طهران ــ إيلي شلهوب


نظام قد يكون فريداً في العالم، يعتمد آليات ديموقراطية لتشكيل السلطة تستهدف ضمان المشاركة الشعبية في الحكم، وأخرى ثيوقراطية هدفها الحفاظ على مبادئ الثورة و«صيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها الإسلامية الأصلية»، جعلته يستحق صفة الـ«ثيو ــ ديموقراطي»

غالباً ما أثار تعقيد آليات تشكيل السلطات واتخاذ القرار في إيران تساؤلات عن مدى ديموقراطية هذا النظام الذي يحكم مجتمعاً «إسلامياً»، يتميز بحراك سياسي قل نظيره في المنطقة. ويكمن هذا التعقيد أساساً في قيام النظام على بنية مزدوجة، تستمد الأولى منها شرعيتها من صناديق الاقتراع، فيما تستمد الثانية مشروعيتها من مبدأ «ولاية الفقيه».
ازدواجية فرضتها الظروف التي خرجت من رحمها الثورة الخمينية؛ فقد كان لمعاناة الإيرانيين من نيران استبداد الحكام لقرون طويلة كبير الأثر على تركيبة نظام ما بعد الثورة. سيطر الهاجس من ظهور «شاه» آخر، تحت أي مسمى، على واضعي الدستور ومصممي هيكل الدولة المقبلة. عملوا ما في وسعهم على توزيع سلطة القرار بين عدد من الأجهزة بشكل يضمن ألا يستفرد أحد بالقدرة والمقدرة على التحكم بالرقاب والعباد. أملوا أن يؤدي توازن الأجهزة و«أفقية» صناعة القرار إلى حال من الاستقرار وآلية لانتقال السلطة بشكل سلمي، لا تتعطل في الحرب ولا في السلم.
وهكذا اعتمد النظام، في آخر صوره، مبدأ وجود سلطات ثلاث، هي التنفيذية (المناطة برئيس الجمهورية)، والتشريعية (المناطة بمجلس الشورى)، والقضائية، والفصل بينهما، على غرار جميع الأنظمة الديموقراطية في العالم. كما اعتمد الاقتراع السري والمباشر آلية لتشكيل السلطتين الأوليين، ومجلس دستور، يسمى مجلس صيانة الدستور، للفصل في دستورية القوانين وشرعية الانتخابات.
لكن بما أن «التشريع يجب أن يكون في ضوء القرآن والسنة... فإن من المحتم والضروري جداً الإشراف التام والدقيق عليه (المجتمع) من قبل علماء المسلمين المتصفين بالعدالة والتقوى والالتزام». لذلك، اعتمد الدستور الإيراني مبدأ «استمرار الأمر والإمامة» ونصب «الولي الفقيه جامع الشرائط الذي يعترف به الناس باعتباره قائداً لهم» سلطة عليا و«مشرفاً» على السلطات الأخرى مهمته «صيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها الإسلامية الأصلية».
ويستمد «القائد» قوته ونفوذه المهيمن على جميع مرافق الحياة السياسية في إيران من أمور ثلاثة: كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة (التي تضم نحو مليون عنصر من حرس الثورة، ومليون جندي نظامي ونحو تسعة ملايين من عناصر الباسيج)، ومن صلاحياته الدستورية التي تخوله تعيين وإقالة العدد الأكبر من قياديي النظام وكبار مسؤولي الدولة والجيش. ومن ميزانية «القائد»، التي تضم الأموال الشرعية (الخمس) والمخصصات المالية التي تخصصها له الدولة لإدارة شؤون البلاد.
أما مشروعيته فيستمدها من كونه «الولي الفقيه»، (أي إنه استمرار لحكم الإمام المهدي). لكن بما أن جميع السلطات في إيران يجب أن تكون منبثقة من إرادة الشعب، جرى تشكيل «مجلس للخبراء»، ينتخب من الشعب بالاقتراع السري والمباشر، مهمته تعيين والولي الفقيه.
وقد أنشأ «القائد» مجموعة من المجالس القيادية المرتبطة به مباشرة لإدارة شؤون البلاد، أهمها «مجمع تشخيص مصلحة النظام»، وهو عبارة عن مجلس استشاري مهمته الأساسية تقديم الاقتراحات للمرشد عن مختلف شؤون البلاد، فإذا ما صادق عليها تعمم على السلطات الثلاث في الدولة بوصفها سياسية عامة يجب تطبيقها.
ومن أبرز أدوات المرشد للتحكم في مفاصل النظام ما يعرف بـ«مجلس صيانة الدستور»، المشكل من ستة فقهاء يعينهم «القائد»، ومن ستة قضاة يرشحهم رئيس السلطة القضائية المعين هو الآخر من «القائد». فهذا المجلس يمتلك صلاحية البت في الترشيحات لجميع المناصب المنتخبة، وبينها مجلس الخبراء، الذي يعين المرشد نفسه، ومجلس الشورى والرئاسة.
وبما أن «إدارة شؤون البلاد ينبغي أن تكون في أيدي الأشخاص الصالحين»، فإن الشروط التي يجب توافرها في المرشحين للمناصب المنتخبة عامة وضبابية بشكل تعطي مجلس صيانة الدستور حرية شبه مطلقة في تقرير توفرها في مرشح ما من عدمه.
وهكذا، يبدو المرشد صاحب الكلمة الأخيرة في كل شؤون البلاد، وخاصة أن صلاحياته هي الأساس، بمعنى أن السلطات الأخرى تتولى جميع الأمور التي لا ينص الدستور على أنها من صلاحيات «القائد».
لكن طبيعة الحياة السياسية في إيران، تجعل المرشد عاجزاً عملياً عن الحكم بمفرده، وتدفع به لأن ينأى بنفسه عن تفاصيل الشؤون الداخلية وعن أن يكون طرفاً علنياً في الصراعات التي لا تهدأ بين الأطياف السياسية. لكنه يمسك بقبضة من حديد ملفات الأمن والسياسة الخارجية.
كما أن واقعة أن المجالس القيادية التابعة للمرشد تضم عدداً كبيراً من الأعضاء الدائمين بحكم صفاتهم (مثل رؤساء السلطات الثلاث ورؤساء سابقين ووزراء معينين...)، بمعنى أنها تستوعب في إطارها قادة البلد والممسكين بمفاصله، تجعل المشهد الإيراني يبدو كأن القرار فيه يتركز في نخبة حاكمة، أوليغارشية فوق السلطات الثلاث الأساسية، التي تجتمع فيها، يقودها المرشد، وتتوزع الملفات بينها، وخاصة السياسات الأمنية والخارجية منها، بأمر منه أو برضاه، وهي التي تحدد السياسات العامة للبلاد.
السلطات في إيران
السلطات الحاكمة في إيران ثلاث: تشريعية وتنفيذية وقضائية، «تعمل مستقلة بعضها عن بعض، و«تمارس صلاحيتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة».
القائد
«يتمتع القائد المنتخب» من مجلس الخبراء لولاية غير محددة «بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك» وهو «يتساوى مع كل أفراد البلاد أمام القانون».
يتولى «القائد»، الذي يستطيع أن يوكل شخصاً آخر أداء بعض وظائفه وصلاحياته، «تعيين السياسات العامة للنظام» بعد «التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام»، والإشراف على حسن تنفيذها، و«القيادة العامة للقوات المسلحة»، وإعلان الحرب والسلم والنفير العام، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام.
وهو يتولى أيضاً «حل الاختلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث»، و«حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام»، و«إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب» و«عزله» بعد «صدور حكم من المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية» أو «بعد رأي مجلس الشورى بعدم كفاءته السياسية».
و«القائد» هو من يعين ويعزل ويقبل استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، وأعلى مسؤول في السلطة القضائية، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
مجلس خبراء القيادة
يتشكل من 86 عضواً ينتخبون من الشعب مباشرة لمدة ست سنوات. يسن قوانينه بنفسه وهو من يحدد صفات المؤهلين ليكونوا أعضاء فيه، لكي لا يكون خاضعاً لأي سلطة أخرى. أول هذه المجالس حَدّدَت مواصفاته الحوزة العلمية في قم بطلب من الإمام الخميني، ومن ثم حدد هذا المجلس قوانين عمله.
يتحدث بعض الاختصاصيين عن وجود ثغرة في طريقة تشكيل مجلس الخبراء وهي أن ترشيحات أعضائه تخضع لرقابة مجلس صيانة الدستور الذي يعين المرشد نصف أعضائه فيما يسمي النصف الآخر رئيس السلطة القضائية المعين هو الآخر من المرشد.
مجمع تشخيص مصلحة النظام
أقيم للمرة الأولى في عام 1984 في خضم الحرب العراقية ــ الإيرانية من أصحاب الاختصاص لتقديم المشورة للمرشد قبل أن يقونن في التعديل الدستوري الذي جرى الاستفتاء عليه في عام 1990.
يتم تشكيله بـ «أمر من القائد لتشخيص المصلحة» في الحالات التي يرى مجلس صيانة الدستور أن قرار مجلس الشورى يخالف موازين الشريعة أو الدستور بعدما لم يقبل مجلس الشورى رأي مجلس الصيانة، وكذلك «للتشاور في الأمور التي يوكلها القائد إليه».
أما المقررات التي تتعلق بهذا المجمع، الذي يتشكل من أعضاء دائمين وغير دائمين لا يقلون عن 40 شخصاً، «فتتم تهيئتها والمصادقة عليها من أعضاء المجمع أنفسهم وترفع إلى القائد لتتم الموافقة عليها».
المجلس الأعلى للأمن القومي
يتشكل من رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، ورئيس أركان القوات المسلحة، ورئيس منظمة الموازنة والتخطيط، وممثلين اثنين عن القائد، وقائد الجيش، وقائد الحرس، ووزراء الخارجية، والداخلية والأمن. ويترأس رئيس الجمهورية هذا المجلس ويعين أميناً له يتولى إدارته.
يتولى هذا المجلس «تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في حدود السياسات العامة المعينة من القائد» و«التنسيق بين النشاطات السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في إطار من الترابط المطلوب مع التدابير الكلية للدفاع والأمن» واستثمار الإمكانات المادية والمعنوية للبلاد في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية».
مجلس صيانة الدستور
مهمته ضمان مطابقة ما يصادق عليه مجلس الشورى مع الأحكام الإسلامية والدستور. يتشكل لمدة ست سنوات من 6 فقهاء يختارهم المرشد، و6 قانونيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق على تعيينهم مجلس الشورى. ويتجدد نصف أعضائه كل ثلاث سنوات.
ومجلس صيانة الدستور من النفوذ بمكان أن «لا شرعية لمجلس الشورى الإسلامي من دون وجود مجلس صيانة الدستور» الذي ينظر في كل ما يصادق عليه مجلس الشورى.
وينص الدستور على أن تحديد عدم تعارض ما يصادق عليه مجلس الشورى مع أحكام الإسلام يتم «بغالبية فقهاء» مجلس الصيانة، بينما يتم تحديد عدم التعارض مع مواد الدستور «بأكثرية جميع أعضائه» الذين يحق لهم حضور مناقشات مجلس الشورى.
ومن أهم اختصاصات مجلس الصيانة «تفسير الدستور» ويتم ذلك بـ«مصادقة ثلاثة أرباع الأعضاء»، وهو يتولى «الإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى وعلى الاستفتاء العام». ويتولى تحديد مدى توافر الشروط المطلوبة، بحسب القانون، بالمرشحين للمناصب المنتخبة كلها.
وتثير الصلاحيات الانتخابية لمجلس صيانة الدستور خلافات في وجهات النظر داخل إيران. فهناك وجهة نظر محافظة ترى أن هذه الصلاحية استصوابية (وهو المعمول به حالياً)، بمعنى أن من حق المجلس التدخل لتقرير مدى تطابق شروط الترشيح على جميع المرشحين. وهناك وجهة نظر «إصلاحية» تقول إن هذه الصلاحية محددة بالإشراف الاستطلاعي بمعنى البت بتظلمات المرشحين الذين رفضت اللجان الانتخابية ترشيحاتهم.
السلطة التنفيذية
«يتولى رئيس الجمهورية والوزراء ممارسة السلطة التنفيذية، باستثناء الصلاحيات المخصصة للقائد مباشرة» وهو «أعلى سلطة رسمية في البلاد بعد مقام القيادة».
«مهمة السلطة التنفيذية السعي والإعداد لبناء المجتمع الإسلامي». لكن «النظام الإسلامي يرفض تماماً الأسلوب الإداري البيروقراطي وليد الأنظمة الطاغوتية، من أجل أن يتمكن النظام التنفيذي من النهوض بالأعباء الإدارية والمهام التنفيذية بسرعة واقتدار».
يُنتخب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة لمدة أربع سنوات ولا يجوز انتخابه لأكثر من ولايتين متتاليتين. ومن صفات المرشح لهذا المنصب أن «يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية»، و«قديراً في مجالس الإدارة والتدبير» «وذا ماض جيد»، وتتوافر فيه الأمانة والتقوى»، و«مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد».
ورئيس الجمهورية، الذي يحق له تعيين «معاونين له»، «مسؤول أمام الشعب والقائد ومجلس الشورى». «يعين الوزراء ويطلب إلى مجلس الشورى منحهم الثقة» ويعزلهم، ويتولى «مسؤولية أمور التخطيط والميزانية والأمور الإدارية والتوظيفية للبلاد بشكل مباشر» يوقع المعاهدات والعقود والاتفاقيات والمواثيق التي تبرمها الحكومة مع سائر الدول، بعد مصادقة مجلس الشورى عليها.
مجلس الشورى
«تمارس السلطة التشريعية عن طريق مجلس الشورى»، الذي ينتخب بالاقتراع السري والمباشر لمدة أربع سنوات ولا يحق له أن يسن القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو المغايرة للدستور.
ومن بين صلاحياته، «تفسير القوانين» و«التدقيق والتحقيق في جميع شؤون البلاد» و«المصادقة على المواثيق والعقود والمعاهدات والاتفاقيات الدولية» وعلى «عمليات الاقتراض والإقراض أو منح المساعدات داخل البلاد وخارجها».
ويمنح مجلس الشورى الثقة لمجلس الوزراء، وله توجيه أسئلة إليه وإلى رئيس الجمهورية واستيضاح الوزراء واستجوابهم وسحب الثقة منهم. كما يحق له، بغالبية ثلث أعضائه، طرح الثقة برئيس الجمهورية «لعدم كفاءته» على أن «يرفع إلى مقام القيادة للاطلاع عليه».
السلطة القضائية
مهمتها «إحقاق العدالة»، ورئيسها «شخص مجتهد وعادل ومطلع على الأمور القضائية» يعينه «القائد لمدة خمس سنوات» ويعد «أعلى مسؤول في السلطة القضائية».
من صلاحياته «توظيف القضاة» و«البت في عزلهم ونصبهم ونقلهم وتحديد وظائفهم وترفيع درجاتهم وما شابهها من الأمور الإدارية وفقاً لقانون».
وينص الدستور على «تشكيل المحكمة العليا للبلاد بحسب القواعد التي يضعها رئيس السلطة القضائية، وتتولى الإشراف على صحة تنفيذ القوانين في المحاكم وتوحيد المسيرة القضائية وأدائها لمسؤولياتها القضائية».