عقد القائد الجديد لـ«قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، العميد إسماعيل قاآني، اجتماعاً في العاصمة الإيرانية طهران أمس، مع قادة ​فصائل المقاومة​ الفلسطينية الموجودين هناك، بعدما شاركوا في التعزية باستشهاد الفريق قاسم سليماني، وزاروا منزل عائلته، وألقوا خلال ذلك كلمات علنية، إضافة إلى تصريحات أدلوا بها لوسائل إعلام فارسية. يأتي هذا بعدما نُشرت صورة تجمع قيادة «حماس»، وعلى رأسها رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، مع قاآني، وهو ما أثار ردود فعل إسرائيلية وعربية كبيرة. وقالت وسائل إعلامية عبرية إن مشاركة رئيس «حماس» في التشييع ربّما تؤدي إلى «أزمة حادّة في العلاقات بين القاهرة وحماس، لأن هنية وعد (المصريين) بألّا يزور طهران».

وتواصلت ردود فعل الفصائل الفلسطينية على استشهاد سليماني، لكن من دون إشارة إلى الدور الذي ستأخذه على عاتقها في مسألة الردّ، على رغم تواصل التقارير الإعلامية عن تهديدات إسرائيلية في هذا الشأن. بيانات الفصائل تحدّثت عن دور الجنرال في دعم المقاومة في مختلف المجالات، في وقت أطلق فيه هنية على سليماني لقب «شهيد القدس». أما «الجهاد الإسلامي» فوصفته بأنه كان «معلّماً كبيراً، وقائداً فذّاً لم يجارِه في موقفه وفي جهاده أحد منذ عقود في فلسطين وفي المنطقة». كذلك، قالت «الجبهة الشعبية» إن الشعب الفلسطيني لن ينسى دور سليماني «المبادر والبارز في تجسيد موقف الجمهورية الإسلامية بدعم حقوقه ونضاله ضدّ العدو الصهيوني ودعم قوى المقاومة وتطوير قدراتها».
بصمات الشهيد سليماني ينطق بها واقع المقاومة الفلسطينية في العقود الأخيرة، ولا سيّما في قطاع غزة، حيث يُنسب إليه الفضل في بناء المنظومات العسكرية التي تمتلكها المقاومة بمختلف أطيافها منذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، وخصوصاً منها الصواريخ البعيدة المدى والثقيلة، وأيضاً الموجّهة المضادّة للدبابات، وغيرها من الأسلحة المتطورة مثل طائرات الاستطلاع. وتشهد الفصائل، ولا سيّما «حماس» و«الجهاد»، بأن الجهود الإيرانية عامة، وجهود سليماني خاصة، هي التي نقلت العمل العسكري ضدّ الاحتلال من مجموعات صغيرة إلى تنظيمات كبيرة تمتلك هيكليات وأجهزة ومعدّات متطورة، وصولاً إلى «أسلحة استراتيجية يخاف منها الاحتلال ويحسب لها ألف حساب في أيّ معركة».

سليماني نقل عمل المقاومة من مجموعات بدائية إلى الاحتراف


تقول مصادر عسكرية في غزة، لـ«الأخبار»، إن سليماني «صاحب فضل كبير في بناء القدرات العسكرية، بالإضافة إلى إمداد المقاومة بمختلف أنواع الأسلحة، بدءاً من النماذج الأولى لقاذفات الهاون التي كانت سبباً رئيساً في انسحاب جيش الاحتلال من غزة عام 2005، ولاحقاً نماذج متطورة من هذا السلاح استطاعت الصناعات العسكرية لدى المقاومة استنساخها محلياً، ما أدى خلال الحرب الأخيرة عام 2014 إلى هرب قرابة مليون مستوطن من غلاف غزة آخر أسبوعين» من الحرب. أما على صعيد الصواريخ، فشهد القطاع إمداداً وتطويراً للقدرات التي بدأت بإدخال «الكاتيوشا الصغيرة 107»، وصولاً إلى «فجر 5» وما يوازيه، والصواريخ الأخرى التي لم تعلنها المقاومة. كما أن الصواريخ الجديدة التي استُنسخت عن نماذج إيرانية، تقول المصادر إن سليماني أشرف بنفسه على نقل مخططاتها إلى غزة، كما كان حريصاً على فكرة أن تُصنع نسخ متعدّدة منها داخل القطاع بمَديات وقوى تفجيرية مختلفة.
لم تتوقف جهود سليماني عن إمداد غزة بالسلاح، بل يشهد أبرع المقاتلين الفلسطينيين على دوره في نقلهم من العمل العسكري البدائي إلى الاحتراف في مواجهة جيش العدو الذي يُعدّ الأكثر تطوراً في المنطقة، ولا سيّما «ردعه وجعله يفكر مئة مرة قبل التوغّل داخل غزة، وذلك كان بتدريب آلاف المقاتلين الفلسطينيين بأحدث الأساليب وعلى جميع أنواع السلاح الذي يمكن أن يُستخدم». وترى الفصائل أن أهمّ الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى اغتيال الشهيد هو علاقته بالمقاومة الفلسطينية ودعمها وتسليحها في الوقت الذي فُرض عليها فيه حصار دولي وعربي خانق، مستدلّة على ذلك بإقدام الاحتلال على اغتيال عدد من الشخصيات في محور المقاومة لهذا الدور تحديداً، وخاصة الذين عملوا مباشرة على كسر الحصار وإيصال السلاح طوال أكثر من عشرين عاماً مضت.