بدا إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نجاح تجربة صاروخ «حيتس 3» الاعتراضي، في ولاية ألاسكا الأميركية، كما لو أنه احتفاء بما هو أكثر من إنجاز تكنولوجي ــــ عسكري، ينطوي على رسائل مدروسة في اتجاهات متعددة. نحو الداخل، تعمّد أن يبدو كمن يزفّ البشرى إلى الجمهور الإسرائيلي، حتى كاد يعلن العثور على السلاح «السري والخارق» الذي سيمنع تدمير إسرائيل، ويفكّ القيد الذي عطّل جزءاً مهماً من الدور الوظيفي للكيان. «التجربة تخطّت الخيال... التنفيذ كان مثالياً، وكل إصابة كانت في الصميم». مفردات ردع تخفي وراءها إقراراً بالمخاطر المحدقة بإسرائيل. ومن أجل اكتمال عناصر الإثارة، منعت الرقابة العسكرية نشر أي معطيات حول التجربة، في حظر لم يتم رفعه (بحسب المعلق السياسي في «القناة 13»، باراك رابيد) إلا في الوقت الذي كان فيه نتنياهو يكشف عن ذلك أمام الكاميرات، خلال جلسة الحكومة.

في الجلسة المذكورة، قال نتنياهو إن «حيتس 3 اعترض بنجاح تام صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية، وبارتفاع وسرعة لم نعرفهما حتى الآن»، مضيفاً أن «إسرائيل (باتت) تملك اليوم القدرة على العمل ضد صواريخ باليستية تُطلَق علينا من إيران... هذا إنجاز عظيم لأمن إسرائيل». حديثٌ يسلّط الضوء، مجدداً، على الحرب التكنولوجية بين إسرائيل وإيران، والتي سبق أن أعلن عنها بشكل صريح ومباشر رئيس الاستخبارات العسكرية «أمان»، اللواء هرتسي هليفي، في محاضرة مغلقة (تم الكشف عنها لاحقاً)، عندما كان لا يزال يتولى منصبه، حيث حذر من أن «الجمهورية الاسلامية تقلّص بسرعة التفوق النوعي (لإسرائيل)... مهندسونا يكافحون المهندسين الإيرانيين»، وأن «عدد الجامعات والطلاب في إيران تضاعف بأكثر من عشرين ضعفاً، منذ انتصار الثورة عام 1979». وحدّد هليفي مجالات هذه الحرب بين الطرفين بـ«الاستخبارات، والوسائل القتالية، والقدرات العسكرية» (هآرتس، باراك رابيد، 1/11/2015). وفي سياق الحرب التكنولوجية أيضاً، يأتي كذلك ما أعلنه رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، في أول جلسة لهيئة الأركان العامة للجيش، مطلع السنة الجارية، من أن «حزب الله يقلّص الفجوة النوعية مع الجيش الإسرائيلي، لأنه يواصل التطور واستغلال تفوقه النسبي في مجال التخفي». والجدير التذكير به، هنا، أن إيران تخوض هذه الحرب التكنولوجية في الوقت الذي تتعرّض فيه لحصار خانق، مع فارق إضافي يتصل بالظروف التاريخية والسياسية التي مرت بها، فيما تتمتع إسرائيل بتفوق علمي، ودعم استثنائي أميركي وغربي على المستويات كافة.

تأتي التجربة في سياق مساعٍ إسرائيلية ــ أميركية لبلورة استراتيجية مضادة


الدور الأميركي في هذه المحطة أجمله سفير واشنطن في تل أبيب، ديفيد فريدمان، بقوله: «نحن فخورون بشراكتنا مع إسرائيل في التمويل الذي منحناه، والخبرات التقنية التي أضفناها، وتنفيذ التجربة في مجالنا الجوي في سماء ألاسكا». وفي السياق نفسه، جاء ما نقله بيان وزارة الأمن الإسرائيلية عن رئيس الوكالة الأميركية للدفاع من الصواريخ، الأدميرال جول هيل، من «(أننا) ملزمون بمساعدة دولة إسرائيل وتطوير قدراتها القومية في الدفاع من الصواريخ، بهدف الدفاع عن نفسها وعن القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة من التهديدات المتعاظمة».
تأتي تجربة «حيتس 3» في سياق مساعٍ إسرائيلية ــــ أميركية لبلورة استراتيجية مضادة، بهدف تعزيز قوة الردع في مواجهة القوة الصاروخية التي تتمتع بها إيران ومحور المقاومة. وتكشف الشراكة العملياتية والتكنولوجية بين واشنطن وتل أبيب (إضافة إلى المناورات المشتركة في سياق مواجهة الصواريخ الباليستية) عن إدراك عميق لتراجع مكانة إسرائيل الاستراتيجية في مواجهة هذا المحور. كما أن ردّ فعل نتنياهو الاحتفائي يثبّت الهواجس التي كانت ولا تزال تسكن صانع القرار في تل أبيب، إزاء التهديد الذي تشكله صواريخ إيران ومحور المقاومة. ومن دون الانتقاص من أهمية الإنجازات التكنولوجية للكيان، إلا أن هذا الإعلان مشابه للكثير من المواقف التي امتدّت على أكثر من عقد، حول جاهزية إسرائيل التي تنكشف مردوعيتها في كل محطة اختبار.
كذلك، تأتي التجربة الصاروخية الأخيرة في إطار مساعي واشنطن وتل أبيب إلى تقليص مساحة المناورة أمام طهران وحلفائها، وتحديداً بعدما أدركتا أن كل الرسائل السابقة لم تنجح في ردع الجمهورية الإسلامية، وأن الأخيرة ماضية نحو المزيد من الخطوات المضادة على المستويين النووي والردعي. كما تكشف رسائل نتنياهو إدراكاً عميقاً في العاصمتين بأن أحد أهم عناصر قوة الردع الإيرانية، في مواجهة الضغوط القصوى، تكمن في القدرة على تهديد الأمن القومي لإسرائيل، وأن أطراف محور المقاومة ينطلقون في رسائلهم وخطواتهم من إدراك مسبق لحضور هذه المفاعيل في وعي الولايات المتحدة وإسرائيل وحساباتهما.
لم يخفِ نتنياهو أن أصل إعلانه عن التجربة هدَفَ الى توجيه رسالة ردع محددة في مواجهة إيران: «ليعلم جميع أعدائنا أننا نستطيع التغلب عليهم في الدفاع وفي الهجوم على حدّ سواء»، لكن أداءه المسرحي، وحصر الإعلان عنه بشخصه وأمام الكاميرات، أظهرا كما لو أن صاروخ «حيتس» كان مُوجّهاً بالدرجة الأولى نحو الداخل، وأن رسالته الرئيسة هي للجمهور الإسرائيلي بأن «إسرائيل لن تعود للعصر الحجري». رسالة تشي بأن مفاعيل مواقف أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، لا تزال حاضرة في خلفية هذا المشهد المغطى بالصوت والصورة.