أصالة: هو يا سوريا ده الموضوع!


وسام كنعان

في عشرينيات القرن الماضي، أسس الشيخ سيد درويش مدرسة «الدراما الغنائية» كأداة جديدة عكست نبض الشارع وعبرت بشكل جلي عن فكرة الثورة، وكانت لسان حال الشعب، وواحدة من أدوات نضاله عن طريق الفن، فشنّت قوى رجعية حينها حرباً ضد هذا المنجز، وجرّبت تشويهه وتقزيم صاحبه الموسيقار الذي خلّد التاريخ اسمه. لاحقاً، بقي الأسلوب الغنائي رائجاً وتسيّدته فرق عدة واشتغل عليه كبار الموسيقيين العرب منهم الرحابنة.

قبل أيّام، قررت النجمة السورية أصالة نصري الدخول إلى ساحات بلادها تزامناً مع عيد الأضحى، من خلال مونولج غنائي درامي مصوّر بعنوان «عيش سكر وطن» (كلمات محمود طلعت، وألحان إيهاب عبد الواحد، وتوزيع موسيقي نادر فهمي). تتقمص صاحبة «يسمحولي الكل» هنا دور ربّة منزل مصرية، فيما يؤدي دور زوجها النجم المصري أحمد فهمي، ليدور حوار بين قطبي العائلة المتواضعة، فيسأل الزوج من مكانه في الشارع وحوله زينة العيد، إن شاهدت زوجته ما يجري في سوريا، فتتجاهل السؤال وتجيب بأنها اعتنت بأولادها قبل أن تبدأ بقائمة الوصايا المعتادة، بأن يجلب معه «عيش وسكر وجبنة»، وأن يجرّب القدوم باكراً من دون أن يسهر حتى منتصف الليل. فيعيد الرجل سؤاله لزوجته مستغرباً كيف لا تفكر سوى بنفسها بعدما ضاعت بلاد كاملة لأنّ كل الاطراف المتصارعة، لا تفكر إلا بنفسها. لكن الزوجة تستمر بمسلسل التجاهل وتزيد بوصية جديدة بأن يزوّدها ببعض المال بسبب قدوم العيد، فيرد بحالة غنائية: «ومين جاب بس سيرة العيد، وليه مش حاسة بالموضوع، بلد بتموت عشان الكل .. عشان الكل مش حاسس».
هنا تتصاعد الحالة الدرامية لتصل إلى ذروتها، وتكشف الزوجة عما يدور حقيقة في داخلها على خلفية غرافيك يمزج صوراً لما يحدث في سوريا مع صور بيت العائلة الآمنة. وتبدأ حالة الفضفضة لديها فتقول: «حبيبي أنا عاملة مش سامعاك، عشان خايفة لا يوم أتهد، مانا من كتر أوجاعي بخاف أوصف مشاعري لحد، بخاف على بكرا من بكرا، وأخاف دايماً أنا من الجاي، وقلبي مات على فكرة لكنه مُصِّر يظهر حي، في ناس الغربة كسراها وناس الغربة كارهاها، وناس مضطرة، فـبتبعد وشايلة بلدها جواها» لتصل إلى الصورة الأكثر بلاغة في الكلام وتقول: «وهو يا سوريا ده الموضوع، وطن بيموت عشان الكل مش سامع، مش فاهم، مش حاسس، قال نفسي». الجملة الأخيرة التقطها خصوم أصالة المنطلقين من قاعدة سياسية على اعتبار أنها انقلبت على النظام الذي مجّدته طويلاً، واعتبروا أن الكلام الأخير يمثّل ذروة الصواب، وهو ما ينطبق فعلاً على صاحبته على اعتبار أنها «مشت مسيرة طويلة موسومة بالأنانية والتفكير بنفسها فقط حتى أنها خسرت نصف أهلها دون أن تبالي» ثم يتساءل هؤلاء عبر السوشال ميديا: «أين تكمن معاناة مغنٍ يعيش حياته مرفهاً، مشغولاً بصناعة المتعة البصرية، وكيف يمكن للمشاهد أن يصدّق أصالة وهي تقول «مانا من كتر أوجاعي بخاف أوصف مشاعري لحد» ثم طالب هؤلاء صاحبة الأغنية بـ «العودة إلى بلادها، ومد يد العون لشعبها المظلوم إن كانت صادقة». الكلام مرّ كغثاء السيل بالنسبة للعمل الفني المشغول بحرفية عالية، ومزاج مختلف، يجرّب الاجتهاد، وتقديم صيغة غنائية مختلفة تتكئ على مدارس عريقة، لكنها تواكب اللغة العصرية من حيث مشهدية الكليب، والسوية العامة للعمل الغنائي، من دون أن تتمكن من الاشتباك الحقيقي مع الحدث السوري. إذ يمكن الحديث هنا عن أغنية مصرية تحاول زيارة الواقع السوري بطريقة شبه سياحية، فتبقى على السطح من دون الغوص عميقاً، وهذا ما يترجمه الكليب بلغة الصورة التي تكتفي ببعض الغرافيك من داخل سوريا. العمل بهذا الشكل يعكس نبض شريحة كبيرة من الناس الذين باتوا يتقصدون الإعراض عن مشاهد الدم المؤلمة. الأغنية حققت خلال بضعة أيام ما يفوق مليوناً ومئتي ألف مشاهدة، والرقم يسير بتصاعد كبير، بالتوازي مع حالة احتفائية بهذا العمل وأسرته!

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | wesamkanaan2@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]