إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مستشاره للأمن القومي جون بولتون، مؤشر جديد على افتقاد إدارته استراتيجية واضحة على المستوى الدولي. هذه الإقالة، وهي الثالثة من نوعها لمسؤول في هذا المنصب منذ انتخاب ترامب، تؤكد أن اختيار بعض أعضاء الفريق الرئاسي الذين احتلّوا مناصب حساسة في المؤسسات الأميركية، كوزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، لم يكن محكوماً بوجود رؤية مشتركة للوضع الدولي وللسياسات الواجب اعتمادها بينهم وبين الرئيس.

تعليقاً على الاستقالة، رأى بول بيلار، الذي خدم لمدة 28 عاماً في الجيش ومن ثم في عدة أجهزة أمنية أميركية، في مقال نشره على موقع «لوبلوغ»، أنه «عندما تكون السياسة خاضعة لأولوية نيل رضى القاعدة الانتخابية الداخلية بدلاً من أن تكون ترجمة لرؤية واضحة حول موقع أميركا في العالم، لا يعود الانسجام في المواقف بين الرئيس والمرشح لاحتلال منصب في فريقه شرطاً أساسياً في عملية اختياره». التباينات والخلافات في توجهات ترامب وبولتون بالنسبة إلى السياسة الخارجية كانت كثيرة وغير خافية، وتتمحور بشكل رئيس حول مسألة اللجوء إلى الحرب لإنفاذ الأجندة السياسية الخارجية للولايات المتحدة. معارضة بقاء القوات الأميركية في مسارح الحروب البعيدة، كأفغانستان والعراق وحتى سوريا، وعدم التورط في حروب مديدة جديدة بذريعة نشر الديمقراطية والقضاء على الاستبداد، كانت من أبرز الشعارات السياسية التي رفعها ترامب خلال حملته الانتخابية وأسهمت في اجتذاب أصوات قطاعات لا يستهان بها من الناخبين الأميركيين؛ بينما بقي بولتون، الذي كان بين مهندسي غزو العراق سنة 2003 وداعياً لضرب إيران منذ ذلك التاريخ، من أنصار استخدام القوة العسكرية بشكل فوري وواسع النطاق ضد مجموعة من الدول والقوى المصنفة من قِبَله أنها معادية لهيمنة الولايات المتحدة وخطر على مصالحها ومصالح حلفائها. هذه الاختلافات المعروفة لم تمنع ترامب من تعيينه في منصبه في 22/03/2018، ولكن إخفاق السياسات التي أوصى بها في أكثر من ملف، وأقنع الرئيس الأميركي باعتمادها، في تحقيق أهدافها المعلنة، وتبعاتها السلبية المحتملة على فرص إعادة انتخابه لرئاسة ثانية عام 2020 حدت بالأخير إلى إقالته وإفقاد «حزب الحرب» أبرز أركانه.
قد يكون جهل دونالد ترامب المطبق بالسياسة الدولية وما تشهده من تحولات عميقة في موازين القوى بين لاعبيها، وطغيان الاعتبارات الانتخابية لديه على ما عداها من اعتبارات استراتيجية وسياسية، وكذلك تدخل شيلدون أدلسون، الملياردير الصهيوني وأحد أبرز مموّلي حملة ترامب وداعميه، لمصلحة بولتون، هي جميعها من بين العوامل التي أدت إلى تعيينه مستشاراً للأمن القومي. ترامب لم يكن قادراً على توقّع ما ستفضي إليه السياسات التي سينصح بها بولتون قبل وضعها موضع التنفيذ. كان المهم بالنسبة إليه هو انعكاس تعيينه لبولتون، والإعلان عن التوجهات «الصقورية» التي يعتزم اعتمادها، على صورته كرئيس قوي سيعيد الولايات المتحدة إلى «عظمتها». حرص في أكثر من مناسبة على تمييز نفسه عن مستشاره المتطرّف، لكنه كان سعيداً بأن يكون محاطاً بهذا النمط من المسؤولين. إذاعة «مونت كارلو» الدولية ذكرت أن ترامب كان يقدّم بولتون للزعماء الأجانب بالقول: «تعرفون جميعاً جون بولتون العظيم. سوف يقصفكم ويستولي على بلدانكم بالكامل». ربما ظن أيضاً أنه يستطيع استخدامه «فزاعة» للضغط على الخصوم والحلفاء، على حد سواء، لاستدراج تنازلات منهم لصالح الولايات المتحدة. غير أن تطبيق توصيات المستشار عملياً أوصل إلى مآلات لم يكن يرغب فيها الرئيس الأميركي.

يرغب ترامب في إضعاف إيران وإبقاء الضغوط عليها ولكن من دون التورط في حرب


في ملف إيران، مثلاً، تآمر بولتون مع مايك بومبيو، وزير الخارجية، لتقديم خطة «الضغوط القصوى»، المستلهَمة حسب مزاعمهم من استراتيجية إدارة ريغن ضد السوفيات، لحمل إيران على الاستسلام للشروط الأميركية، أو حتى، في أفضل السيناريوات بالنسبة إليهما، التسبب في انهيار نظامها الإسلامي، من دون الاضطرار إلى إطلاق طلقة نار واحدة. عُرضت الخطة على الرئيس على أنها بديل من الحرب. لكن تطبيقها من خلال فرض حصار خانق على طهران، والعمل على زعزعة استقرارها، والتموضع عسكرياً في منطقة الخليج، والموافقة على تصعيد وتوسيع إسرائيل لاعتداءاتها على سوريا والعراق ولبنان، أمور باتت تضع المنطقة اليوم على حافة حرب قد تنطلق نتيجة ضربة تقع في أيّ من ساحات الاشتباك المتعددة الحالية. ترامب، ومعه الدولة العميقة، وقسم من الإدارة، يريدون أن تؤدي «الضغوط القصوى» إلى تفاوض مع إيران على تنازلات من قِبَلها. أما «حزب الحرب» الأيديولوجي - العقائدي، ممثَّلاً ببولتون وبومبيو ونائب الرئيس مايك بنس، فهو يريد الحرب التي تفضي إلى تدمير مقدّرات إيران وبناها التحتية وتحوّلها إلى بلد منكوب. بولتون تحديداً يريد استكمال المهمة «التاريخية» عبر ضرب إيران، بعد تدمير العراق وليبيا وسوريا، خدمة لإسرائيل أولاً وأخيراً. ليست لديه حسابات انتخابية، ولا يعير الكثير من الاهتمام لطموحات ترامب إلى تجديد ولايته. هو بلا شك اعتبر وجود رئيس مغفّل فرصة تاريخية لمحاولة تنفيذ المهمة المشار إليها. الأمر نفسه ينطبق، بدرجة أو بأخرى، على بقية أعضاء «حزب الحرب» الإنجيليين الصهاينة، كبومبيو وبنس، لكن بولتون أكثرهم تشدداً.
صمود إيران في المواجهة، وحزمها في التصدي للاستفزازات الأميركية، أفهما ترامب أن المضي في الخطوات التصعيدية ضدها قد يعني في أي لحظة الانزلاق إلى الحرب. هو يرغب في إضعاف إيران وفي إبقاء الضغوط عليها لتذعن لمطالبه، ولكن من دون التورط في حرب جديدة ستكفي أكلافها لتبديد أحلامه بالفوز برئاسة ثانية. لا يتسق التورط في مثل هذه الحرب أيضاً مع أولويته المعلنة، وهي احتواء الصين ووقف صعودها. هو لم يتورع عن التصريح بأن «الله اختاره» لمحاربتها. لا يمكن محاربة قوة صاعدة فتيّة وحيوية، وخوض حروب قد تكون مروّعة على جبهات أخرى في الوقت عينه. الوضع نفسه ينطبق على مشاركة بولتون في تخريب محاولات التقارب مع روسيا. ترامب يسعى إلى التقارب معها لتحييدها على الأقلّ في مواجهته مع الصين، لكن التوصيات التي طرحها بولتون بالنسبة إلى الاتفاقيات والمعاهدات حول الأسلحة النووية والصواريخ المتوسطة المدى (وهو في ذلك يلتقي مع أقطاب في الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية كوزير الدفاع السابق جايمس ماتيس) نجمت عنها قرارات أميركية سعّرت سباق التسلح مع روسيا. كيف تنجح الولايات المتحدة في إبعاد روسيا عن الصين وتحييدها في سياق كهذا؟ لعب بولتون أيضاً دوراً تخريبياً بالنسبة إلى مفاوضات السلام في أفغانستان. الرجل لا يزال يعتقد بأن الولايات المتحدة «قوة خارقة» (Hyper Power)، وهو مفهوم روّجته وسائل الدعاية الأيديولوجية الأميركية لحمل الآخرين عبر العالم على التسليم الطوعي بهيمنتها، على الرغم من أن الوقائع في العقدين الأخيرين، وفي أنحاء الكوكب، أظهرت تراجعها المستمر. هذه الوقائع العنيدة وما تكشفه من تغييرات في موازين القوى هي التي حملت ترامب على التخلّص من مستشاره الواهم، على رغم علمه بأن الكثيرين في تل أبيب والرياض سيشعرون بلوعة الغياب.