للمرّة الثانية، تثير المعلومات المُسرَّبة عن إمكانية تعيين روبرت مالي، رئيس «مجموعة الأزمات الدولية»، في منصب رسمي في مجال السياسة الخارجية، مبعوثاً رئاسياً لإيران، حملة اعتراض جدّية من قِبَل جماعات ضغط متعدّدة في الولايات المتحدة. في المرّة الأولى، سنة 2015، أدّى اختيار الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، لمالي، مديراً لمكتب الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، إلى حملة إعلامية - سياسية شرسة من قِبَل اللوبي الصهيوني أساساً، بسبب مواقفه ومداخلاته النقدية للسياسة الإسرائيلية، والداعية إلى حوار بين الولايات المتحدة والدول والأحزاب المناهِضة لسياساتها في الشرق الأوسط، انطلاقاً من اقتناعه بإمكانية التوصّل إلى تفاهمات تفضي إلى تخفيض التوتّر في المنطقة في الحدّ الأدنى، أو تسويات تقود إلى حدّ معيّن من الاستقرار. كانت «خطيئته الأصلية» آنذاك، في نظر أنصار إسرائيل في أميركا، وقسم عظيم منهم من المتشدّدين، هو تكذيبه لرواية رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، إيهود باراك، عن «عروضه السخية» التي قَدّمها للرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، والتي رفضها الأخير، خلال «قمّة كامب ديفيد» التي جمعتهما مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون، عام 2000. مالي، الذي حضر القمّة بصفته عضواً في مجلس الأمن القومي، أوضح في مقال نشره في 2001، بعد وصول فريق بوش الابن إلى السلطة، ومغادرته المجلس للانضمام إلى «مجموعة الأزمات الدولية» كمدير لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيها، أن هذه العروض كانت في حقيقتها فخّاً للفلسطينيين، يتيح تأبيد السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلّة عام 1967. وقد زادت المواقف التي عَبّر عنها في السنوات التالية حيال حركة «حماس»، وضرورة الانفتاح عليها لكونها طرفاً يتمتّع بتأييد شعبي واسع بين الفلسطينيين، وكذلك تشجيعه على الحوار مع سوريا وإيران وحزب الله، ولقاءاته مع مسؤولين من جميع هذه الأطراف، من عداء اللوبي الإسرائيلي له. لم ينجح الأخير في منع أوباما من ضَمّه إلى فريقه، ومن قيامه تالياً بدور مهمّ في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي مع إيران في تموز 2015.
آراء مالي النقدية حيال السياستين الأميركية والإسرائيلية وثيقة الصلة باقتناعاته الفكرية والسياسية


اللافت راهناً هو أن الهجوم الذي يستهدفه لا يحظى بإجماع الأوساط المُؤيّدة لإسرائيل. فبعض الأقطاب في هذه الأوساط، كمارتين إنديك ودنيس روس، أيّدوا قرار بايدن باختياره مبعوثاً لإيران، على قاعدة أنه قد يسهم في تسهيل التوصّل إلى حلّ معها يسمح بالعودة إلى الاتفاق النووي، نتيجة لمعرفته بعدد من المسؤولين في هذا البلد وتواصله المستمرّ معهم. الجهات التي تشنّ الحملة المعادية عليه، هي تلك الرافضة للاتفاق جملة وتفصيلاً، وهي تضمّ الجناح الأكثر تطرّفاً في اللوبي الصهيوني، وقطاعاً معتبراً من الجمهوريين، وجماعات ضغط مرتبطة بالمعارضتين الإيرانية والسورية، وأخرى مموّلة من أنظمة خليجية. المعارضون للاتفاق النووي يرفضون تسمية مالي، والمتمسّكون به، بِمَن فيهم أولئك الذين يرون ضرورة إدخال «تعديلات» عليه، يدعمونها.
آراء مالي النقدية حيال السياستين الأميركية والإسرائيلية، وإصراره على أهمية إدخال تغييرات فعلية عليهما، وثيقة الصلة باقتناعاته الفكرية والسياسية التي تبلورت بتأثير جليّ من بيئته العائلية. فوالده هو سيمون مالي، المولود في مصر والمقرّب من «الحزب الشيوعي» وأحد أبرز مؤسّسيه هنري كورييل، والذي عمل مع «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية عندما كان في الولايات المتحدة منذ أواخر الخمسينيات، وتعاون أيضاً مع حركات تحرّر في دول أفريقية. أما والدته بربرا، الأميركية الجنسية، فقد كانت عضواً في وفد «جبهة التحرير» الجزائرية في الأمم المتحدة. وقد أسّس سيمون مالي مجلة «أفريقيا - آسيا» بعد انتقاله للعيش في فرنسا في 1969، والتي تحوّلت إلى منبر للدفاع عن قضايا التحرّر الوطني في جنوب العالم، وفي كشف وإدانة سياسات الغرب حيالها. وينبّه الكاتب الأميركي، بيتر باينارت، في مقال على مدوّنته بعنوان «عن أهمية روبرت مالي»، إلى أن ما يُميّز الأخير عن غيره من المعنيّين بالسياسة الخارجية في فريق بايدن، كأنتوني بلينكن مثلاً، هو هذا الموروث العائلي، الذي يُمكّنه من فهم تطلّعات دول الجنوب وشعوبها، والتعامل بإيجابية معها. بعد إبعاد سيمون مالي وعائلته من فرنسا إلى الولايات المتحدة بسبب مواقفه السياسية، بقرار من رئيسها فاليري جيسكار ديستان في 1980، استقرّ روبرت مالي في الولايات المتحدة حيث تابع تحصيله العلمي وعمل باحثاً في مجلس العلاقات الخارجية، قبل أن يصبح عضواً في مجلس الأمن القومي بين سنتَي 1994 و2000.