لم تهدأ حركة الأرتال العسكرية التركية في اتجاه ريفَي إدلب الجنوبي والغربي خلال اليومين الماضيين، في محاولة لتعزيز نقاط الانتشار قرب طريق حلب ــــ اللاذقية (M4)، والذي يُنتظر أن يكون وجهة مستقبلية لعمليات الجيش السوري، كما مناطق جبلَي الزاوية والأربعين جنوبه. وعلى رغم أن هذا الإجراء (التركي) لم يمنع الجيش سابقاً من السيطرة على كامل الطريق بين حلب وحماة (M5)، دفعت تركيا بمدرعات ودبابات، أمس، إلى مناطق لا تبعد أكثر من 8 كيلومترات عن خطوط التماس في غربي معرّة النعمان، وتحديداً إلى بلدة البارة. وقبيل وصول تلك التعزيزات وتمركزها في البلدة، استهدفت غارات جوية نفّذها سلاحا الجو السوري والروسي، محيطها، ما دفعها إلى الانسحاب شمالاً في اتجاه بلدة إحسم، في ريف إدلب الجنوبي. وبينما لم يعلن الجانب التركي وقوع إصابات في صفوف عسكريّيه جراء تلك الغارات، تناقلت أوساط معارضة أنباء عن إصابة عدد منهم بجروح.

وأتى هذا الاستهداف توازياً مع تسخين الجيش خطوطَ التماس في غربي معرّة النعمان، وتقدّمه أكثر نحو جبل الزاوية، في إشارة إلى الجهوزية لبدء «مرحلة جديدة» عنوانها تأمين ريف إدلب الجنوبي، وصولاً إلى طريق حلب ــــ اللاذقية، وإن كان جدولها الزمني لا يزال ــــ حتى الآن ــــ رهنَ عوامل عدّة. وهو رسالةٌ واضحة بأن محاولة الجانب التركي فرض «قيود مسبقة» على حراك الجيش الميداني لن تقابَل سوى بالنار، إلى حين ولادة «تفاهمات جديدة» بين موسكو وأنقرة، إن تمّت. وحتى مساء أمس، كان الجيش قد سيطر على قريتَي الشيخ دامس وحنتوتين، غربي معرّة النعمان وجنوبيّها، فيما خاض اشتباكات على محور بلدتَي النقير وركايا، جنوبي بلدة كفرسجنة، التي تتمركز فيها الفصائل المُدارة من أنقرة.

الكرملين: أنقرة لم تفِ بعد بشروط «اتفاق سوتشي»


وترافق الحراك الميداني مع ترحيب «فاتر» من الكرملين بالقمة الرباعية التي ينتظر أن تجمع زعماء روسيا وألمانيا وفرنسا وتركيا، لنقاش التطورات في إدلب، ومصير اتفاقات «خفض التصعيد» هناك. وعلى رغم أن الرئاسة الروسية أعطت ضوءاً أخضر للمشاركة في القمة، فقد تركت الاحتمالات مفتوحة حول موعدها ومكان انعقادها المفترضين. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن الرئيس فلاديمير بوتين «يؤيد انعقاد القمة... وإن كان في الإمكان ترتيب مواعيد الزعماء الأربعة، ستعقد بالتأكيد». ووفق ما نقلت تقارير إعلامية عن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الذي أعلن رسمياً عن القمة أول من أمس، فإن نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، اقترحا عقدها في إسطنبول، لكن بوتين «لم يحسم موقفه بعد» من هذا المقترح.
ويعكس المقترح الأوروبي رغبة في تصوير القمة على أنها «جولة ثانية» من «رباعية إسطنبول» (تشرين الأول 2018)، على رغم الاختلافات الواسعة في ظروف انعقادها؛ فالأولى جاءت لتبارك «اتفاق سوتشي» وتعوّم «مسار أستانا»، وحينها كان ماكرون وميركل متردّدَين في الحضور حرصاً على عدم تظهير القمة كأنها موجّهة ضدّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حين تظهر موسكو اليوم فتوراً تجاه حضور القمّة، ربطاً بمجريات الميدان. ولم تخف الرئاسة الروسية موقفها هذا، بل أكد بيسكوف في حديث صحافي أمس لقناة «روسيا 1» أن «أنقرة لم تفِ بعد بشروط اتفاق سوتشي... بما يتضمن ترسيم حدود المنطقة المنزوعة السلاح، وسحب السلاح الثقيل، وما إلى ذلك». وأشار إلى أن «هناك عيّنات خطيرة من المعدّات العسكرية تصل إلى أيديهم (المتشددون في إدلب)... وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تبقى الأعمال الهجومية للمتشددين بلا ردّ؛ فالجيش السوري في بلده وعلى أرضه، ردّ بشكل طبيعي». وبرغم ذلك، قال بيسكوف إن «الجيشَين الروسي والتركي يواصلان الاتصال، وإذا لزم الأمر، يتواصل الرئيسان»، معتبراً أنه «لا يجب رسم سيناريوات قاتمة لتأثير ما يجري على العلاقة الروسية ــــ التركية».