«قررت تأجيل سفري إلى بيروت بعدما تابعت الأخبار. ألغيت حجز الطيران بكل أسف، ريثما يتضح لي الوضع وما ستؤول إليه الأحداث في لبنان». بهذه الكلمات تحدث أحمد عن وضعه، بعدما قرر إلغاء رحلته التي خطط لها قبل أشهر عدّة للقاء عائلته. يوضح أحمد طباع، وهو سوري يقيم في مصر منذ سنوات، أنه خطط مع عائلته منذ أشهر للسفر إلى لبنان، هو من مصر، وعائلته من سوريا، في ما يشبه لقاء «لم شمل» مؤقت. لا يستطيع الشاب القدوم إلى سوريا، بسبب عدم التحاقه بالخدمة العسكرية الإلزاميّة، ولم يكن سفره من مصر متاحاً في ما مضى، بسبب مشكلات تتعلق بالإقامة. أخيراً، سُوّيت أوضاع الشاب، في مصر، قبل أن يتغيّر كل شيء. لا يعرف أحمد متى سيتمكن من تنفيذ المخطّط المعلّق، خاصة أن «المظاهرات لا تزال قائمة في لبنان، ولا أحد يعرف إلى أين قد تتجه الأمور». وهو يخشى على أفراد أسرته من «مواجهتهم أي مشكلة خلال طريق السفر، لاسيما بعدما كثرت الشائعات والأقاويل حول منع مرور السوريين أو التعرض لسياراتهم»، وهي إشاعات لم يتمكن من إثباتها أو نفيها نظراً لكثرة ما يتم تداوله.


بيروت ممرّ إجباري
أحمد، واحد من السوريين الذين وجدوا أنفسهم مهتمّين بشدّة بالاحتجاجات الشعبية التي يشهدها لبنان منذ أسبوعين. إذ تسمّر كثير منهم أمام الشاشات يتابعون بلهفة مجرى الأحداث، وتناقلوا العديد من الفيديوهات عبر «السوشال ميديا». لم تكن هذه المتابعة من باب الفضول وحده، أو الإعجاب فقط، بل تُضاف إلى ذلك «مراقبة الوضع»، فتحركات الكثيرين ومخططاتهم مرتبطة بما يجري في لبنان بشكل حرفي. تخبرنا ليلى، بأن الوضع الحالي في لبنان أقلقها كثيراً، وهي تخاف من تطوره باتجاه سلبي، خوفاً على مصير دولة جارة في الدرجة الأولى، وخوفاً على مشاريعها الشخصيّة. فالسيدة، مضطرة للسفر إلى بيروت في الأيام المقبلة، بناءً على موعد لها مع السفارة الألمانيّة، من أجل الالتحاق بزوجها. تؤكد ليلى أنها باتت في الفترة الأخيرة تتابع الأخبار بشكل يومي، رغم أنها قاطعتها منذ سنوات. حرصت السيدة على متابعة كثير من الصفحات عبر «فايسبوك»، لا سيما تلك المتخصصة برصد حركة الطريق بين دمشق وبيروت. توضح السيدة أن القائمين على بعض مكاتب الرحلات، أكدوا لها أن الطريق لم ينقطع بشكل نهائي، ومهما كان الوضع سيئاً فثمة طرق بديلة يمكن اللجوء لها. وهو أمر يؤيده سائق سيارة أجرة على خط دمشق ــ بيروت. يوضح الرجل أن «ظروف الطريق تتغير من يوم إلى آخر. أحياناً نضطر إلى التنقل طوال الوقت عبر طرق فرعية، وأحيانا نتنقل ما بين فرعية ورئيسة، لكن في النهاية ننجح في الوصول». ويؤكد أن «طريق المطار مفتوح».

مصائب قوم...
عبور السوريين بالاتجاه الآخر، من بيروت إلى الحدود السورية، يتطلب استخدام سيارة لبنانية يقودها سائق لبناني، يسهّل العبور من «الحواجز الشعبية» ويعرف مسالك الطرق الفرعية. كما أن معظم السيارات السورية العاملة على خط بيروت توقفت عن الدخول. يتطلب تأمين تلك السيارة وسائقها، دفع تكاليف عالية (وصلت إلى 200 دولار أميركي) للوصول بالمسافر إلى أحد المعابر الحدودية فقط؛ ليتابع بعدها رحلته بسيارة سورية ــ وفق تنسيق مسبق ــ يتقاضى سائقها قرابة 80 دولاراً أجرة الرحلة (من الحدود إلى اللاذقية، مثلاً)، فيما إذا كان المسافر يرغب في استقلال السيارة بمفرده (كانت الرحلة كاملة من بيروت إلى دمشق أو اللاذقية تكلّف المسافر بسيارة مشتركة نحو 27 دولاراً، وقرابة 100 دولار بسيارة خاصة).
العقبات المستجدة على الطرقات البريّة، دفعت الخطوط الجويّة إلى الدخول على الخط. فتحت شركة «أجنحة الشام» الخاصة الباب، وسارعت إلى تفعيل رحلات بين مطاري بيروت ودمشق، في الاتجاهين. ثم دخلت على الخط «السورية للطيران» الحكومية. غير أن التكلفة في نظر البعض مرتفعة، إذ يتجاوز ثمن التذكرة في اتجاه واحد حاجز المئة ألف ليرة سورية (150 دولاراً). ولا يعدّ هذا العائق الوحيد بين عدد من المسافرين، وبين اللجوء إلى خيار الطيران. ثمة عائق آخر، يواجهه سكان المناطق البعيدة عن دمشق. «لو اخترت السفر جوّاً، لكان عليّ الذهاب من مطار بيروت إلى مطار دمشق، ثم البحث عن وسيلة نقل للسفر من دمشق إلى اللاذقية»، يقول محمد. ما يعني، وفقاً للرجل، كلفة مالية إضافية، ما بين أجرة تاكسي إلى مطار بيروت، وأخرى من مطار دمشق إلى قلب العاصمة، ثم أجرة الطريق إلى اللاذقية. يُضاف إلى ذلك أن زمن الرحلة الإجمالي قد يتجاوز الثماني ساعات، ولن تكون الرحلة مريحة بطبيعة الحال.

وصلت كلفة استئجار سيارة من بيروت إلى الحدود إلى نحو 200 دولار


اختار محمد السفر براً، واستغرقت رحلته من بيروت إلى نقطة العريضة الحدودية قرابة 4 ساعات، نصفها تقريباً لقطع المسافة بين طرابلس والعريضة، عبر طرق جبلية وزراعية وعرة وموحشة. أبو محمود، وهو سائق لبناني تخصّص أخيراً في هذا النوع من الرحلات، يرفض تسمية الأمر استغلالاً. ويقول «نتقاضى أجرة تتناسب مع أجور النقل في لبنان، لسنا في سوريا. كما أننا نخاطر بأنفسنا وسياراتنا، لأنّ استغلال بعض الزعران للظروف العامة وارد، ما يجعلنا معرضين لمخاطر الاعتداء هنا أو هناك». يضحك أبو محمود وهو يوافق على أنّ العمل ازدهر في ظل الأزمة المستجدة. يقول «صرلو شهور الشغل سيء، بهالأسبوعين تغير الوضع كتير». يُعلق على استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بالقول «لنشوف، يمكن تتصلح الأمور بسبب استقالتو، وتخلص الأزمة، وساعتها بيوقف شغلنا».

برعاية «الموتسيك»!
قبل قرابة أسبوعين، وصل غيث إلى دمشق، قادماً من فرنسا عبر مطار بيروت. يخبرنا الشاب بأن سفره تزامن، لسوء حظه، مع إغلاق طريق المطار. يومها بقي غيث عالقاً في المطار ساعات طويلة، على أمل انفراج الوضع. بدأ السائقون يقدمون حلولاً واقتراحات، وانتشر الاضطراب بين الناس في المطار. وأمام طول الانتظار، قرر البعض المغادرة سيراً على الأقدام، وهو حل لم يكن يسيراً بالنسبة للكثيرين، خاصة من يحملون حقائب كثيرة، أو برفقتهم أطفال. في حين اختار آخرون الاستعانة بدراجات نارية في مقابل أجرة «تحولت إلى ما يشبه الاستغلال». أحد وجوه الصعوبة في هذا الحل، كان ركوب المسافر على دراجة، فيما حقائبه على دراجة أخرى، ما فتح الباب أيضاً أمام احتمال فقدان الكثيرين لأغراضهم. كان غيث واحداً ممن لجؤوا إلى حل الدراجات النارية، وبعد رحلة صعبة وصل إلى الحدود، ثم تمكن من الوصول بأمان إلى دمشق. اليوم، يشعر الشاب بالقلق من فكرة السفر مرة ثانية، ويخشى من تعرضه لموقف مشابه، وهو يفكر في السفر قبل يوم من موعد إقلاع طائرته، ولو كلّفه الأمر النوم في المطار.

«لا أمل في الاستقرار»
يعلّق علي (اسم مستعار)، وهو مهندس سوري، أنه باقٍ في لبنان بحكم الطرق المقطوعة، إذ أنه كان يفضل العودة المؤقتة إلى سوريا ريثما تستقر الحال. الموظف الوحيد الذي يلتحق بعمله كل يوم في إحدى الشركات الخاصة، بسبب قرب منزله من مقر عمله، ما يسمح بتسيير الأعمال جزئياً. مشهد إشكال البداوي في طرابلس، قبل أيام، أثار هواجسه، بشأن اجتياز الطريق البحري شمالاً للمضي إلى عائلته في الساحل السوري. يعلّق بيأس على ما يجري قائلاً: «عليّ اتخاذ قرار بشأن خطوة استبعدتُها طويلاً. سفر نهائي مع عائلتي الصغيرة بعيداً عن هذه المنطقة التي لا تهدأ». بحزن يقول الشاب الأربعيني: «لا أمل في الاستقرار في سوريا ولبنان. لست مستعداً للمراهنة على الزمن. لديّ أولاد. لو كنت بمفردي لأعود إلى سوريا وأزرع أرضنا وأعيش». ويضيف: «أنا مع أي حراك يقلب الطاولة على السلطة في هذا الشرق. إنما لستُ مع ما يترتب على ذلك من تحويل المنطقة إلى كرة من النار. لا أمل لهذه المنطقة».

قلق ماليّ
تغصّ العاصمة السورية بالسيارات اللبنانية بشكل مضاعف هذه الأيام. ومع تدقيق إضافي في الأمر، يتبيّن أن ذلك ليس بسبب حركة نزوح لبنانية إلى سوريا، بل تعود السيارات إلى سوريين مقيمين في لبنان، مضوا إلى بلادهم حتى تتبين وجهة سير الأمور في بلد الإقامة المؤقتة. يذكر مروان، تاجر خمسيني، أن الوضع في لبنان يُقلق السوريين المقيمين هُناك، أو أقله من لديه أرصدة مصرفية في أحد المصارف اللبنانية. وإذ منعت المصارف السوريين من فتح حسابات مصرفية، بحكم الحصار الأميركي على القطاع المصرفي في لبنان، فإن استثناءات للبعض سمحت بإيداعهم ودائع مالية بمبالغ كبيرة. يروي مروان، المقيم في لبنان، أن أحد المصارف سمح له بفتح حساب رغم الحصار، في حال كانت الوديعة تتجاوز 100 ألف دولار، وهو ما فعله. 300 ألف دولار قيمة المبلغ الذي أودعه مروان، ليكون لبنان ملاذه، إضافة إلى الكثير من الأثرياء السوريين، ممن لم يهاجروا إلى أوروبا وأميركا. قلق مروان لا يضاهى على ماله المودع في لبنان، مواصلاً صلواته كي لا يخسر مجدداً. من جهة أُخرى، فقد نما تخوّف لدى السوريين العاملين في المنشآت الخاصة وأصحاب المهن من عدم تحصيل راتب بداية الشهر. يذكر عادل، شاب عشريني، أن لا تحركات له في منطقة سكنه، أسوة برفاق السكن من سوريين آخرين، خشية حدوث أي إساءات متوقعة. لا يمكن لعادل أو أي من زملاء سكنه العودة إلى سوريا، باعتبار أن معظمهم لا يملكون تأجيلاً للخدمة الإلزامية، أو ينتظرون انتهاء مدة الاغتراب وتأمين المبلغ اللازم لدفع بدل الخدمة العسكرية. وهذا ما يُفضي، بحسب عادل، إلى ضرورة التفكير في وجهة نهائية نحو بلد أكثر أماناً واستقراراً.