فور انتهاء تشييع الجنرال قاسم سليماني، دخلت إيران ومعها المنطقة والعالم مرحلة ترقّب الردّ على العملية الأميركية. ترقّب لم يَدُم طويلاً، إذ سرعان ما بدأ تنفيذ وعيد القيادة الإيرانية، مُدخِلاً المنطقة في مرحلة جديدة لم تشهدها من قبل، عنوانها الاشتباك الإيراني الأميركي المباشر. فمع ساعات الفجر الأولى، أعلن الحرس الثوري تنفيذ قواته «الجوفضائية» عملية «الشهيد سليماني» التي جرى خلالها قصفٌ بعشرات صواريخ أرض - أرض البالستية على قاعدة «عين الأسد» الأميركية في الأنبار، وهي إحدى أضخم القواعد الجوية الأميركية، وتضمّ عدداً كبيراً من الجود الأميركيين. ووفق الإعلام الأميركي، فإن القصف جرى بحوالي 35 صاروخاً، فيما تحدّثت وسائل إعلام إيرانية عن أنه طاول الجناح الذي يتواجد فيه الجنود الأميركيون، وأنه تمّ من داخل الأراضي الإيرانية. ونقل شهود عيان لـ«الأخبار» سماع دويّ انفجارين في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراقي، بالتزامن مع القصف، إلا أنه حتى ساعة متأخرة لم تتّضح طبيعة الانفجارين، في وقت كانت تتوالى فيه الأنباء عن موجة ثانية من الصواريخ طالت غالبية القواعد الأميركية في العراق.

قبل الردّ على اغتيال سليماني ورفاقه، كانت المؤشرات والمعلومات في إيران تشي بأن القرار هو بردّ سريع ضمن سلسلة ردود ستتوزّع على مستويات ثلاثة:
ــــ الأول، ردّ عسكري تقوم به القوات الإيرانية على القوات الأميركية بوجه علني مباشر وصريح. وهذا ما حصل أمس كفاتحة للردود الأخرى. في المقابل، بات الردّ الأميركي على الردّ أمراً شبه محسوم، ما دفع سريعاً بالسؤال حول ردّ الفعل وتداعياته إلى الواجهة. المسؤولون الإيرانيون كانوا استبقوا التهديد الأميركي بالحديث عن تجهيزهم ردّاً على «الردّ على الردّ»، مع البيان الثاني الصريح للحرس الثوري بضرب إسرائيل في حال الردّ الأميركي. وفي كلمته التأبينية في كرمان، كان قائد الحرس الثوري قد قال: «إرادتنا حازمة... وإذا ضربوا (مجدداً) فسوف ندمّر مكاناً محبباً لقلوبهم»، مضيفاً: «هم يعرفون عن أيّ أمكنة أتحدّث». وسريعاً، عكفت إدارة دونالد ترامب على تقييم هجوم «عين الأسد» وفق ما أعلن البيت الأبيض، حيث أجرى الرئيس اجتماعاً عاجلاً مع مسؤولي الأمن القومي.
ــــ الثاني، متابعة عملية طرد الأميركيين من العراق سياسياً، وعبر تفعيل ملف المقاومة العسكرية التي بدأت تشكيلاتها بالاستعداد العملي والتنسيق مع حلفائها الإقليميين، لتكون هجماتها الخطوة الثانية من الردّ، ولاسيما أن البيت الأبيض أكد رفضه الخضوع لقرار البرلمان والحكومة العراقيين بالانسحاب، ما سيجعل المواجهة حتمية.
ــــ الثالث، عمليات انتقامية أمنية وعسكرية متعددة في أكثر من ساحة في المنطقة، تقوم بها «قوة القدس» وحلفاؤها، وربما تتكرر لتقلب الأهداف الأميركية، وتكون عمليات استنزاف طويلة الأمد للوجود الأميركي خدمة للهدف الجديد الذي يلوّح به محور المقاومة: «طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط»، كما أعلن سلامي أمس.

وفق الإعلام الأميركي فإن قصف القاعدة جرى بحوالي 35 صاروخاً


في طهران، بالنسبة إلى كثيرين، التوحّد الشعبي منقطع النظير لدى مختلف التيارات السياسية والشرائح الشعبية والثقافية التي شاركت في تكريم سليماني كان الردّ العفوي الأول. وفي هذا الإطار، بدا لافتاً ما أدلى به وزير خارجية إيران إبان حكم الشاه، أردشير زاهدي، الذي شبّه في حديث إلى «بي بي سي» سليماني بجنرالات الحرب العالمية الثانية الكبار، كديغول وآيزنهاور، واصفاً إياه بأنه «جندي وطني شريف». على المنوال نفسه، توالت تعليقات مشاهير، فنانين وكتاب ومفكرين، إيرانيين يقفون على مسافة العداء الثقافي أو السياسي مع النظام.
وكان البرلمان الإيراني قد بعث، أمس، برسالة إلى المرشد طالبه فيها بـ«انتقام شديد مناسب ومباشر وعسكري في أسرع وقت». وصادق النواب على قانون يدرج «البنتاغون» الأميركي على لائحة الإرهاب، مطالبين الحكومة بدفع مبلغ 200 مليون دولار لـ«قوة القدس» من احتياطي «الصندوق الوطني للتنمية». وفي خطوة بالغة الدلالة، كان «مجلس خبراء القيادة» قد بعث برسالة إلى خامنئي اعتبر فيها أن الاغتيال «إعلان حرب»، مطالباً بالانتقام الشديد، وداعياً «القوى الثورية» إلى الاستعداد لإخراج القوات الأميركية من العراق، كأدنى ردّ.

الاتصالات السياسية
على وقع هذه السيناريوات وما ستفضي إليه من انقلاب شامل للمشهد الإقليمي ستتأثر به مختلف بلدان الإقليم، حطّ سريعاً وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، في الولايات المتحدة، حاملاً رسالة من شقيقه ولي العهد الأمير محمد، ولبحث ما يمكن اتخاذه من إجراءات للحفاظ على استقرار المنطقة بعد اغتيال الجنرال سليماني، وفق ما قال. والتقى ابن سلمان وزيرَي الدفاع والخارجية والرئيس دونالد ترامب، الذي أفاد بأن الاجتماع كان «جيّداً للغاية... تباحثنا حول المجالات التجارية والعسكرية وأسعار النفط والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط». وقال خالد بن سلمان إن اللقاء بحث «أوجه التعاون والتنسيق والعمل المشترك بين البلدين الصديقين في مختلف الجوانب، بما فيها الجهود المشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية». وفي الزيارة التي تظهر كمحاولة لتحييد الرياض نفسها عن المواجهة، نقلت شبكة «سي أن أن» الأميركية عن مصدر سعودي أن الأمير خالد «سيدعو خلال لقاء بومبيو إلى ضبط النفس، ويناقش معه وقف التصعيد».
في غضون ذلك، سمع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، من نظيره الإيراني، تهديداً صريحاً. إذ أبلغ الأخير الرئيس الفرنسي أن مصالح وأمن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط باتت «في خطر» و«لا يمكن أن تنجو من تداعيات هذه الجريمة الكبرى». تهديد روحاني جاء في وقت كان يحاول فيه ماكرون الاتصال للدعوة إلى التهدئة، قبل أن يواجَه بالرد الصلب.

التشييع
بالرايات الحمر، شعار الانتقام، خرجت ملايين إيران، أمس، لوداع «سردار حاج قاسم». لم تشهد بلاد فارس يوماً مشابهاً في العقود الماضية، سوى في محطتين: الثورة، وتشييع مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني. لحظات تاريخية عرفتها البلاد على مدى ثلاثة أيام في تكريم جثامين الجنرال قاسم سليماني ورفاقه، وهي تشقّ طريقها بين مئات الآلاف في مسير مهيب من غرب البلاد إلى شرقها، فوسطها. دموع المرشد علي خامنئي، وهو يؤمّ الصلاة على جثامين سليماني والمهندس ورفاقهما، وخلفه مسؤولو الصف الأول في إيران وقيادات حركات المقاومة، كانت اختصاراً لحجم ما أصاب نظام طهران وشعبها كما حلفاءها، وبالتالي مدى ما يمكن أن يذهب إليه الإيرانيون كردّ على الاستهداف.
أمواج بشرية بقيت تتدفق على مدى الأيام الثلاثة، من الأهواز وصولاً إلى مشهد، فالعاصمة طهران، ومن ثم العاصمة الدينية قم، إلى آخر محطة وهي كرمان، موطن الجنرال سليماني حيث أوصى بأن يُدفن. على امتداد محطات التشييع، كانت الجثامين تُحمل على سيارات كبيرة تسير ببطء، والجماهير المليونية من حولها تتّشح بالسواد رافعة شعارات تطالب بالثأر، وتتزاحم للتبرّك بالأجساد عبر رمي قطع قماش للجنود الذين يحيطون بالجثامين على ظهر السيارة، يقومون بمسحها على التوابيت وإعادتها لأصحابها الذين سيحتفظون بها كتذكار. كلّ ذلك أعاق عملية التشييع وفق الجدول الزمني الذي وضعه منظّمو المراسم، وتسبّب بتأخير لساعات طويلة. أمس، تكرر هذا المشهد في كرمان، ما أعاق الدفن في موعده المقرر، ولا سيما بعد تسجيل حوادث مأسوية جراء الازدحام والتدافع غير المسبوق (نجم عنه بحسب التلفزيون الإيراني حوالى 50 وفيّة و213 مصاباً). في الأثناء، أعلن أمين «اللجنة العليا للثورة الثقافية»، محمد آقاسي، إطلاق تسمية «يوم المقاومة العالمي» على يوم 3 كانون الثاني/ يناير من كلّ عام، ذكرى استشهاد سليماني.