ناصر القصبي.. خليك «على مذهبك» الإبداعي


وسام كنعان

لم يسبق أن تركت الدراما الخليجية أيّ انطباع يُذكر. رغم استعانتها في كثير من الأماكن بالخبرات العربية والغربية، إلا أنها بقيت حبيسة مستوى متأخّر، نتيجة حصارها الخانق بالمحظورات والرقابة الحديدية التي تتعاطى مع الفنّ غالباً بمنطق التحريم. ما سبق قد يجد منافذ استثنائية في بعض دول الخليج لكنّه يطبّق بحذافيره في السعودية التي عاشت دهراً بدون سينما مثلاً! رغم كل ما سبق، لمع اسم ناصر القصبي (1961 ــ الصورة) بعدما تمكّن من كسر القاعدة، وأعاد بناء اللعبة وفق قواعده ومنطقه الذكي المتمترّس خلف موهبة خاصة، وبراعة فائقة في فنّ الكوميديا.

درس الزراعة إلا أنّ ميوله باتجاه التمثيل كانت أقوى، ولم يجد القصبي في بداياته ملاذاً آمناً سوى المسرح الجامعي عساه يكون منبراً حرّاً يكشف من خلاله عن موهبته. لن تطول الرحلة حتى تبدأ شهرة نجم «طاش ماطاش» بشراكة استراتيجية طويلة مع صديقه وزميله النجم عبد الله السدحان. هكذا، حقّق الثنائي حضوراً قوياً وبصمة هي غير مسبوقة بالنسبة لممثلين سعودييين. راح القصبي يقتحم في اسكتشاته الساخرة بيوت العالم العربي، واتّفق على موهبته القاصي والداني. حتى أنه نال إجماعاً نقدياً وجماهيرياً في الوقت ذاته بسبب جرأة اقتراحاته التلفزيونية، وهدم محظورات في المجتمع السعودي المتطرف دينياً، وانتقاده الساخر لظواهر اجتماعية وسياسية ودينية رديئة. إضافة إلى قدرته على التنوّع ولعب كاركترات متجدّدة. 18 جزءاً من «طاش ماطاش» حقّقت نجاحات متباينة، وحصدت متابعات ممتازة، حتى تحوّل القصيبي إلى رقم صعب لدى أهم المحطات، واختارته mbc4 كعضو لجنة تحكيم في برنامجها «للعرب مواهب» بدءاً من الموسم الثاني. أخيراً، غيّر النجم السعودي تكتيكه وأطّل في رمضان الماضي بدون شريكه الاستراتيجي السدحان، لكن وفق منطق اللوحات الناقدة والكوميديا السوداء ذاته. ليقطف النجاح والصدى عينه في «سيلفي» (مجموعة كتّاب، وإخراج أوس الشرقي) الذي يعود به هذا العام بجزء ثانٍ يومياً (19:00 على mbc1) بمشاركة مجموعة من الممثلين السعوديين، من بينهم عبد المحسن نمر، وجنات الرهبيني، وحبيب الحبيب وأسعد الزهراني. في حلقة «على مذهبك» (فكرة هبة مشاري، كتابة سامي الفليج)، اقتحم القصبي الثالوث المحرّم من أخطر أطرافه، وطرح أكثر المواضيع حساسية في السعودية والعالم العربي: الطائفية. لكنّه راح يسمّي الأشياء بمسميّاتها، من خلال فرضية انتقائية للحد الأقصى، لا يمكن أن تحدث إلا بمصادفة ناردة جداً، غير أنّها تترك الباب مفتوحاً أمام الاشتباك مع الاحتمالات الواقعية الكبيرة. إذ تخطئ إحدى المستشفيات على خلفية الإرباكات التي حصلت في حرب الخليج سنة 1991 واجتياح الكويت، بالتبديل بين وليدين لعائلتين من مذهبين مختلفين وتكتشف الخطأ بعد مرور أكثر من ربع قرن. ليعود كلّ من الشابين إلى أهله، ويُصدم بحواجز الاختلافات الطقوسية والشكلانية الخارجية، لكنّهما ينتبهان إلى أنهما أخوان بالرضاعة. المباشرة في الطرح والرسالة الفجّة قد تنحدر بالمستوى الجمالي للفن، لكن الأداء اللافت للقصبي بتأديته دور داعية إسلامي وإجادته لهجة أهل القطيف، إضافة الى جرأة الطرح صنعت مجداً جعل من المادة التلفزيونية محور اهتمام واسع.
باختصار، يمكن القول إنّه مدهش حقاً أن تخرج من تلك الصحراء القاحلة المحاطة بالتابوهات موهبة كوميدية بتجدّد وثبات وتطوّر ناصر القصبي!

*«سيلفي» يومياً 19:00 على mbc1

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]