بيسان طي


أصدرت «دار النهار» أخيراً الطبعة العربية لـ“تاريخ بيروت”، كتاب سمير قصير المرجعي الذي يختصر علاقته بالمدينة والسياسة والتاريخ. قراءة الكتاب طريق إلى استحضار الكاتب القتيل، واستعادته من كرنفالات المصادرة والاحتواء

“إنه مشروع عمري، في هذا الكتاب وضعت كل حياتي”. هكذا قدّم سمير قصير “تاريخ بيروت” لدى صدوره العام 2004 باللغة الفرنسية. كان ينتظر بشوق صدور الطبعة العربية، لكنّه لم يكد يقرأ ترجمة الفصل الأول حتى سقط شهيداً. شهيد بيروت طبعاً، وشهيد كل المثقفين العرب أيضاً...
اليوم نحتفل بصدور الطبعة العربية من هذا الكتاب المرجعي الذي يختصر موهبة الكاتب، ومنهجيّة الباحث وسعة اطلاعه، ومشروع المثقف وقيمه الفكريّة والسياسية الحقيقية. نحتفل بصدور «تاريخ بيروت» بالعربيّة عن «دار النهار» التي أدارها قصير لفترة، محاولاً أن يحدث انعطافة في تقاليد المؤسسة القديمة. في غياب سمير الذي يسعى بعض شركاء مرحلته السياسية الأخيرة، إلى مصادرته واعتقاله في خانة فئويّة ضيّقة على قامته الفارهة، نحتفل بأهمّ كتبه على الأرجح. وعودة هذا الجهد إلى لغته الأم، بفضل ماري طوق غوش التي تولّت المهمّة بأمانة كبيرة، هو بمثابة فرصة لإعادة قراءة هذا الكاتب بهدوء، بعدما جعله سقوطه المدوّي مادة تجاذب إعلامي واحتواء سياسي. “تاريخ بيروت” ليس فقط مشروع حياة سمير قصير الذي استغرق العمل عليه 12 سنة. إنه سمير من خلال المدينة التي عشقها. يروي التاريخ بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والمعمارية والثقافية والفنية والاجتماعية.
يغطي الفصل الأول، “بيروت قبل بيروت”، المرحلة التي سبقت التحول الكبير ومهّدت له. قرون مكثفة في صفحات قليلة، تمهيداً للمرحلة اللاحقة التي استأثرت بمئات الصفحات. فالمدينة شهدت “ولادتها الثانية” في القرن التاسع عشر، حين انفتحت على العالم، وشاءت المصادفات أن يختارها إبراهيم باشا. من هذه اللحظة يبدأ افتتان قصير بالمدينة، بكل وجوهها: هي المنفتحة على الغرب، وفي الآن نفسه، العربية بامتياز. وقد أخرج قصير المدينة من الحيز اللبناني الضيق الذي سبغتها به كتب التاريخ المدرسية، ليقدمها في مظهر المدينة الكوزموبوليتية والعاصمة الثقافية العربية. كل يبحث عن بيروته، وتلك بيروت سمير بالتحديد، تشبه راويها: مثقف منفتح على الغرب نهل من الثقافة الفرنسية وأدى دوراً إعلامياً وفكرياً على الساحة الباريسية من مساهماته في “لو موند ديبلوماتيك” إلى “مجلّة الدراسات الفلسطينية”... وفي الآن نفسه مناضل عربي: لبناني وفلسطيني في آن. لذا تراه يتوقف مطولاً عند بيروت التي احتضنت المثقفين العرب الهاربين من الاستبداد في بلدانهم. وحين تخلت بيروت عن هذا الدور بعد الحرب، غضب منها قصير، وكتب مقالات ملتهبة عن ذلك الدور المفقود.
وفي تأريخه للمدينة، استعان مؤلف «تاريخ بيروت» بالنهج الذي أرساه المؤرخ اللبناني كمال صليبي، حين أعاد قراءة التاريخ اللبناني من خلال اكتشافه للتاريخ العثماني. واعتمد قصير أيضاً المدرسة الغربية الجديدة في التأريخ التي تتناول مختلف جوانب الحياة في المدينة.
أجمل ما في “تاريخ بيروت” أنه أيضاً رواية. يروي قصير، بأسلوب سردي يعتمد على البحوث المركّزة، قصة بيروت منذ نشأتها. يتوقف ملياً عند أدق التفاصيل، الأثريات التي اكتشفت، بيوت الشعر التي كتبت إشارة إلى المدينة في كتاب هذا المؤلف أو ذاك، وغير ذلك. وفي تأريخه لبيروت، منذ ولادتها الثانية، يكتب قصير كل شيء تقريباً: “خاصرة الحرب الباردة”، اليسار العربي واليمين أيضاً، مسار تطور الحياة الاجتماعية، أسباب نشوء الحرب الأهلية. ويكتب عن الاقتتال، وإعادة الإعمار، والصحافة والإعلام والفن و... جورجينا رزق التي اختصرت بعضاً من وجوه بيروت. وحبّ الكاتب لمدينته، لا يعميه عن ملاحظة كل وجوهها... فهي أيضاً غانية السبعينيات على الشاطئ اللازوردي، تلك التي احتضنت أجهزة الاستخبارات العالميّة على اختلافها، وباتت جديرة بأن تكون ديكوراً لروايات بوليسية في سلسلة SAS. وهذا الكلام على بيروت، تجدد بعد رحيل سمير قصير.
في نصّه الأصلي، كما في كتابه المترجم الذي حذفت منه بعض الفقرات الواردة في الطبعة الفرنسية، لا ينفصل قصير عما يكتبه. يكتب الأشياء بدقة الباحث، إنما أيضاً بتعاطف الروائي مع الأشياء. لا يختبئ وراء كلمات تبدو حيادية، كما يفترض بالمؤرخ عادةً. إنّه ليس حيادياً على الإطلاق: في كل محطة يتوقف عندها، نكاد نلتقيه أمامنا كاملاً. كل ما كتبه في هذا الكتاب، يندرج في سياق تجربته المعاشة، علاقته الحسيّة والثقافية بالمدينة... ولعلّ التصاق سمير بنصّه، يبلغ ذروته عندما يكتب عن أحمد فارس الشدياق الذي عرف كيف يتخلص من التعريفات الطائفية. وبين الشدياق وقصير تشابه كبير في هذا المنحى: هل يمكن أن نحدد انتماء قصير الوطني والإنساني بطائفة معيّنة؟
تصعب الإحاطة بـ“تاريخ بيروت”، كما يصعب اختصار حياة سمير قصير القصيرة. إنه الكتاب المرجعي الموثق، والسردي الممتع والمنحاز إلى بيروت، يعيد اكتشافها ويسلط الضوء على ما يجب أن تكونه لتعيش وتتطور: مدينة ثقافية واقتصادية وكوزموبوليتية، عربية ومتوسطية.
وقد يكون أبرز تعريف للعلاقة بين قصير وكتابه، ما قاله الشاعر عباس بيضون أوّل من أمس، خلال الندوة التي ضمّته إلى جانب عاصم سلام وعقل العويط وكارلا إدّه وإلياس خوري، في «مكتبة البرج» وسط بيروت. قال بيضون: «ما نقرأه في تاريخ بيروت بعيد عن مدرسية تواريخنا الغالبة التي توكل للموت أن يكون راوية وناطقاً. تاريخ بيروت هو ككل ما كتب سمير قصير مكتوب بشغف. ومؤلفه صاحب شغف. إنه لا يخلع جلده ولا جسده ولا صوته ولا قلبه أو عقله حين يكتب”. في مكتبة البرج كنا نبحث عن سمير في الزوايا، بين المستمعين، حضوره الطاغي جعلنا ننسى غيابه. أردنا استحضاره ليشاكس انتقادات، ليصحح ملاحظات، ليبتسم معترفاً بهفوة لفت إليها عاصم سلام... لكنه لم يأت. لقد رحل سمير قصير ولم يبقَ لنا سوى كتابه. فلنقرأ، علّنا لا ننسى.