يرتفع التوتر في المنطقة، في ضوء التصعيد الكلامي من كل الأطراف. وفيما كانت الرياض تكثّف جهودها، التي لم تقنع كثيرين، لوضع إيران في دائرة الاتهام بهجوم «أرامكو»، وبالتالي استدراج ردّ عسكري أميركي، كان دونالد ترامب يؤكد للجميع أن رأيه لم يتغيّر، وأن الحرب في آخر خياراته، مكتفياً بالردود الدبلوماسية والعقوبات، كما أكد أمس، فيما كشف وزير خارجيته من السعودية عن مسعى لإنشاء تحالف يضمّ أوروبيين وعرباً لـ«ردع إيران».

أكد مصدر عسكري يمني لـ«الأخبار» أن الهجوم على منشأتي «أرامكو» جرى من ثلاث نقاط أساسية على أرض اليمن. وفنّد المصدر المؤتمر الصحافي الذي نظمته وزارة الدفاع السعودية، وقدمه المتحدث باسم الوزارة العقيد تركي المالكي، موضحاً أنه كان «مؤتمراً فاشلاً بامتياز ولم يقدّم شيئاً فنياً أو دليلاً دامغاً على ادعائهم وقوف إيران وراء العملية».


وشرح المصدر أن صور حطام الطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز «صحيحة ومتوافرة بكثرة لدى القوات الجوية اليمنية، وعُرض بعضها في عدة مناسبات على شاشات التلفزة»، في إشارة إلى طائرة «صماد 3» «قاصف» البعيدة المدى التي ورد الحديث عنها أمس في المؤتمر الصحافي للمتحدث باسم القوات اليمنية العميد يحيى سريع. وتنسف هذه الرواية ما قاله وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من جدة، حيث التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عن أن السلاح المستخدم لم تنشره إيران خارج حدودها، حيث أكد المصدر أنه في «معرض الشهيد الرئيس الصمّاد» وغيره من المناسبات ظهر عدد من هذه الأسلحة التي هي نفسها ما عرضه المالكي في المؤتمر.
أما بخصوص مكان انطلاق الهجمات، فأكد المصدر الأتي:
«أولاً، خط مسير الطائرات من الاتجاه الشمالي الذي أكده المتحدث غير صحيح، ولم يقدم دليلاً فنياً على ذلك، بل اعتمد على كاميرا مراقبة داخل أرامكو، والصورة التي عرضها لا يمكن اعتبارها دليلاً، لأن تكتيك المناورة فوق الهدف يفرض بكثير من الأحيان في أثناء التحكم بها تغيير اتجاهها.
ثانياً، لم يثبت المتحدث مكان انطلاق العدد الكبير من المسيرات، لا من الناحية العلمية الفنية أو الاستخبارية. كان الإرباك واضحاً عليه في معرض رده على أسئلة الصحافيين في ما يخصّ تحديد مكان انطلاق المسيرات.
رسالة إيرانية لواشنطن عبر سويسرا: أي عدوان سيواجه برد فوري واسع


ثالثاً، المسيرات وصواريخ الكروز التي عُرضَت بقاياها... مدى هذه الطائرات مضاعف للمدى الذي أُطلقَت منه الطائرات من أرض اليمن، وتحديداً الإطلاق حصل بمدى يقارب 800 كلم من ثلاث نقاط أساسية، فيما بعض الطائرات تستطيع أن تسير نحو 1700 كلم».
ووضع المصدر استعراض النظام السعودي في إطار تقديمه بالمجان «مادة حرب نفسية» ضد نفسه، «وكشف مدى الرعب الذي تعانيه القيادة العسكرية من خلال استعراض الأهداف السابقة التي استُهدِفَت داخل السعودية». ورأى أن استبعاد قيام القوات اليمنية بهذا العمل هو «من أجل الاستخفاف بالقدرات اليمنية المتطورة في التصنيع العسكري والصاروخي، علماً أنه في الفترات الماضية عُرضَت الإنتاجات والصناعات العسكرية في مناسبات عدة، التي أظهرت تنامياً في قدرات التصنيع العسكري، بحيث باتت تمتلك اليوم إمكانات أكثر بكثير مما يعرف المتحدث وقيادته في السعودية». ووصف كلام المتحدث السعودي بأنه كان «سياسياً وليس عسكرياً»، عازين ما قال إنه «شرح مطول وإرباك» إلى أن الهدف «تبرير الفشل العسكري والاستخباري والأمني» وكذلك إلى «هشاشة الدفاعات الجوية السعودية من منظومات باتريوت الأميركية وأنظمة الرادارات المتطورة التي كلفت مئات ملايين الدولارات ولم تستطع إسقاط طائرة واحدة أو كشف مسار هذه الطائرات ومسيرها».


وكان المتحدث السعودي قد تحدّث في المؤتمر أمس بلكنة إنكليزية ثقيلة، مجدّداً تأكيده أن الاعتداء موجه إلى كل دول العالم، لا إلى السعودية. وعرض المالكي حطام الطائرات المسيّرة وصور خرائط للهجمات، وقال إن 25 طائرة مسيرة وصاروخاً مجنّحاً (زعم أنها كروز من طراز «يا علي» الإيراني مداه 700 كلم) أُطلِقَت على منشأتي «أرامكو»، بينها مسيّرات إيرانية الصنع من طراز «دلتا وينغ»، مشيراً إلى أن الأدلة لا يمكن دحضها، لأن التحليق والأهداف لم تكن من جهة الجنوب. وسخرت طهران من الإعلان السعودي، معتبرة، على لسان مستشار للرئيس الإيراني، أن المؤتمر الصحافي كان «فضيحة إعلامية للسعودية» لكونه فشل في تحديد مكان انطلاق الهجمات.
لكن الرسالة الإيرانية الأهم كانت للولايات المتحدة، عبر السفارة السويسرية، حيث نفت الاتهامات، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية، معقبة نفيها بتهديد صريح بأنه «في حالة أي عدوان على إيران، سيواجه هذا التحرك رداً فورياً من إيران، ولن يقتصر الرد على مصدره». في الإطار عينه، نقلت صحيفة «اعتماد» الإيرانية عن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، قوله: «(إننا) مستعدون تماماً لمفاجأة المعتدين برد ساحق وشامل على أي أعمال آثمة».


وفي مؤشر على عدم رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التصعيد، اتفق الأخير مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، على توحيد «رد دبلوماسي» بشأن الهجمات. وقال ترامب إنه سيكشف خلال 48 ساعة المزيد بشأن قرار تشديد العقوبات على إيران، معتبراً أن الحرب تبقى «خياراً أخيراً»، وأن تفكيره بشأن إيران «لم يتغير»، حيث إن «هناك خيارات أخرى».


وفي جدة حيث التقى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ولي العهد محمد بن سلمان، وصف الزائر الأميركي هجوم «أرامكو» بـ«العمل الحربي»، وقال: «هذا هجوم على نطاق لم نشهده من قبل... السعوديون هم من تعرضوا للهجوم. وقع على أرضهم. كان عملاً حربياً ضدهم مباشرة». لكن بومبيو، الذي أكد مسؤولية إيران، اعترف بعدم وجود أدلة إضافية بعد، سوى أن الهجوم لم يأت من الجنوب (اليمن) وأن السلاح المستخدم لم تنشره إيران خارج حدودها. وكشف الزائر الأميركي، قبل أن يتوجه إلى الإمارات، عن أن بلاده تريد ردع إيران عبر بناء تحالف يضم شركاء أوروبيين وعرباً.