النقاش حول مستقبل الاقتصاد الصيني أكثر احتداماً من أي فترة سابقة في سياق جائحة «كورونا». بعض الباحثين جزموا بأن الأزمة الصحية تسبّبت باختلالات عميقة وطويلة الأمد في الاقتصاد الصيني، ستكون لها آثار بالغة على حيويته، بينما رأى البعض الآخر أن بكين ستخرج منتصرة في المرحلة القادمة على الرغم من انكشاف جزء من نقاط ضعفها. يركّز المتشائمون على معطى مستجدّ، وهو التراجع التاريخي لمعدلات الناتج الإجمالي المحلي الصيني خلال الفصل الأول من عام 2020، ويقدّرون أن لا يتجاوز معدّل النمو خلال هذه السنة نسبة 3 في المئة، الأمر الذي سيمثّل عقبة أمام طموحات البلاد للزعامة العالمية.

في المقابل، فإن البعض الآخر، على غرار جان دومينيك سوفال، المدير المساعد لمركز الدراسات «أي دايت ديجي وورلد»، والمتخصّص في الاقتصاد الرقمي، ينطلق من فرضية أن سيناريو الخروج من الأزمة الحالية سيجعل من الصين القوّة الدولية الأولى. وكان سوفال قد أشار في مقال في «لوموند» في 11 نيسان / أبريل إلى أن الانتعاش الاقتصادي الصيني، مع عودة مصانع وأنشطة خدماتية للعمل بنسبة 50 إلى 80 في المئة من قدراتها، يتم في الفترة إيّاها التي تعاني فيها أوروبا من ضمور في ناتجها المحلي الإجمالي، وتتخبّط خلالها الولايات المتحدة في إدارة عشوائية للأزمة. يستنتج كاتب المقال أن «الصين ستجد نفسها تلقائياً في موقع القيادة نتيجة للتراجع الطويل الأمد لقدرات الولايات المتحدة وأوروبا».
لكن تييري بيرولت، الخبير في الشؤون الصينية وعالم الاقتصاد الاجتماعي، يحذّر من أن تقديرات الطرفين المشار إليهما مبالغ فيها لأن الظروف الراهنة لا تسمح لأحد بتقييم تداعيات الجائحة بدقّة. «الصين كانت وحدها تواجه وباء سارس سنة 2003، أمّا اليوم فإن الكوكب بمجمله معنيّ بالجائحة. بكين تعتمد بقوّة على الدول المتقدّمة، وإذا تراجع مثل هذا الاعتماد سيكون من الصعب توقّع تكرار سيناريو الانطلاق مجدداً الذي نجح في عام 2003»، حسب بيرولت. الأزمة بنظره، وفق ما يشرح لـ«الأخبار»، ليست اقتصادية حصراً، بل هي صحّية ونظامية بمعنى ما، ما يعني أن جملة من العوامل غير الاقتصادية لعبت دوراً في تفاقمها. «استشراف معدّلات النمو أمر مطمئن على المستوى الفكري لأنه يعطي انطباعاً بالقدرة على السيطرة على التحدّي بينما في الواقع نحن أمام وضع مفتوح على احتمالات شتى. استراتيجيات الخروج من الحظر ستكون حيوية في تحديد سبل إعادة إنعاش الاقتصاد. لكن في ظل مستوى المعرفة القائم حالياً، فإن أيّ تقديرات تتضمّن قدراً كبيراً من الادعاء».

تييري بيرولت: تقديرات الطرفين مبالغ فيها


ويعتقد الخبير الفرنسي أن غالبية التحليلات المستندة إلى استنتاج مفاده أن «استراتيجيات إعادة تموضع الشركات الغربية خارج الصين وتنويع الشراكات الاقتصادية والتجارية لعدم الوقوع في التبعية لها والتحكّم بالقطاعات التكنولوجية الحيوية ستؤدّي إلى إضعاف الصين، تزيد من التشوّش السائد». هو يدعو إلى الحذر من عدم التمييز بين سيادة الدول وحقيقة أن مراكز القرار الاقتصادي ليست محصورة ضمن حدود ترابية وطنية: «الدول لم تعد تتحكّم بالاقتصاد وتعاني من تبعية لم تقرّرها بالضرورة. يترتّب على ذلك بالنسبة إلى العلاقة مع الصين أن وعي التبعية المتزايدة حيالها من قبل الدول لن يفضي إلى تغيير فوري لعلاقات الشركات معها. عندما أرادت الدولة الفرنسية أن تفرض على شركة توتال نمطاً جديداً في إدارة مصافيها، اكتفت الأخيرة بالتهديد بالانتقال إلى خارج أراضيها ما دفع الأولى للتراجع. ليس هناك ما يضمن التزام الشركات العابرة للجنسيات بالسياسات التي تأخذ بها الدول».
من الصعب، وفقاً لبيرولت، خاصة في ظروف كهذه، تصوّر طبيعة التغييرات التي سيشهدها مسار العولمة: «حتى إذا افترضنا أننا نوّعنا الشراكات للخلاص من التبعية لشبكات الإنتاج الصينية، وبات لدينا أكثر من مركز للإنتاج، فإننا سنبقى أسرى لمسار العولمة المتمحور حول تطوير المكننة وسنستمر في البحث عن البلدان التي تمتلك مهندسين بأجور منخفضة. جائحة كورونا كشفت مكامن الضعف في النظام الاقتصادي العالمي، لكن لا بديل منه في الأفق».
أخيراً، وإن كان مقتنعاً بأن الصين ستحاول الاستفادة من ظروف الأزمة لتسريع التنافس التكنولوجي، فإنه غير متأكّد من فوزها فيه. «للصين وزن مهم لكن ينبغي تجنب المغالاة في تقديره. من الصحيح أن بكين قد حقّقت تقدماً كبيراً في مجال البحث لأن عملية نقل المعارف والخبرات كانت جزءاً لا يتجزأ من أي استثمار خارجي فيها. غير أنها ما زالت في حالة تبعية للتكنولوجيا المنتجة في الخارج في مجالات عدة. الشركات الصينية متأخّرة في ميدان براءات الاختراع التقنية. عملية تدارك التأخّر التكنولوجي تتطلّب استثمارات ضخمة وتدريباً عالي المستوى، لكن إلى الآن ما زالت هذه الشركات معتمدة على الخارج للحصول على منتجات تكنولوجية أساسية»، يختم الخبير الفرنسي.