إصلاح النظام، يحتاج إلى نظرة متكاملة ومترابطة لكلّ ما يمسّ شؤون بناء الدولة وقيامها. ونستعير هنا من غرامشي فهمه للدولة القوية التي يجب أن تتمتّع بخاصيتين: اختراق البنى التحتية للمجتمع وامتلاك الهيمنة الأيديولوجية. وبذلك، تصبح وظيفة ما هو «مدني» تفعيل طاقة المجتمع باتجاه قيام دولة متكاملة الأركان السيادية والاجتماعية والوطنية. كما نستفيد كذلك من تحليله لمنابع قوة الدولة التي تكمن في البنى المادية (الاقتصادية)، والقدرة على الإقناع (الأيديولوجية) وأدوات الإرغام والقسر (لدى مؤسّسات السلطة)، ونضيف إلى ما تقدّم عناصر ممّا يمكن تسميته ميتافيزيقيا السياسة، والتي تعبّر عنها على وجه الخصوص القيم الجامعة، التي لا يقوم متّحد اجتماعي أو جماعة سياسية من دونها، بل لا بدّ من التحلّي أيضاً بقدر من الروحانية السياسية التي لا يضيرها أن تتجاوز الصراع على المصالح والسلطة بالمعنى الضيق للكلمة، من أجل الوصول إلى ما هو أسمى وأشمل وأبعد. إنّ قيام الدولة القوية والقادرة والصلبة على النحو المذكور، يقتضي اتخاذ طريق معاكس للذي سلكناه في تاريخنا السياسي. فقد أقمنا «البنى المادية» أي الاقتصاد، على الاستعانة بالخارج والاعتماد عليه في استعارة مخزون مفتعل للثروة، سرعان ما يندثر عندما تنفجر الفقاعات وتستعر الأزمات، وأحللنا العصبيات الطائفية والفئوية محل القدرة على الإقناع بدل امتلاك ناصية خطاب عام يحاكي المصالح الوطنية الراسخة. واستعملت شبكات السلطة الظاهرة والمستترة، في التحريض وبثّ الفرقة لقمع الميول الوطنية والنزعات التحرّرية والإصلاحية. لتكون النتيجة تبديد القيم السياسية ذات الطابع العمومي، في خضم نزاع ضار ومديد على المكاسب والمنافع والنفوذ.

تغيير المقاربة والاتجاه
إزاء ما تقدّم، سنجد أنفسنا إذا ما حاولنا تبديل الاتجاه، في مواجهة حلقة مفرغة في الداخل، بين القائلين بالتغيير الجذري في جانب والمدافعين عن الوضع القائم في جانب آخر، وسيواجهُنا من الخارج ضغط متعدّد الأوجه والأهداف، لإعادة نسج مظلّة «الطائف» من دون خيوطها السورية، أو لجعل لبنان إحدى ساحات المواجهة الهادفة إلى تسهيل مرور التحالفات الإقليمية الجديدة من خلال كسر التوازن الحرج القائم حالياً، أو لتسهيل مهمّة إسرائيل في إيجاد عمق عربي وامتداد متوسطي لها، فضلاً عن إمكانية جرّ لبنان إلى أن يكون إحدى ساحات الصراع المستجد على النفوذ الأورو - متوسطي.
يرى أحد طرفي الاستقطاب الداخلي المستجد، أنّ الأسُس التي قام عليها النظام قد تقوّضت بالكامل ولم يعد بوسع الطائفية أن ترمّم مشروعيته المتآكلة بفعل الانهيار السياسي والاقتصادي وزوال مزاعمه الأخلاقية وانكشاف أسطورة فرادته على حقيقتها. وقد تغذّت هذه المشروعية حتى الأمس القريب من أربعة منابع آخذة بالنضوب: رضى الطوائف والمذاهب عن دورها ومكانتها داخل الصيغة، وانتظام العلاقة بين «النخبتين» السياسية والاقتصادية والمالية داخل النظام والدولة، والجمع بين فعّالية الحد الأدنى في عمل الإدارة العامة من ناحية والمحاصصة والفساد وتقاسم المنافع داخلها من ناحية ثانية، والانضواء تحت مظلّة إقليمية قامت على تفاهمات مؤقتة وتسويات لا تستمر طويلاً. ولأنّ منابع المشروعية تتآكل وتزول، يرى بعض اللبنانيين أنّ المطلوب هو جمهورية جديدة لا جمهورية ثانية أو ثالثة، وهذه دعوة «مثالية» تنمّ عن روح جدية ومثابرة عند بعض حاملي لوائها، لكنّها تخفي عند آخرين حنيناً إلى النادي السياسي، أو رغبة بالنفاذ إليه ضمن مبادلة مفادها الاعتراف بالمشروعية «المدنية» للنظام، في مقابل إضافة مقاعد كافية للوافدين الجدد.
المتمسّكون بالوضع القائم يعتقدون من جانبهم، أنّ الطائفية السياسية لم تستنفد أغراضها بعد، ولا يمكن تخطّيها في الظروف الراهنة لإنها إحدى ركائز الاستقرار، ويحتاج تجاوزها إلى تحوّلات ثقافية واجتماعية وسياسية ما زالت بعيدة المنال. مشكلة النظام بحسب هذا الرأي ليست في الطائفية نفسها، بل في سوء تطبيقها أو الافتئات على بعض أطرافها، أو خيانة مبادئها، أو عدم احترام النصوص التي تستند إليها. وإذا كانت أزمة النظام والدولة تقتضي لدى هؤلاء تصحيحات وتعديلات هنا وهناك، فلتكن بأقل مقدار وفي حدود الضرورة وبما لا يمسّ الصيغة، بل بما يجدّد شبابها ويعقلنها ويحافظ على روحها، ويصون أركان التوافقية: الفيتو المتبادل، والائتلاف الواسع، والنسبيّة. لا يلتفت أصحاب هذا الرأي إلى أنّ التوافقية صارت جزءاً من تاريخ الأفكار أكثر منها قاعدة لتسيير أنظمة قائمة بالفعل، كما يتجاهلون أنّ الطائفية في بلدنا تحوّلت إلى كارتيل لحكم «النخب» أكثر منها وسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي.
إنّ تجاوز العقبات الداخلية والخارجية التي تمنع الانعتاق من الماضي، لا يكون إلّا من خلال تغيير المقاربة نفسها، وليس باستبدال استقطاب بآخر أو الاستسلام للتناقض «الأبدي» بين التصورات والأهداف والمصالح. ونقطة البدء يجب أن تكون من تفكيك المخاوف والهواجس التي تعطّل قدرة الأطراف المختلفة على القيام بتنازلات مفيدة، والاعتراف من ثمّ بمصالحها المشروعة بعد عزلها عن المصالح غير المشروعة، وبعد ذلك، بل على أساسه، توضع المبادئ والقيم العامة التي تحكم منظورنا للدولة التي نطمح للوصول إليها.

توسيع قاعدة النظام وخياراته
وإذا كان التعامل مع الهواجس والمصالح هو الخطوة الأولى في تحقيق ما تقدّم، فإنّ الخطوة الثانية تقتضي فتح مظلّة الدولة إلى أقصى حد ودعوة الكل إلى الانضواء تحتها، وهذا يوجب أيضاً فتح أبواب النظام الموصدة أمام الجميع: أنصار التوافقية الطائفية ومناوئيها، الباحثين عن التغيير الجذري والمتمسّكين بالوضع القائم، المستفيدين من ريوع الدولة والمحرومين منها... إلخ، وبذلك يكون التفاعل داخل المؤسّسات، بديلاً من الإقصاء السياسي في جانب ونزع المشروعية في جانب آخر، وكلاهما يفسح في المجال أمام صنوف من التمرّد على الدولة والخروج عن النظام العام، ويفضي إلى أشكال مقيتة من العنف المادي والرمزي، بل أمام محاولات في غير محلّها لإحلال المجتمع المدني محل المجتمع السياسي. لكنّ الوصول إلى النقطة التي تضع الجميع تحت مظلّة الدولة بأوسع تعريف لها، يتطلّب تسويات فرعية وتعديلاً في آليات عمل السلطة وتطبيقاً حازماً للأنظمة والقوانين وتحييد الإدارة العامة عن الطبقة السياسية وقطع صلاتها بها، والحفاظ على الحضور الشعبي والاستعانة بزخمه لمنع التغاضي عن الإيفاء بمتطلّبات الإصلاح وللمضي قدماً في سبيله.
أمّا الأزمات الآتية من خارج الحدود، فلا يمكن تجاوزها من دون التوافق على الثوابت والمنطلقات التي تحكم سياسات لبنان الخارجية، والتي يفترض أن تتّصف، بداهة أو بحكم تجاربنا الشاقة، بالتوازن والفعّالية، وأن تساهم في تكريس حضور لبنان في الخارج، وأن تتيح له أوسع دائرة للشراكة مع الآخرين على أساس تلاقي الأهداف والمبادئ والقيم، أو تقاطع المصالح وتبادل المنافع، أو جميعها معاً. وهذا ما يدعو إلى أن تكون علاقاتنا الخارجية محكومة لثلاثة معايير متضافرة: التكامل مع المحيط العربي، وتطابق أو تقارب التصورات والمبادئ تجاه قضايا المنطقة والعالم، وتلاقي المصالح أو تقاطعها. إن توافقاً كهذا من شأنه أن يسمح بنشوء شراكات وتفاهمات خارجية أوسع نطاقاً ممّا يتيحه لنا الخيار الغربي بشروطه المتشدّدة وتكلفته المرتفعة، ويجعلنا قادرين على مواجهة المتغيّرات التي تزيدها خطورة محاولات بعض محترفي السياسة الارتماء في أحضان المخطّطات الدولية كلما أطلّت برأسها. إنّ تنويع الخيارات في السياسة الخارجية يسمح أيضاً بوصل لبنان من خلال العالم العربي وبالتضامن معه، بالمشاريع الاقتصادية العالمية الكبرى للدول الصاعدة، ما يضعه في كفّة الرابحين لا الخاسرين من تقلّص المركزية الغربية، وفي عداد المستفيدين لا المتضرّرين من بروز عالم متعدّد الأقطاب اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ومتنوّع أيديولوجياً وثقافياً وغني بالمنظورات الجيوسياسية التي لا تقوم بالضرورة على القطع مع الآخرين أو الصراع معهم.

حقائق جديدة
لقد رُسمت الحدود في المشرق العربي قبل أكثر من قرن من الزمن على رمال متحرّكة، وبخطوط ضعيفة، لكنّها صمدت أمام الرياح العاتية بفعل القصور الذاتي لا القوة الحقيقية. وهذا ما يجب أن نتجاوزه في بحثنا عن عالم عربي جديد حاضر في معادلات المنطقة والعالم. أما بالنسبة إلى لبنان بعد مئة عام من الولادة المتعثّرة، فإنّ نقطة البدء في توطيد دعائم الدولة، تكون في الخروج من الماضي والإقرار بالحقائق الثلاث الآتية:
الأولى، هي أنّ المقاومة شكّلت ولا تزال ضمانة الوصل بين ثلاثة توافقات ترسم استقرار هرم الدولة، استراتيجيّاً؛ بالتوفيق بين المشاركة في القرار الإقليمي والتفاعل مع قضايا المنطقة وتحدّياتها، وبين التطلّع إلى ذلك من بوابة رؤية وطنيّة متمايزة ومنسجمة مع المصالح المحليّة والتسويات الاجتماعيّة المتوافق عليها. الفعاليّة الاستراتيجيّة تعني هنا أنّ لبنان لن يكون بعد اليوم «ساحة» أو مجرّد «جسر» أو»رسالة»... بل إلى جانب ذلك دولة حقيقيّة تبحث عن وجود قوي ومؤثّر في الجيو - استراتيجيا التي تنتمي إليها.
وسياسياً؛ بإيجاد فرصة للإنقاذ الاقتصادي وتجديد بناء الدولة وإصلاح السلطة من دون إطاحة المؤسّسات وتخريب هياكلها، واجتماعياً بتمثيل مصالح الفئات الشعبية العريضة التي كانت مستبعدة طوال عقود عدّة عن دائرة القرار، ولجعل المنطق الاجتماعي حاضراً وقوياً بما فيه الكفاية أثناء رسم السياسات العامة لهذا البلد.
والحقيقة الثانية، هي فشل الخيار الغربي الذي هيمن على لبنان منذ نشأته وما زال بصورة ما، متحكّماً بمصيره. وتعبّر الأزمة المالية والنقدية التي نمرّ بها اليوم عن إخفاق هذا الخيار لأسباب لها علاقة بالسياسات العامة للدولة وبالنيوليبرالية الزائدة، وبإقامة الاقتصاد على ركائز تتناسب مع تصوّر خاطئ لأوضاع الإقليم، قوامه «السلام» مع العدو من ناحية ودوام الوفاق العربي - العربي من ناحية ثانية.
أمّا الحقيقة الثالثة، فهي أنّ كسر السرديات الطائفيّة، لا يكون بإحلال سرديات «مدنية» شبيهة بها مكانها، تحاكي مصالح فئات دون أخرى، وتتعامل مع بعض وجوه الأزمة دون غيرها، بل يحتاج الأمر إلى مشروع شامل ونزيه يستوعب نجاحاتنا ويتحاشى إخفاقاتنا، ويرد على الأسئلة الجوهرية العالقة منذ الاستقلال في السياسة والجغرافيا السياسية والاقتصاد، والتي كان ثمن عدم الإجابة عليها غالياً من أرصدة استقرارنا ورفاهيتنا ووجودنا.
وسواء كانت المشكلة بحسب رأي بعضهم تكمن في طبيعة النظام نفسه الذي يقتضي تغييره، أو هي برأيٍ آخر في إدارة العلاقة بين مكوّناته ومؤسّساته، ما يوجب إصلاحه وتطويره، أو كانت بحسب رأي ثالث في الصيغة الطائفيّة، ما يفتح الباب أمام صيغة للحكم لا تقوم عليها، فإنّ جوهر الحل يجب أن يتعامل مع العناصر التاريخيّة للأزمة لا مع مظاهرها فقط. وهذا وحده الذي يتيح تكريس دور لبنان الفاعل في المنطقة سواء في مواجهة العدو أو في الحفاظ على التنوّع والتعدّدية كما فعلت المقاومة. وإعادة بناء الاقتصاد على قواعد جديدة، ليكون اقتصاداً اجتماعيّاً منتجاً ومحقّقاً للتنمية والرفاه ومحرّراً من التبعية. وإذا تعذّر في الإصلاح السياسي الاصطدام بالنواة الصلبة للنظام أي الطائفيّة، فليُبدأ بتقويم اعوجاج أنظمته الفرعيّة والتي ستؤثر في نهاية المطاف على بنيته وركائزه. ولا بدّ في السياق نفسه، من تجديد «النخبة السياسية» (إن صحّت التسمية) وتنقيتها من الشوائب ولجم جنوحها المزمن والخطير نحو الفساد والاستزلام واستغلال الموارد العامّة لمصالح ذاتية وخاصّة والتحريض الفئوي لحرف الانتباه عن الأزمات الفعلية...
لقد سجّل لبنان نجاحات عدّة في الحالات التي تخطى فيها الرؤى التقليدية لمؤسسي الكيان وقواعد العمل السياسي الموروثة، وعندما تحرّر جزئياً من العطالة الجيوسياسية التي وضعته في هامش المنطقة. فكان النجاح في استعادة هوية لبنان العربية المشرقية المتماهية مع محيطها، وأفلح جزئيّاً ونسبيّاً في تطوير سياسات النظام من خلال الطَّرْق على جدرانه من الخارج، كما في تطوير السياسة الدفاعية بالاعتماد على إنجازات المقاومة وانطلاقاً من انتصاراتها. وقد قُيّض للبنان، بفضل المقاومة أيضاً، النجاة من عاصفة الحرب في سوريا، بعدما كاد يصبح ميداناً من ميادينها وقاعدة للهجوم عليها وهدفاً من أهدافها وساحة لتصفية الحسابات المرتبطة بها. وهذه مراكمات تاريخية ومساومات مفصلية يجب البناء عليها للانعتاق من قيود التأسيس وملابساته وأثقاله وتسوياته التي انقضت صلاحيتها.
* رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق وأستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا