منذ نحو أسبوع، أعلنت «غرفة عمليات سرت الكبرى»، التابعة لقوات المشير خليفة حفتر، حالة استنفار قصوى، وذلك بعد رصد تحركات نشطة لقوات الآمر السابق لجهاز حرس المنشآت النفطية في المنطقة الوسطى، إبراهيم الجضران، وقوات «سرايا الدفاع عن بنغازي» وتعزيزات من ميليشيات تتبع المعارضة التشادية المسلحة.

عقب ذلك، حُشدت مئات الآليات والجنود لتسيير دوريات في المناطق المحيطة بالهلال النفطي، وصولاً إلى ضواحي مدينة سرت غرباً، تحسباً لهجوم محتمل قد يتكرر معه سيناريو مهاجمة الموانئ النفطية من قبل التحالف الذي يقوده الجضران قبل ستة أشهر، حيث أحرق حينها عدد من صهاريج النفط الكبرى، وقتل عدد مهم من قوات حفتر.
من بين القوات المستنفرة، كانت «كتيبة طارق بن زياد»، التي ينتمي عدد كبير من جنودها إلى التيار السلفي المدخلي، المدعوم سعودياً، والتي سبق الاعتماد عليها، برفقة تشكيلات أخرى، في اقتحام مدينة درنة شرق البلاد. أثناء تسيير إحدى الدوريات، سجل أحد أفراد الكتيبة شريطاً مصوراً، ظهر فيه عدد من رفاقه وهم يقولون: «بيننا وبين مصراتة 120 كيلومتراً، وسنواصل بإذن الله إلى طرابلس... وبإذن الله تكون ليبيا بأكملها تحت (سيطرة) القيادة العامة، نحن بانتظار تعليمات المشير»، ما عُدّ تهديداً لسلطة غرب البلاد والقوات الموجودة هناك.
في الأثناء، لم تقف قوات مدينة مصراتة مكتوفة الأيدي، إذ حشدت بدورها قوات «البنيان المرصوص»، ووجهتها نحو سرت، التي قاتلت فيها قوات «داعش» قبل عامين، وأصدرت في الأيام الماضية عدداً من البيانات، قالت فيها إنها تقدمت نحو آخر معاقل التنظيم في المدينة، وقصفتها بالمدفعية الثقيلة. جرى إذن حشد حول مدينة سرت، التي تمثل الخط الفاصل عملياً بين شرق البلاد وغربها، تحت ذريعتين مختلفتين: مقاتلة قوات الجضران من جهة، والقضاء على بقايا «داعش» من جهة ثانية. لكن وراء هاتين الحجتين، تختفي طبقات من انعدام الثقة، حيث يخشى حفتر أن يتلقى تحالف الجضران دعماً من قوات مصراتة، أو حتى صمتاً إيجابياً تجاهه، وتخشى قوات مصراتة أن يتقدم حفتر غرباً، ويهدد مناطق نفوذها.

البلاد مقبلة على استفتاء على الدستور و«ملتقى وطني» للمصالحة برعاية أممية


مع ذلك، يوجد خيط تقارب خفي بين الطرفين، سمح بأن لا تنفلت الأمور. في واقع الأمر، تسيطر على مدينة سرت «الكتيبة 604 مشاة»، وهي سلفية مدخلية، لكنها تتبع «البنيان المرصوص»، وقد تشكلت في الأصل، على أيدي عدد من السلفيين المحليين، الذين قرروا الانتقام لشيخهم الذي قتله «داعش»، وقد وجدوا دعماً من «قوة الردع الخاصة» (السلفية بدورها) المتمركزة في طرابلس.
فكرة حفتر، كانت إرسال كتيبة «طارق بن زياد» السلفية، لتسيّر دوريات في عمق مدينة سرت، معولاً على أنه في حال احتكاكها بقوات «البنيان المرصوص»، ستجد نفسها في مواجهة سلفيين من «الكتيبة 604 مشاة» السلفية، وبالتالي، لن يتقاتلا نظراً لخلفيتهما الأيديولوجية المشتركة. خطوة حفتر الأكثر جرأة وتنازلاً، كانت ما أعلنه مساء أول من أمس، حين قرر إيقاف مقاتليه السلفيين الذين هددوا مصراتة وطرابلس. وفي بيان أصدره الناطق الرسمي باسم قواته، العقيد أحمد المسماري، جاء أن «ما تداولته وسائل الإعلام من مقاطع فيديو لأشخاص يهددون إحدى المدن الليبية، منافٍ تماماً لتعليمات السيد القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية»، الذي أصدر أوامر «بالقبض على كل من ظهر في تلك المقاطع، وإحالتهم على التحقيق، وبالفعل أُلقي القبض على كل من ظهر فيها».
بيان قوات حفتر لم يقف عند ذلك الحد، إذ شدد على أن بنادقها «لم توجه إلى أي مدينة أو قبيلة ليبية»، وأنها «لن تسمح بأي خرق لقواعد الأمن والأخلاق العسكرية، وتحث على احترام حقوق الإنسان». هذه اللغة المتسامحة تجاه غرب ليبيا، جديدة على معسكر شرق البلاد، حيث شدد حفتر في الأشهر القليلة الماضية، على امتلاكه خطة لدخول طرابلس، وبسط نفوذه على جميع أنحاء البلاد.
مع أن الوقت لا يزال مبكراً لتقييم إن كان هذا التغيّر يصب في اتجاه تبني مقاربة أكثر ليونة تجاه الفاعلين في غرب البلاد، إلا أنه يجب الإشارة إلى السياق الذي توجد فيه ليبيا الآن. عملياً، تتجهز البلاد لعقد استفتاء على الدستور و«ملتقى وطني» للمصالحة، برعاية الأمم المتحدة بداية العام المقبل، قد يتولد عنهما تنظيم انتخابات خلال العام نفسه، سيترشح لها حفتر وفق آراء أغلب المراقبين، وسيكون حينها بحاجة إلى تصوير نفسه كشخصية وطنية، بعد أن صار يصوَّر كرجل يمثل شرق البلاد حصراً.