«هل الواقع والحقيقة الافتراضية لا يختلفان إلا في الابتكارات التقنية والبصرية؟ سؤال لم أجد الإجابة عنه حتى الآن». بهذه العبارات، أعلن جورج خوري، فنان الكومكس ومخرج أفلام التحريك، مشروعه «تانت ماغي»، على المدّونة الخاصة به عام 2002. و«تانت ماغي» ليست سوى خالة خوري اليونانية التي عرف بوجودها من خلال طرد وصله ذات يوم من «الدوق دو روشفور»، عشيقها السابق المولع بالسينما، الذي كان قد التقط لها صوراً بعضها حميمي. أعاد جورج التنقيب في تاريخ الخالة، ليحوّل تلك المشاهد إلى فيلم تحريك ملوّن ثلاثي الأبعاد.

مشروع يختصر مسيرة كاملة خاضها «جاد»، وهو الاسم الفنّي الذي عرف به منذ انطلاقه في عالم الشرائط المصوّرة مطلع الثمانينيات، وما زال يوقّع به رسومه في «النهار» وأعماله المختلفة. مسيرة صنعت خطوطها العريضة أسئلة الهوية، ومحاولة التقاط الزمن وترويضه، والافتتان بالتطور التقني وآفاقه اللامتناهية...
خلال مرحلة الطفولة، كان الرسم هواية غذّتها الوالدة اليونانية لدى أطفالها، لتوازن من خلالها صرامة الوالد العسكري. حُلم الطفل بأن يصبح رائد فضاء، أفضى به إلى الالتحاق بكلية العلوم في الجامعة اللبنانية لدراسة الكيمياء. إلا أن الحرب التي اندلعت عام 1975 سرعان ما غيّرت كل شيء، مثيرة أسئلته الأولى حول الهوية: «قرّرت أن أصبح عربياً»، قال يومها الفتى الذي يرطن بالفرنسية كما تعلّمها في «الكلية البطريركية الكاثوليكية».
قرأ ماركس وهو في السابعة عشرة، تحت تأثير الحركة الطلابية في 1968، وحرب فييتنام وموجة «الهيبيز». عام 1975، وبهدف تقوية اللغة العربية، انكبّ خوري على قراءة كتب جرجي زيدان، ولبّى اهتمامه بالسياسة عبر التحاقه بقسم السياسة الخارجية في «النهار». هناك، قضى الأشهر الستة الأولى يتمرّس في العربية على يد الصحافي فرنسوا عقل. إلا أن الحرب سرعان ما لقّنت اليساري الحالم الدرس الأهم: «واحد + واحد لا يساوي اثنين بالضرورة»، كما يقول. في حيّه القريب من منطقة الفنادق حيث دارت الحرب الشعواء عام 1976، كان عضواً في لجنة شعبية أمّنت للأهالي الخبز والدواء. دحض الشارع الدامي أول وهم آمن به اليساري: «ليس كل الفقراء ولا كل القادة شرفاء». الحرامي، الذي كان يقبض عليه خوري كلما باغته يمرّ بالحي حاملاً غنائمه، فيرسله إلى أقرب مقرّ لقيادة أحد التنظيمات، لم يتوان ذات مرة عن تنبيهه: «أنت ترتدي نظارات، ويبدو من شكلك أنّك مثقف. ألم تسأل نفسك لماذا تعود لتلقي القبض علي من جديد في كلّ مرة؟».
من هنا، كانت الصحافة هي الحل الأمثل: أن تنخرط، عبر المشاهدة والتأمل، من دون أن تتورط. بعد فترة، لم تعد الكلمات تكفي الصحافي. فقد انتقل إلى فن الكومكس الذي «يجمع بين الصورة والكلمة، وهما عنصران يكمل أحدهما الآخر». عام 1979، سافر إلى فرنسا حيث تابع بعض دروس الرسم في محترفات باريس، وهناك ألهمه جيل رسامي الكومكس المنتمين لمرحلة النهضة الأوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية.
«أنا خليط من كلّ هؤلاء، وإضافتي تكمن في الخط العربي»، يقول جاد الذي طوّع الحرف لدى ممارسته فن الكومكس بصيغته العربية: رسوم متحررة من الأطر، كتحرّر قارئها من قيمة الوقت، وحرف مطاط يفصل بين المشاهد المتعددة.
عند عودته إلى لبنان، كان الفنان قد أسقط عن كتفيه بعض الأوهام، وبعض الناس، و... حتى اسمه. هكذا ولد جاد، الذي أراد أن يتميّز عن جورج خوري الصحافي، وأن ينأى بنفسه عن لعبة التمييز الطائفي البغيضة في قلب الحرب الأهليّة وزمن القتل «على الهوية».
مع صدور الألبوم الأول، «كرنفال»، عام 1980، عن غاليري Rencontres اللبنانية، كان قد أصبح لـ«أبو الشنب»، الشخصية التي تحاكي تصوّر خوري لجدّه البيروتي، موعد أسبوعي مع قراء الصفحة الثقافية في «النهار»: كيف قد يتفاعل أحد «قبضايات الحمرا» مع الوضع الأمني والسياسي المجنون الراهن؟ مرة يحتسي «الديتول الفعال» ليتمكن من العيش في مدينة استحالت خراباً، ومرة يضع «كمامة ضد التلوث» ليقرأ الجريدة، ومرة يؤنّب طابوراً من المواطنين رؤوسهم على هيئة رؤوس من الأغنام يسيرون مستلَبين من دون وعي...
بعد أبو الشنب، وُلدَت «ألف ليلى وليلى» التي استمتع خوري برسم عارياتها، متظللاً بسقف من الحرية أمّنتها حرب كسرت بعبثيتها بعض التابوات الاجتماعية والأخلاقية، وصانها الصحافي شوقي أبو شقرا، مسؤول الصفحة الثقافية في «النهار» الذي يعترف له خوري بالفضل في ذلك.
هكذا، بدأت مغامرة الكومكس التي عرّضت صاحبها للكثير من الانتقادات والرهانات الصعبة فيما بعد: استخفّ بعضهم بهذا الفن الذي كان لا يزال مجهولاً في لبنان، رائياً إياه حكراً على أدب الأطفال. فيما ربط البعض الآخر اللغة المحكية التي استخدمها خوري في رسومه، بالترويج لنظرية سعيد عقل «الفينيقية».
بلغت الأمور ذروتها مع ألبوم «سيغموند فرويد» الذي صدر عام 1983، عن «المؤسسة الجامعية للدراسات، مجد». فقد حالت الرقابة دون انتشار الكتاب في الدول العربية: وهل يُعقل تمرير كتاب يتناول حياة عالم نفس يهودي الأصل وترتكز مادته الأساسية على الجنس، في مدننا الفاضلة؟ ورش العمل التي نظّمها جاد في معهد «غوته» لخمس سنوات متتالية (1985 ـــــ 1990)، كان الدافع إليها تعميم فن الكومكس العربي الذي يقوم على التمرّد حكماً، والمسّ بمحرمات كالدين والجنس، ويبشّر بجيل جديد من الفنانين المتمردين والهامشيين؟
إلا أن الفنان الذي يطرح نفسه باحثاً دائماً عن الذات وإمكاناتها، يتجاوز الإحباطات منخرطاً في الرهانات المتوالدة للحداثة. «حين شعرت بأنّ اللوحة التشكيلية قد استُهلكَت لأنها لم تعد تطرح نقاشاً بصرياً يجاري تطور العصر، انتقلت إلى الكومكس. اليوم، أشعر بأن الكومكس بدوره قد تم تجاوزه، وأن مستقبل الفن الذي لا ينفصل عن التطور التقني، هو في الفنون البصرية الرقمية».
كان ذلك الإدراك هو ما دفع خوري إلى صناعة أفلام التحريك. عام 1993، انضمّ إلى القسم الفني في تلفزيون «المستقبل»، الذي يرأسه اليوم. هناك ولدت فقرات «كليل ودمن»، «تعليق اليوم»، و«رسوم متحررة». تحمل نبرة خوري حماسة لا متناهية وهو يتحدث عن مستقبل العالم الرقمي الافتراضي. لا يعني ذلك أنه «دفن» الكومكس، إلا أنَّه جذبه من الدائرة العامة وأصبح يمارسه على مدّونته، التي لا يدخلها إلا من يمتلك كلمة السر من الأصدقاء، باستثناء المصادفة التي قادته إلى نشر بعض منها مجدداً، منذ نحو عام، في «النهار». «ما زلت لا أعرف لماذا وافقت».
نال جاد الشهر الماضي جائزة تكريمية على مجمل أعماله، وعلى مساهمته في فن الشريط المصوّر، في «مهرجان لوكا الدولي للشريط المصوّر وفنون التحريك والألعاب الإلكترونية»، في توسكانا (إيطاليا). اليوم، يقضي جورج خوري ساعات طويلة أمام جهاز يختزن العالم وكأنّه «صندوق باندورا» المعاصر، يبحث فيه عن الإمكانيات اللامتناهية للون والصورة. يبحث عن... نفسه في نهاية المطاف!



5 تواريخ


1956
الولادة في بيروت

1975
الانضمام إلى أسرة «النهار»، قسم السياسة الخارجيّة

1980
أصدر ألبومه الأول «كرنفال» باسم جاد، عن غاليري rencontres اللبنانية

1993
انضمّ إلى القسم الفنّي في «تلفزيون المستقبل» وبدأ بإنتاج أفلام التحريك

2010
حاز جائزة تكريمية على مجمل أعماله وعلى مساهمته في فنّ الشريط المصوّر من إدارة «مهرجان لوكا الدولي للشريط المصوّر وفنون التحريك والألعاب الإلكترونيّة» في توسكانا