بحضور الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، افتتحت موسكو، أمس، جسراً جديداً، يربط روسيا بشبه جزيرة القرم. عدا عن ضخامة حجمه، يحمل هذا الجسر رمزية سياسية عالية، فهو يهدف أساساً إلى الحدّ من عزلة شبه الجزيرة، بعد أربع سنوات من انضمامها إلى روسيا.

مرتدياً سروال جينز وسترة سوداء، قاد بوتين بنفسه شاحنة برتقالية على طول «جسر القرم»، عابراً خلال 16 دقيقة وعلى امتداد 19 كلم، من شبه جزيرة تامان جنوب روسيا إلى شبه جزيرة كيرتش في منطقة القرم.
في الطرف الآخر من الجسر في القرم، كان حشد صغير ينتظر الرئيس، حيث استقبله بتصفيق حار عند وصوله. خاطبهم بوتين بالقول إن «الناس كانوا في لحظات كثيرة من التاريخ، وحتى في أيام القيصر، يحلمون ببناء هذا الجسر. قاموا بمحاولات جديدة في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وأخيراً بفضل عملكم وموهبتكم، تحقق هذا المشروع، هذه المعجزة». أوضح الرئيس الروسي أن هذا اليوم هو «يوم استثنائي ويوم احتفال تاريخي» في روسيا.
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف رأى، بدوره، أن «كثراً لم يكونوا يؤمنون بإمكانية تحقيق مثل هذه الخطط، ومرة جديدة، أثبت بوتين أن حتى الخطط الأكثر طموحاً يمكن تحقيقها بقيادته».



هذا الجسر هو أطول الجسور في أوروبا اليوم، وأكثرها تطوراً. في السابق، عرقلت الظروف الطبيعية والحركة الزلزالية بناءه. أوّل من حاول تنفيذ هذا الجسر، كان القيصر نقولا الثاني، لكن وقوع الحرب العالمية الأولى عرقل الخطّة. خلال الحرب العالمية الثانية، أرادت ألمانيا النازية تشييد هذا الجسر، لكن الجيش الأحمر وقف بوجهها، ليبنيه ستالين عام 1944، لكنه انهار بعد ستة أشهرٍ فقط من افتتاحه وتكريم مهندسيه. أعيد طرح بناء الجسر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. حينها، باتت القرم تابعة لأوكرانيا، ليوقّع كلّ من موسكو وكييف في عام 2010 اتفاقاً للبدء بعمليات البناء. بعد عودة القرم إلى روسيا، شرعت موسكو بتنفيذ مشروعها الذي أطلقته بمرسوم حكومي وتستهلّ أعمال البناء في آذار 2015.

القرم تودّع العزلة
الآن بعد أكثر من مئة عام من المحاولات الفاشلة، يأتي افتتاح الجسر قبل 6 أشهر على الأقلّ من التاريخ الذي كان مقرراً لإنهائه. وفق مرسوم نُشر على موقع الحكومة، كان من المفترض أن تسلم شركة «سترويغازمونتاج» الجسر قبل كانون الأول 2018، لقاء كلفة حدد سقفها بـ228,3 مليار روبل (2,9 مليار يورو وفق سعر صرف الروبل في ذلك الوقت).
لكن بوتين طالب خلال زيارة في آذار، قبل أيام قليلة من إعادة انتخابه رئيساً، بإنجاز الجسر اعتباراً من أيار، «حتى يتمكن الناس من الاستفادة منه في فصل الصيف»، علماً بأن القرم وجهة شعبية يقصدها الروس لقضاء عطلة والاستمتاع بشواطئها على البحر الأسود وجبالها، ويشكل السياح أحد مصادر الدخل الرئيسية لشبه الجزيرة.
بوتين: «أخيراً بفضل عملكم وموهبتكم، تحقق هذا المشروع، هذه المعجزة»(أ ف ب )

الآن، بات بوسع السيارات والحافلات سلوك الجسر، أما القطارات، فلن تتمكن من عبور المضيق الواقع بين بحر أزوف والبحر الأسود إلا في نهاية 2019. يبلغ ارتفاع الجسر، الذي يمر بجزيرة توزلا، 35 متراً عند قوسه المركزي، وستكون السرعة القصوى المسموح بها عليه 120 كلم في الساعة، إذا لم تؤدِّ الظروف الجوية إلى إبطاء حركة السير عليه.

نهوض اقتصادي في روسيا

ارتفع النمو الاقتصادي في روسيا إلى 1,3 في المئة، خلال الفصل الأول من عام 2018، أي أكثر بقليل مما كانت تتوقعه الحكومة، وفق تقديرات أولية نشرتها وكالة الإحصاء الروسية، أمس. وكان البنك المركزي قد قدّر سابقاً نمواً فعلياً أعلى في الفصل الأول (1,5-1,8 في المئة)، مؤكداً أن مفعول مشاريع البنى التحتية الضخمة كتشييد «جسر القرم» وتكاليف استضافة كأس العالم، لن تحتسب في الإحصاءات إلا لاحقاً. في عام 2017، زاد إجمالي الناتج الداخلي في روسيا بـ1,5 في المئة بعد عامين من الانكماش. وبالنسبة إلى عام 2018، توقع صندوق النقد الدولي نمواً بـ1,7 في المئة. توقعت وزارة الاقتصاد 2,1 في المئة لهذا العام، لكنها حذرت من أنها ستراجع توقعاتها لتأخذ في الاعتبار وقع العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة، التي أدت إلى تراجع كبير للروبل.


سيسمح هذا الجسر بمزيدٍ من الانفتاح الجغرافي والاقتصادي للقرم، بعدما انضمت إلى موسكو في آذار 2014، الأمر الذي رفضته أوكرانيا التي تعتبر أن شبه الجزيرة لها، ما أدّى إلى فرض حصار على القرم، إضافةً إلى عقوبات غربية ضدّ روسيا. ذلك أدى إلى اعتماد شبه الجزيرة بشكلٍ أساسي على المواد الغذائية المستقدمة من روسيا بواسطة عبّارات، غير أن وسيلة النقل هذه تبقى رهن الظروف الجوية، ما يسبّب أحياناً انقطاعاً في المواد. تعتمد القرم أيضاً في إمداداتها على النقل الجوي، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار للمواد الشائعة الاستهلاك.

الغرب لم يتقبّل الجسر
أوكرانيا أوّل المنددين، فقد اتهم رئيس الوزراء الأوكراني، فولوديمير غرويسمان، روسيا بـ«انتهاك القانون الدولي» بافتتاحها الجسر، متوعداً موسكو بـ«دفع الثمن غالياً جداً». أما واشنطن، بعد إدانتها تدشين بوتين للجسر، فرأت أنه محاولة من روسيا لـ«ترسيخ الضم غير القانوني» لهذه المنطقة «التي تعد جزءاً من أوكرانيا». الاتحاد الأوروبي رفض ما عدّه «انتهاكاً جديداً لسيادة» أوكرانيا من قبل روسيا. كذلك، رأت فرنسا أن بناء الجسر «يُسهم في حرمان أوكرانيا الوصول إلى مياهها الإقليمية المعترف بها دولياً واستخدامها».
في خطوةٍ عُدَّت ردّاً على افتتاح الجسر، دهمت أوكرانيا مكاتب وسيلتي إعلام روسيتين هما تلفزيون «روسيا اليوم» ووكالة «ريا نوفوستي» في كييف. لم تربط السلطات الأوكرانية عمليتي الدهم بافتتاح الجسر، غير أن رئيسة تحرير «روسيا اليوم»، مارغاريتا سيمونيان، كتبت على موقع «تويتر» أن «كييف قررت الثأر منا بشأن جسر القرم».
أبدى «حلف شمال الأطلسي»، أيضاً، اعتراضه على افتتاح الجسر، ووصفه بأنه «انتهاك جديد» لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها. أضاف الحلف، في بيان، أن الجسر الذي يقيد حركة النقل البحري إلى المرافئ الأوكرانية على بحر أزوف، يرقى إلى «انتهاك حقوقها الملاحية في مياهها الإقليمية».