صباح أيوب
«كان يُفترض أن أكون «جورج»، الولد الذي انتظرته العائلة طويلاً بعد ابنتين. لكنّي ولدت فتاة فخيّبت بعض الآمال، واضطرّ الأهل إلى تغيير ألوان الزينة!»... تبتسم كارمن ساخرةً من القَدَر الذي عاكسها منذ اللحظة الأولى من حياتها.
الفتاة الثالثة لعائلة لبّس التي ولدت في شهر العواصف، لم تعرف يوماً هدوء الحياة وسكونها: الطفولة في الحرب، المراهقة في مجتمع مصاب بـ«الشيزوفرينيا»، وصبا مليء بالتناقضات. كارمن تؤرّخ لطفولتها بعدد «الكفوف» (الصفعات) التي تلقّتها من دون أن تعرف السبب الحقيقي. تلميذة مدرسة الراهبات ضُربت مراراً لأنها كانت «عسراوية» (تكتب باليد اليسرى)، وصفعتها المسؤولة لأوّل مرّة عندما كان عمرها 4 سنوات، لأنها سألت «مَن خلق الله؟». «لا أحبّ الإجابات الغامضة، فهي تزعجني وتذكّرني بتلك الصفعات حتى اليوم».
عاشت كارمن مع أخواتها الثلات في كنف والد محافظ خشي على بناته من الحرب وشياطينها، لكنّ الحرب كانت أقوى منه. فكارمن الطفلة، لعبت مع القنّاصين في الحيّ في منطقة الشيّاح حيث ولدت ونشأت، وشاهدت التعذيب، وتمرّنت على السلاح في سنوات وعيها الأولى، قبل أن تنفر من تلك الأجواء وتمقتها. مجتمع الحرب كان لها بالمرصاد. عندما انتقلت المراهِقة إلى مدرسة مختلطة لأبناء الذوات، اكتشفت الفروقات الاجتماعيّة. صارت تخجل من ذكر منطقة سكنها ومن وضعها المعيشي: «كنت أطلب من سائق الباص أن ينزلني في عين الرمّانة، وأدّعي أنّي أسكن في إحدى البنايات الفخمة هناك... وما إن يغادر الباص حتى أكمل سيري إلى المنزل في الشيّاح مشياً على الأقدام». إنّها بداية الوعي الطبقي لدى الفنّانة التي ستبرز لاحقاً بمواقفها النقديّة والملتزمة، ما جعل أحد النقّاد يطلق عليها لقب «الأم كوراج» بطلة بريخت الشهيرة! (الترجمة الحرفيّة للاسم، كوراج: هو شُجاعة).
الأحد كان يوم النزهة، فيه تذهب برفقة العائلة لزيارة جدّتها في منطقة عين المريسة. هناك، كانت تتمشى على كورنيش البحر. وفي أحد الأيام، ضُبطت ابنة الرابعة عشرة تقف مع شاب على الكورنيش! إنّه حبّ المراهقة الذي تزوّجته في عمر باكر جداً. «كان الأمر تحدّياً لوالدي، وللمجتمع الذي يدّعي العفّة، فيما يخفي خلف القناع وجهه المتوحّش... عشت تناقضات الواقع والمجتمع اللبناني في أقصى درجاته، فكان رأسي أشبه بـ«جاط فتّوش» حينها». لا تحبّ كارمن أن تتذكّر أيام زواجها، الذي أفلتت منه سريعاً، لكن... مع طفل. مروان الذي ربّته الأم الشابّة مع أختها الصغرى في منزل الشيّاح ذاته.
هكذا نضجت المرأة الصغيرة باكراً، فقدت أوهامها الورديّة ورأت الدنيا من زاويتها الأبشع. حتى إنّها لم تكتشف جمال جسدها وملامح وجهها، كما تبوح لنا، إلا في سنّ متأخّرة. «فمٌ كمغارة جعيتا، حاجبان مقفولان، عيون بقرة، ويدان كعصا البليار... هذا ما سمعتُه طوال الوقت من أفراد عائلتي!». تبتسم كارمن: «ضعفت ثقتي بنفسي وبمظهري وبالناس باكراً». وهي تحاول حتى اليوم أن تفهم شخصيتها، فتجد كلّما أوغلت عوامل نفسية إضافيّة، حمّلتها معها طوال هذه السنوات عبئاً ثقيلاً، وتعود إلى ظروف نشأتها، وطريقة تربيتها والمحيط الذي عاشت فيه...
كانت تهرب إلى الأحلام... وفي وقت لاحق وجدت ملاذها الآمن في التمثيل. «بدّي مثّل» قالت لنفسها ولعائلتها في بداية المشوار. أرادت أن تعيش «حيوات» أخرى كما تقول اليوم، «أردت أن أرقص وأغنّي وأكون الطبيبة والمحامية والمدرّسة والعاشقة والأميرة والأم والزوجة...». لكنّ الطالبة التي لم تكمل دراستها بسبب الحرب، لم تحصل على شهادة البكالوريا التي تفتح أمامها الأبواب. اعتمدت على نفسها في كلّ شيء. تابعت دورات تدريبية في السينما والمسرح وفنّ التمثيل، وكان تقدّمها بطيئاً كالسلحفاة... عملت في البداية مع زياد الرحباني في مسرحية «فيلم أميركي طويل» حيث اكتشف قدراتها الفنّية، فوجّهها وساعدها على سلوك طريق الفنّ ودخول معترك الاحتراف. الشراكة مع زياد ستمثّل مفترق طرق حاسماً، وستحتلّ مكانة خاصة في حياتها.
في الثمانينيات تعرّفت كارمن لبّس إلى يعقوب الشدراوي الذي تراه اليوم أستاذها ومرشدها الأول في المهنة، ومثّلت في إدارته مسرحية «طرطور». شاركت في مسرحيات عدّة، كما غنّت في كورس مع مطربين لبنانيين. وفي 1995، أدركت فجأة أنها لم تصل بعد إلى مبتغاها، وأنّ الحلم ما زال بعيداً، فقررت أن تطرق باب التلفزيون. شاركت في أعمال على شاشة «تلفزيون لبنان»، فأحبّت الشاشة الصغيرة التي وجدت فيها حلّاً وسطاً بين السينما والمسرح.
كارمن ما زالت، لغاية اليوم، تعيش «الحيوات» المختلفة، لكنّها صارت أكثر راديكاليّة في نظرتها إلى المجتمع. «لم أحبّ لبنان يوماً. الشعب، والمجتمع والدين. الكلّ آذوني». تعبّر ــــ من دون مجاملة ــــ عن غضبها من «البلد الحضاري المزيّف». لقد اعتزلت قراءة الصحف ومتابعة الأخبار والتلفزيون، فقناتها المفضّلة اليوم هي Animal planet «حيث تتصرّف الحيوانات على سجيّتها من دون تكلّف أو أقنعة». لكنّها تستدرك: «ما عندي بلد بديل». لا تستطيع ترك لبنان لأنّها كوّنت مهنتها هنا، والتمثيل يحتلّ المرتبة الأولى في سلّم أولويّاتها.
لم تخفف كارمن من راديكاليّتها مع السنوات، كما لم تتنازل عن طموحاتها. تعمل حالياً على مسلسل تلفزيوني، وتخطط لآخر، وتسعى لدور سينمائي جديد. وفي الوقت المستقطع، هي الابنة التي تعنى بشؤون البيت الذي تتشارك فيه مع والدتها وأختها... وهي الخالة الحاضرة إذا ما طلبتها إحدى الحفيدات... وهي الأم التي ترعى شؤون ولدها المهاجر: تريد له مستقبلاً واعداً «بعيداً عن البلد وكوارثه»... وهي الفتاة الحزينة على والدها الذي رحل منذ 3 سنوات، فترك شرخاً في القلب، ورعباً من فكرة الموت... هذا الموت عاشته قبل عام ونصف، يوم فقدت شخصاً عزيزاً آخر، كان له موقع خاص في حياتها: جوزف سماحة.
لا تبدو متحمّسة للكلام عن اللحظات الأليمة تلك. كما تتعامل بحذر مع أي حديث يقترب من حياتها الشخصيّة. فلو كنّا في مجتمع أقل تخلّفاً، وزمن أقل انحطاطاً، كانت تلك السيّدة الغاضبة، صاحبة الحياة الغنيّة لتتوقّف أكثر عند الشخصيات الاستثنائيّة التي عرفتها، وعايشتها عن كثب...
عندما تعمل كارمن لبّس على التحضير لدور ما، تنسحب من الحياة اليوميّة إلى مكان هادئ. وهناك تختلي بالدور والشخصية الجديدة التي ستؤدّيها. تجلس أمام المرآة وتتبرّج راسمة ملامح الشخصية، تحاول الاقتراب من مزاجها، والإحاطة بنفسيّتها التي لن تلبث أن تتقمّصها. «إنّها حياة ثانية» تكرّر، مشيرة إلى فترة تأدية دور أو تصوير مسلسل. الدور الأحب على قلبها هو دور البطولة المطلقة الوحيد في مسلسل «ابنة المعلّم» (2005). أما الدور الذي تحلم في تأديته يوماً، فهو شخصيّة الساحرة في عالم «والت ديزني»، أو دور بديعة مصابني في مسلسل لبناني. وقد سعت أخيراً إلى دور «فيرونيكا»، في العمل المأخوذ عن رواية باولو كويلو «فيرونيكا تقرر أن تموت».
المرأة التي أمامنا هي ابنة الحياة، وابنة الشعب. فكيف تعيش نجوميّتها؟ تجيبك كارمن بكل عفوية: «أنا لست نجمة... أنا ماء، والمياه أهمّ من النجوم»!



5 تواريخ

22 شباط/ فبراير منتصف الستينيات
الولادة في الشيّاح ـــــ بيروت

5 أيلول (سبتمبر) 1983

أوّل تجربة في التمثيل،
مع زياد الرحباني
في «فيلم أميركي طويل»

1983

التقت «أستاذها»
المسرحي اللبناني يعقوب الشدراوي، وشاركت في مسرحيّته “طرطور”

1995

دخول مجال الدراما التلفزيونية

2005

البطولة المطلقة
في مسلسل «ابنة المعلّم»
(كتابة منى طايع ــــ إخراج إيلي ف. حبيب)