بغداد | موجعاً لواشنطن كان قرار البرلمان العراقي إلزام الحكومة المستقيلة برئاسة عادل عبد المهدي بإنهاء وجود القوات الأميركية والأجنبية في بلاد الرافدين، وجدولة انسحابها منها. إجراءٌ تشريعي أربك حسابات الإدارة الأميركية وحلفائها من الأحزاب والقوى السياسية المحلية، ما دفع بإدارة الرئيس دونالد ترامب إلى دراسة خياراتها البديلة، على رغم مكابرتها المستمرة وإصرارها على البقاء بذريعة «حاجة العراق إلى الحماية». في هذا الإطار، بدأ التلويح بورقة التقسيم، وإخراج ملف «الأقلمة» من الدُرج، تحت غطاء إعادة نشر القوات الأميركية إن أصرّت بغداد على خروجها، وذلك بالاستفادة من مواقف القوى الكردية و«السنية» المؤيدة لبقائها.

وليست فكرة «الأقاليم» وليدة اللحظة، بل هي ثمرة اجتماعات عديدة عُقدت على مدى السنوات الماضية، بالاتكاء على حقيقة أن الدستور العراقي (الذي أُقرّ بعد الاحتلال الأميركي عام 2003) يدعم أيّ جهد في هذا الصدد، إذ تمنح المادة 119 منه «الحق لكلّ محافظة أو أكثر في تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء عليه»، فيما تمنح المادة 120 «الإقليم حق وضع دستور (جديد) له، يحدّد هيكل سلطات الإقليم وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على أن لا يتعارض مع الدستور (الاتحادي)». أما المادة 121، فتذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تنصّ على:
1- الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية... باستثناء ما فيه اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية.
2- الحق في تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم، بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
3- تخصَّص للأقاليم والمحافظات حصةٌ عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها.
4- تؤسَّس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية، لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والإنمائية.
5- تختصّ حكومة الإقليم بكلّ ما تتطلّبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة والأمن وحرس الإقليم.
هذه المادة من شأنها جعل البلاد دائماً أمام تحدّي «ولادة كردستان ثانية»، خاصة إن وُفّر لذلك غطاء سياسي، وهو ما يُعمل عليه منذ سنوات، وتكثّفت الجهود في إطاره إبّان الحرب على «داعش»، مثلما حدث في «مؤتمر باريس» في حزيران/ يونيو 2016، و«مؤتمر عمّان للمعارضة العراقية» في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، و«مؤتمر جنيف» في 15 شباط/ فبراير 2017، و«مؤتمر أنقرة 1 و2» في آذار/ مارس وحزيران/ يونيو 2017. وفي ظلّ ما تشهده البلاد حالياً من أزمة سياسية، يؤكد رئيس البرلمان السابق، سليم الجبوري، أن «الأيام الماضية شهدت اجتماعات نوقشت خلالها فكرة الإقليم السنّي، وتمّت بلورة أولى مراحلها». والجدير ذكره، هنا، أن أيّ استعداد لوجستي لمرحلة «الأقلمة السنّية» يعني دخول العراق تلقائياً في «صفقة القرن»، التي يفيد بعض التسريبات بأنها تقتضي تقسيم محافظة الأنبار (غرب البلاد) إلى محافظتين، نصف بإدارة عراقية والنصف الآخر يُمنح للفلسطينيين وصولاً إلى الصحراء المحاذية للحدود الأردنية، على أن تُسند مهمة حماية تلك المنطقة إلى مجموعات عسكرية تعمل بإمرة القوات الأميركية المنتشرة هناك، والساعية – في الوقت عينه – إلى إعادة التموضع في الجهة المقابلة لـ«قاعدة التنف» لمحاصرة الطريق الرابط بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، بوصفه «خطّ الدعم اللوجستي» لفصائل المقاومة.

يروّج بعض الإعلاميين المحسوبين على السفارة الأميركية لفكرة «الأقاليم» بوصفها «جزءاً من الحلول التسووية»


الجبوري سارع، بعد تصريحاته تلك، إلى «تصحيحها»، فيما بادر إلى نفيها كلّ من رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي، وزعيم «تحالف المحور الوطني» خميس الخنجر. وبحسب مصادر سياسية مطلعة، ثمة رؤيتان مختلفتان لمشروع «الإقليم السنّي»: الأولى يتبنّاها الخنجر، وتتضمّن تشكيل أقاليم إدارية لكلّ محافظة «سنية» (الأنبار، الموصل، ديالى، صلاح الدين)، ترتبط بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهو ما يعارضه رئيس البرلمان الأسبق، أسامة النجيفي، الطامح إلى إنشاء إقليم مستقلّ في محافظة نينوى، فضلاً عن المحافظ السابق لصلاح الدين، أحمد الجبوري (أبو مازن)، الذي يتمتع بنفوذ كبير هناك، ويطمح هو الآخر إلى إنشاء إقليم مماثل في محافظته. والثانية يرفع رايتها الحلبوسي، وتتضمّن إنشاء إقليم «عربي سنّي» خالص، يضمّ المحافظات الغربية كافة، ويمتدّ حتى حدود «إقليم كردستان». وعلى رغم نفي القيادات «السنية» حديث «الأقاليم»، إلا أن المصادر تؤكد أن اجتماع أبو ظبي (الذي عُقد قبل أسبوعين تقريباً) شهد حضوراً أميركياً - عراقياً (سنياً تحديداً) لمناقشة خطوات الإعلان وما بعده. وهو ما أكده مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شنكر، بنفسه، في 14 كانون الثاني/ يناير الجاري، عندما تحدث عن اجتماع ضمّه في الإمارات العربية المتحدة إلى الحلبوسي وبعض السياسيين، وإن وضع اللقاء في إطار «مناقشة أوضاع المنطقة».
على خطّ مواز، يبرز حراك إعلامي لبعض المحسوبين على السفارة الأميركية في بغداد، يروّج لفكرة «الأقاليم»، بوصفها «جزءاً من الحلول التسووية بين المؤثرين في المشهد العراقي، أي واشنطن وطهران، والعواصم المحيطة الأخرى»، وذلك لـ«تفعيل العراق كدولة فدرالية بعدّة أقاليم، على أساس عدد السكان والثروات والتقارب الثقافي، وعلى غرار تجربة كردستان العراق الناجحة». وذهب هؤلاء إلى حدّ تسمية «الأقاليم» وفق الشكل التالي:
1- إقليم غرب العراق: يشمل الأنبار وصلاح الدين، إضافة إلى محافظتين تُستحدثان: سامراء -الدجيل، والحضر - البعاج.
2- إقليم نينوى: يشمل 4 محافظات مستحدثة، هي: الموصل وسنجار وتلعفر وسهل نينوى.
3- إقليم كركوك: يشمل محافظة تستحدث وهي الحويجة – العظيم - الشرقاط، ومحافظة ديالى، بإدارة متنوعة، أي كردية - تركمانية – عربية - مسيحية.
4- إقليم البصرة: يضمّ 3 محافظات تستحدث.
5- إقليم ميسان وذي قار وواسط.
6- إقليم الفرات بابل والديوانية والسماوة.
7- إقليم النجف وكربلاء.