السودان | ما بعد محاولة اغتيال البرهان: جهود التسوية أكثر تعقيداً

جاءت محاولة اغتيال رئيس «مجلس السيادة» السوداني، عبد الفتاح البرهان، بواسطة مُسيّرة، وسط تدافع تقارير إعلامية عن قبوله الانخراط في محادثات جنيف المقرّرة في الـ14 من الجاري، نفتها مصادر سودانية وأرجعتها إلى ضغوط عربية ودولية متزايدة تمارس على قائد الجيش. كما جاءت قبيل زيارة للمبعوث الأميركي إلى السودان، توم بيريللو، في الـ8 من آب، وفي ظل ورود إشارات مصرية غير رسمية إلى «قمة رباعية» عُقدت في مدينة العلَمين شمال غربي القاهرة، وضمّت «القوى الإقليمية الفاعلة في الأزمة السودانية» (مصر والسعودية والإمارات). وممّا تقدّم، أصبح ممكناً وضع محاولة اغتيال البرهان في إطار مساعٍ جارية للتخلّص منه، أملاً في فرض واقع سياسي جديد في الأزمة السودانية، ولا سيما أن الأخير لا يزال يرفض المشاركة في محادثات جنيف، فيما انتقد بشكل ضمني «قمة العلمين»، وكذلك رفض طرح مبادرات أو حلول (أو قمم) من دون التشاور مع حكومته.

الأزمة السودانية ما بعد «جبيت»: اللاءات الثلاث
نجا البرهان من محاولة اغتيال خلال حضوره مراسم تخريج دفعات عسكرية في مدينة جبيت العسكرية (قرب بورتسودان). وهو تحدّث بعد دقائق من نجاته، عن «تعرّض السودان لمؤامرة تستهدف زعزعة استقراره وتقسيمه»، مكرّراً أن حلّ الأزمة السودانية بيد السودانيين. واتّضح من تغطية منافذ إعلامية مقرّبة من أبو ظبي والرياض للحادث، تقديمها تفاصيل تقنية حول ما جرى، تشير إلى سيناريوَين رئيسَين: أولهما أن الحادث «مفتعل» كونه وقع داخل منطقة عسكرية جيدة المراقبة، وثانيهما أن قوات «الدعم السريع» قد أحدثت اختراقاً في منظومة الدفاع في هذه المنطقة وتمكّنت من تنفيذ محاولة الاغتيال، وسط تلميح إلى وجود انشقاقات داخل الجيش. وأشار إلى ذلك أحد مستشاري «الدعم»، حين قال، على منصة «إكس»، إن محاولة الاغتيال تمّت على يد «فرقة البراء بن مالك» (الموالية للجيش)؛ لكنّ مطّلعين سودانيين لم يستبعدوا ضلوع دول عربية في المحاولة، أملاً في أن يغيّر هذا، الوضع الراهن لمصلحة إطلاق عملية سلام مشروطة مسبقاً، وقائمة على محاصصات سياسية وعسكرية.
ويأتي التشدّد المتوقّع في موقف الجيش من المبادرات المختلفة، متّسقاً مع مطالب سابقة للخارجية السودانية (30 تموز) بمزيد من المناقشات «قبل قبول الدعوة الأميركية إلى محادثات وقف إطلاق النار» في جنيف، ما أشّر وقتها إلى عدم ثقة الجيش بجدوى تلك المحادثات، فضلاً عن تحفّظه على مشاركة الإمارات فيها. وهكذا، فإن حادث جبيت رفع من منسوب تشكّك قوات البرهان في أهداف جهود الأطراف الإقليمية والدولية.


واشنطن على الخط: دعه يعمل دعه يمر!
لم تعمد واشنطن إلى تطوير دعوتها إلى محادثات جنيف عبر العمل الوثيق مع الخرطوم لضمان مشاركة «مجلس السيادة» في المحادثات، وتلبية الحد الأدنى من شروطه (ومنها ما أعلنه الأخير من ضرورة تطبيق مخرجات منبر جدة). لكن يبدو من متابعة مسار هذه المحادثات وتباطؤ الخطوات الأميركية، أن واشنطن عادت إلى لعبتها الأثيرة في الملف السوداني، أي الاكتفاء بتقديم مظلّة «أميركية» للحلفاء في الإقليم (السعودية في الحالة الراهنة) للتحرّك في الأزمة، وفق تصوراتها. وجاءت زيارة بيريللو للقاهرة ولقاؤه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي (31 يوليو)، لاستئناف التشاور الأميركي - المصري في الملف السوداني، من دون طرح تصورات محدّدة لتغيير مقاربة واشنطن تجاه «مجلس السيادة»، فيما اكتفت القاهرة بالتشديد على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية. ولم يشر الاجتماع إلى أيّ خطوات أميركية كان يفترض اتخاذها لطمأنة الخرطوم إزاء المحادثات المقبلة (بعد إلغاء اجتماع كان مفترضاً لبيريللو مع البرهان في الخرطوم نهاية تموز)، ومنها، بحسب بيان الخارجية السودانية، ضمان (التزام الأطراف الدولية والإقليمية) الانسحاب الكامل وإنهاء توسّع قوات «الدعم السريع».
وأكّد بيريللو، أمس، بدء قوات «الدعم» والجيش استعداداتهما للمحادثات المقرّرة في 14 الجاري، بهدف وقف العنف على مستوى البلاد، والاتفاق على وصول كامل للمساعدات الإنسانية وآليات المراقبة والتنفيذ، مضيفاً أن هذه الخطوات تمثّل معاً جزءاً من عملية تتطلّع إليها واشنطن. وتجاهل بيريللو حجم مخاوف الجيش من مشاركة الإمارات في المحادثات (كونها راعياً رئيساً للدعم السريع)، مكتفياً بالتأكيد أن مشاركة أبو ظبي ستعزّز من فرص نجاح المحادثات وتنفيذها، وجعْل اتفاق السلام حقيقياً بالتعاون مع دول مثل مصر والسعودية، علماً أن تلك الرؤية تلقى رفضاً متكرراً من الجيش، وتمثّل عقبة من عقبات انضمامه إلى محادثات جنيف.
كما أن تصريحات بيريللو عن ترقب بلاده لإفادة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، بخصوص الأزمة السودانية أمام مجلس الأمن، في مطلع الجاري، للنظر في خيارات أخرى (مثل اتخاذ قرار بفرض فتح ممرات حدودية لإرسال المساعدات إلى نحو 30 مليون سوداني يعانون من ظروف معيشية بالغة الصعوبة)، تكشف مدى عجز واشنطن (أو تقاعسها) عن تبني رؤية مقبولة سودانياً، ووضع الأطراف الإقليمية المسؤولة عن استدامة الحرب أمام مسؤولياتها.

خلاصة
بدت تصريحات البرهان عقب محاولة اغتياله، أكثر تشدّداً عن ذي قبل؛ ومع هذا، لا يبدو أن موقفه يمثّل رفضاً نهائياً لمحادثات جنيف، ولا سيما في ظل تطلعه إلى عقد اجتماعات منفصلة مع الإدارة الأميركية بخصوص المحادثات. لكنّ محاولة الاغتيال واحتمال ضلوع أطراف خارجية فيها، ينبئان بتشدد أكبر من قبله تجاه مشاركة الإمارات في أيّ محادثات سلام، وهو توجّه يقابله رفض أميركي وعربي (مصري تحديداً) لاستبعاد الإمارات من بوابة أهمية دورها في ضمان التزام «الدعم» بأيّ اتفاق سلام مستقبلاً. ومن شأن كل ذلك أن يخصم حتماً من جل مساعي تسوية الأزمة السودانية عبر التفاوض، مع وضع احتمال أن تكون خطوات «مجلس السيادة» الأخيرة تكتيكية، وهادفة إلى تعزيز موقفه التفاوضي.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي