لم يُفضِ الحوار الاستراتيجي الأميركي - الإسرائيلي في واشنطن حول سبل مواجهة إيران، إلى أيّ نتائج مرضية لتل أبيب. إذ إن الأخيرة لم تستطع ثنْي واشنطن عن تمسّكها بالخيارات الدبلوماسية بمواجهة طهران، أو حتى إقناعها برفْد تلك الخيارات بعناصر تخويف كفيلة بتثقيلها، فيما رفضت الولايات المتحدة إعلان التزامها بأيّ خطّة بديلة في حال فشل محادثات فيينا التي يُتوقّع أن تُستأنف مطلع تشرين الثاني المقبل. رفضٌ يبدو مردّه جدول الأولويات المختلف لدى إدارة جو بايدن، والذي يتصدّره التحدّي الصيني، مع ما تتطلّبه مواجهته من تفريغ إمكانات وجهود كانت متوزّعة سابقاً على مناطق أخرى. ولعلّ هاهنا تحديداً يكمن قلق الإسرائيليين، الذين يلمسون يوماً بعد يوم أن الأميركيين «لا يركّزون على إيران، بل على الصين وعلى تحدّياتهم الداخلية»


لم يكن إعلان رئيس وزراء العدو نفتالي بينت، أن إسرائيل لم يَعُد بإمكانها «الانتظار أكثر» في ضوء المرحلة التي بلغها البرنامج النووي الإيراني، إلّا أحد تجلّيات الخيبة السائدة في تل أبيب من نتائج الحوار الاستراتيجي مع واشنطن الأسبوع الماضي، حول الخيارات الواجب اتّباعها إزاء طهران. ومع أن مضمون كلام بينت يوحي كما لو أن إسرائيل على وشك المبادرة إلى خطوات عملية، غير أن أعداءها في المنطقة يدركون أنها أبعد ما تكون اليوم عن مثل هذه المغامرات في ظلّ موازين القوى الإقليمية الحالية، وبعد استنفاد الكثير من خيارات التهويل والضغوط الاقتصادية والأمنية والنفسية، التي لم تُحقّق أهدافها المؤمَّلة. والنتيجة التي انتهت إليها تل أبيب هي أنها وجدت نفسها أمام خطر نووي وإقليمي متصاعد، يدفعها إلى الموازنة بين مخاطر عدم المبادرة إلى خيارات عمليّاتية دراماتيكية، وبين مخاطر التكيّف مع الوقائع التي فرضتها نتائج الجولات السابقة. ومردّ ذلك أنها لم تنجح في ثني واشنطن عن خياراتها، فيما عجزت الأخيرة عن طمأنة الأولى إلى وجود خيارات غير دبلوماسية في حال فشلت العودة إلى المفاوضات النووية. ولعلّ الموقف الذي قطع الشكّ الإسرائيلي باليقين في هذا المجال، هو أن الولايات المتحدة رفضت الالتزام المسبق بخطّة بديلة مُحدَّدة، من شأنها دفعها لاحقاً في اتجاه خيارات دراماتيكية، وهو ما قد يجبر إسرائيل على أن تُخرج من حساباتها الرهان على تورّط أميركي في مواجهة إيران. ومن هنا، جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى واشنطن، في محاولة متجدّدة لإقناع المسؤولين الأميركيين ببلورة خطّة من النوع المذكور، في ظلّ قلق الكيان العبري من تحوّل إيران إلى دولة حافّة نووية.

يزداد قلق تل أبيب من ضعف التجاوب الغربي مع دعواتها إلى خيارات بديلة بوجه إيران


إزاء ذلك، تتصاعد السجالات الداخلية في إسرائيل بين بينت من جهة، وسلفه بنيامين نتنياهو وطاقمه السياسي والأمني من جهة أخرى، حول المسؤولية عن المعضلة التي يواجهها الكيان. وفيما يحرص بينت، في كلّ محطّة، على التذكير بأن المسؤول عن هذا الواقع هو سلفه وسياساته، يَعتبر الأخير أن خلَفه تخلّى عن القيام بمسؤولياته في حماية الأمن القومي الإسرائيلي، وألقى بها على كاهل الولايات المتحدة. لكن الحقيقة التي يتمّ إغفالها هي أن فشل الثنائي نتنياهو - (دونالد) ترامب، لم ينبع من عدم المبادرة، وإنّما من صمود إيران على رغم الضربات الكبيرة التي تعرّضت لها، وتمسّكها بثوابتها النووية والإقليمية والعسكرية، حتى في مواجهة رئيس أميركي كان من الصعب التكهّن بخطواته التي قد يُقدِم عليها ضدّ برنامجها النووي، إلى اللحظة الأخيرة قبل خروجه من البيت الأبيض. كذلك، فشلت عملية اغتيال قائد «قوّة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، والتي مثّلت محطّة مفصلية في المواجهة بين الطرفين، في زحزحة القيادة الإيرانية عن خياراتها، رغم أنها شكلت ايضا رسالة عملية إزاء استعداد الولايات المتحدة للمبادرة الى خطوة عدوانية تنطوي على مخاطر التدحرج الى واسعة وشاملة في المنطقة. وإلى أبعد من مجرّد الصمود ذهبت إيران، بتحقيقها قفزات نوعية في برنامجها النووي (خصوصاً في أعقاب اغتيال العالم النووي فخري زادة، ومحاولة تفجير منشأة نطنز)، الأمر الذي أدّى إلى بلورة معادلات عزَّزت الردع الاستراتيجي الإيراني.
من المؤكد أن هذه الوقائع ستَحضر، بدلالاتها الاستراتيجية، لدى صنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب، بعدما أبطلت رهانهما على العديد من الخيارات العملياتية، وأفهمتهما أن التراجع عن الثوابت ليس من ضمن خيارات طهران، وأن أيّ تجاوز لبعض الخطوط يعني التورّط في مواجهة عسكرية واسعة لا يريدها أيّ من الطرفين. وما يزيد المعضلة تعقيداً، بالنسبة إلى تل أبيب، هو تبدّل أولويات إدارة جو بايدن، التي تصبّ تركيزها داخلياً على مواجهة الأزمة الاقتصادية ووباء «كورونا»، وخارجياً على التحدّي الصيني، ما يعني أن أيّ خيار سيحرفها عن أولوياتها أو يضعف موقفها في هذا الاتجاه، ستحرص على تجنّبه. وانطلاقاً من ذلك، يزداد قلق تل أبيب من ضعف تجاوب الولايات المتحدة والمعسكر الغربي عموماً مع دعواتها إلى خيارات بديلة أكثر عنفاً ضدّ إيران. ولذا، فهي تحاول، سرّاً وعلناً، التأثير على توجّهات الإدارة الأميركية، عبر التلويح بأنها «لم تَعُد قادرة على الانتظار أكثر»، وفق ما أبلغه بينت لبايدن، والمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل. إلّا أن الغاية الرئيسة من موقفه، شأنه شأنه دعوة لابيد إلى بلورة خطّة بديلة من فشل المفاوضات النووية، قد تكون محاولة لعب دور الشرطي السيّئ في مواجهة إيران، بعدما يئست حكومة العدو من تلبية مطلبها بضرورة إقران الدعوة إلى تجديد المفاوضات، بالتلويح بأوراق ضغط ضدّ طهران، مِن مِثل إجراء مناورات عملاقة في الخليج أو في دولة مجاورة، أو تحريك حاملة طائرات أو اثنتَين، أو تسريب عن نجاح قنبلة تفجير مخابئ محصّنة، كما اقترح وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، على الأميركيين، بحسب موقع «مونيتور».
ويؤشّر امتناع الولايات المتحدة عن تلبية المطلب الإسرائيلي، حتى الآن، إلى وجود تقدير لدى الجهات المختصّة في واشنطن بأن خطوة كهذه قد تستدرج ردوداً إيرانية، تساهم في تعقيد الموقف، وهو ما سيعني نجاح تل أبيب في استدراج واشنطن إلى مسار سيكون من الصعب عليها التراجع عنه من دون خسائر في قوّة ردعها وهيبتها. ومن هنا، جاءت شكوى الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ، من أن إيران «تستغلّ عدم وجود تحرّك وغياب التعاون الدولي ضدّها»، واعتباره أن «المعسكر الغربي فشل أيضاً في مواجهة تمدّد النفوذ الإقليمي وإيقاف المشروع الإيراني بصورة كاملة». وبما لا يقلّ دلالة عن ذلك، ففي الوقت الذي يزور فيه وزير الخارجية الإسرائيلي واشنطن بهدف بلورة خطّة بديلة مشتركة ضدّ إيران، يطالبه نظيره الأميركي، أنتوني بلينكن، بضرورة تقييد التدخّل الصيني في الاقتصاد الإسرائيلي، في ما يؤشّر إلى أن واشنطن لا تستثني حليفتها تل أبيب من هذا المطلب الذي تطرحه مع جميع شركائها، وأن شعارها في هذه المرحلة هو أن لا صوت يعلو فوق صوت مواجهة منافِستها العالمية، الصين.