كرواتيا تعيدنا بالذاكرة عشرين عاماً إلى الوراء، لنتذكر أول مشاركة لها مستقلةً عن يوغوسلافيا في كأس العالم 1998. يومها وصلت إلى النصف النهائي وخرجت أمام البطل والمستضيف منتخب فرنسا بهدفين من ليليان تورام. وهذا صار يعرفه الجميع. رحل جيل دافور شوكر و زفونيمير بوبان لتغيب كرواتيا بعدها عن الساحة الكروية العالمية والأوروبية. طال انتظار الكرواتيين حتى حضرت اليوم مجموعة من اللاعبين التي ستمحو اسم شوكر وبوبان وتجعلهما ومن كان معهما مجرد ذكرى جميلة في أذهان من يتابعون مونديال روسيا الحالي. لوكا مودريتش، إيفان راكيتيتش، ديان لوفرين، ماريو ماندزوكيتش، دانييل سوباسيتش وشيمي فرساليكو والقائمة طويلة.

في مقدمة أسماء الجيل الكرواتي «الذهبي» يأتي اسم زلاتكو داليتش مدرب الفريق الذي نجح في الوصول مع فريقه إلى النهائي هذه المرة. على عكس الكثيرين لم يخف داليتش منذ بداية كأس العالم قناعته وإيمانه بأنه يملك لاعبين من الأفضل في العالم، إذ كان يردّد ذلك دائماً في حديثه إلى الإعلام، إذ قال قبل مباراة النصف النهائي أمام إنكلترا: «اللاعبون على استعداد لكتابة أسمائهم ضمن كتب التاريخ كجيل ذهبي يحصد بطولة كأس العالم». فرصة كرواتيا لاستعادة ما فاتها في الماضي تتجدد اليوم وأمام نفس الفريق ولكن مع اختلاف الأسماء، وما اختلف ما بين سماء باريس وموسكو أن كرواتيا ستواجه فرنسا بفريق لطالما كان حلماً لفترة طويلة من الزمن. إذا توقفنا قليلاً عند ردود فعل اللاعبين الكروات بعد التأهل إلى النهائي، وبالتحديد لقطة فرساليكو عندما رفع مدربه ثم ألقى به على الأرض. عناق لوكا مودريتش والتحية الثنائية للجمهور مع داليتش. قرب الأخير دائماً من لاعبيه وحديثه معهم. بالفعل نجح داليتش في فعل ما فشل فيه مدربون آخرون في هذا المونديال: خلق روح الوحدة والانسجام في فريقه التي يمكن أن نعنونها «الجميع للواحد والواحد للجميع»، إضافةً إلى الكرة الجماعية التي يقدمها المنتخب الكرواتي، فضلاً عن الصبر وتحمّل الضغط في حال التأخر في النتيجة.

معدل مراوغات كرواتيا هو 12.5 ونسبة التمريرات الصحيحة بلغ 80.8%


لم يكن داليتش الخيار الأول لخلافة أنتي كاسيتش في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، لكن الاتحاد الكرواتي عيّنه قبل المباراة الأخيرة في التصفيات الأوروبية المؤهلة للمونديال أمام المنتخب الأوكراني وسط مخاوف من إمكانية غيابه عن المونديال. فازت كرواتيا (2ــ0) على أوكرانيا ثم أكملت طريقها نحو روسيا بتخطي المنتخب اليوناني في الملحق الأوروبي. وإذا طرحنا سؤالاً من هو داليتش ومن أين جاء؟ قد يجيب البعض أنه لا يملك تاريخاً في عالم التدريب ليكون الأفضل في كأس العالم، حيث لم يدرب دينامو زاغرب في كرواتيا (أحد أفضل الفرق) إنما اكتفى بتدريب أندية في السعودية والإمارات وفرق متوسطة المستوى محلياً. وأفضل ما حققه داليتش أنه وصل مع العين الإماراتي إلى نهائي دوري أبطال آسيا في 2016 ولكنه أقيل. الحقيقة قد تكون بأنه مدرب انتظر فرصةً ليثبت نفسه مع حاجته إلى مجموعة قوية من اللاعبين، وحصل على ما يريد ليصل إلى نهائي كأس العالم مع فريق كانت تحوم الشكوك حول إمكانية ترشيحه ليكون بطلاً. ولا يمكن الاكتفاء بهذا القدر حيث أن داليتش فرض شخصيته على اللاعبين، إذ أظهر شجاعته عندما استبعد نيكولا كالينيتش لأنه رفض المشاركة من مقاعد البدلاء في المباراة الأولى أمام نيجيريا. كما استطاع توحيد الصف الكرواتي خصوصاً في ظل المشاكل القائمة في الكرة الكرواتية مع إدانة زدرافكو ماميتش نائب رئيس الاتحاد الكرواتي والرئيس التنفيذي لنادي دينامو زغرب بغسل الأموال عن طريق انتقال بعض اللاعبين الكبار من بينهم لوكا مودريتش، ما أدى إلى الانقسام ما بين مؤيد ومعارض. وبحسب ما قاله ديان لوفرين مدافع الفريق فإن المدرب جزء لا يتجزأ من هذا النجاح: «أظهر زلاتكو ثقته بنا منذ البداية عندما لم يفعل الكثيرون ذلك، هذا هو السر وراء نجاحنا».
لعب المنتخب الكرواتي 6 أشواط إضافية في الدور الثاني أي ما يعادل مبارة إضافية عن خصمه في النهائي فرنسا، لكنه أثبت أنه جاهز من الناحية البدنية. في مباراة إنكلترا بدا التراجع البدني الشوط الإضافي الثاني واضحاً على عناصر كرواتيا وهو أمر طبيعي. لكنهم عرفوا «من أين تؤكل الكتف»، وظهروا وكأنهم يعرفون كيف ينتصرون ويسيرون المباراة بحسب ما يريدون. الملفت في ما يخص الموضوع البدني أن اللاعبين لعبوا مع فرقهم موسماً طويلاً ومنهم من لم يحظَ بفترة راحة كافية قبل المونديال. أبرزهم مودريتش الذي لعب نهائي دوري الأبطال لكنه لا يكف أبداً عن التواجد في أرجاء الملعب كافة، إضافةً إلى لوفرن (لاعب ليفربول) الذي اكتسب ثقة في المونديال الحالي، ويحاول أن يشجع نفسه إذ يقول إنه واحد من بين أفضل المدافعين في العالم. وقد يكون هذا الأمر طبيعياً للاعب كاد يحرق منزله وهدد بالقتل في انكلترا نتيجة لأخطاء ارتكبها سابقاً مع فريقه. ماندزوكيتش أيضاً وصل إلى الربع النهائي مع يوفنتوس والذي لعب في منتصف نيسان/أبريل. قد يتأثر المنتخب الكرواتي من هذه الناحية في النهائي لكن لاعبيه لن يبخلوا بأي شيء يملكونه فهذه الفرصة ليصبحوا أبطال العالم قد لا تتكرر لجيل لن تنساه كرواتيا أبداً.
أقنع المنتخب الكرواتي المتابعين في كل مبارياته في كأس العالم. البداية كانت أمام نيجيريا (2ــ0)، ثم «القسوة» على الأرجنتين (3ــ0)، ثم الانتصار على آيسلندا (2ــ1) والتأهل بالعلامة الكاملة 9 نقاط. في الدور الثاني واجهت كرواتيا منتخبين متماسكين من الناحية الدفاعية وعلى الصعيد التكتيكي وتأهلت بركلات الترجيح. طريق كرواتيا لم يكن سهلاً لكنها كانت متماسكة وكان مستواها ثابتاً في ظل تنظيم تكتيكي ليس «مملاً» إنما تعرف كرواتيا كيف تلعب كل مباراة منفصلة على حدة. تلعب كرواتيا بتشكيلة 4ــ2ــ3ــ1 وهو التشكيل المعتاد والذي لعبت فيه كل مبارياتها. يعتمد المنتخب الكرواتي على تحرير مودريتش أي عدم إلزامه بأي وظيفة واضحة إنما يلعب ويتحرك كما يريد ويذهب كثيراً إلى الناحية اليمنى، كما يقوم ريبيتش وبيرزيتش وماندزوكيتش بالضغط على خط الدفاع للخصم، فبداية العملية الدفاعية تكون من الخط الأمامي. يعتمد المنتخب الكرواتي كثيراً على الضغط على حامل الكرة في أغلب أوقات المباراة. ويفضل الاحتفاظ بالكرة للحدّ من خطورة منافسه، بعض الأرقام قد تبدو مبالغاً فيها، لكن كرواتيا سددت بمعدل 16.5 تسديدة في المباراة رقم يوضح أنها لا تعتمد على اللعب الدفاعي إنما تتبع الفلسفة الكروية التي تقول: «أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم». فردياً معدل المراوغات في المباراة الواحدة 12.5 أما نسبة التمريرات الصحيحة في 6 مباريات 80.8%.
كأس العالم في روسيا وصلت إلى محطتها الأخيرة. نهائي سيجمع فرنسا وكرواتيا ولا يمكن التكهن باسم الفائز فالمنتخب الفرنسي وصل إلى النهائي من دون أن يقدم ما كان متوقعاً منه. وفي حالة فوز كرواتيا أو خسارتها فإنها نجحت في تحقيق ما هو أبعد من سقف التوقعات والطموحات لدى مشجعيها في الوصول إلى النهائي. وفي العاصمة موسكو قد يحيك الكروات أول نجمة على صدورهم كأبطال للعالم، بقيادة المدرب الخارج من الظل إلى الضوء.