تكاد تعجز عن العثور على ثلاثة أشخاص في أي شارع من شوارع سوريا يمكنهم أن يجيبوا عن السؤال التالي: «ما هو التأمين الصحي»؟ سوسن، التي تقطن في حي «المزة 86» العشوائي في دمشق، تقول «هي بطاقة للموظفين». أمّا ألين، وهي موظفة في شركة خاصة تعمل في النقل البري، في اللاذقية، فتقول ضاحكة «شغلي سجلني بالتأمين، وكل شي بعرفو إني بدفع عشرة بالمية من قيمة العلاج، وبيعطوني عشرين ألف إذا احتجت عملية... الحمد لله ما احتجت لسة». بينما تقول ربى الباشا، الموظفة في قطاع الاتصالات في دمشق، إنها تستفيد في بعض الأحيان من بطاقتها الخاصة بالتأمين الصحي، غير أن التأمين لا يشمل جميع احتياجاتها، ولا يغطي تكاليف علاج ولدها ذي العشر سنوات.

من كان يحتاج إلى التأمين؟
لا شك في أن انخفاض تكاليف العلاج قبل الحرب، إلى حدّ تقديم كثير من خدمات الطبابة في المشافي العامّة بشكل مجاني أو شبه مجاني، كان من أهم العوامل المؤثرة في عدم لجوء الفرد إلى تسليح نفسه بنظام «التأمين الصحي». وذلك بالرغم من أن هذا النظام دخل إلى البلاد عبر القطاع الخاص في العام 2006، أي قبل الحرب بخمس سنوات، حين كان سعر الدولار الواحد لا يتجاوز حاجز الـ 50 ليرة سورية، وكان دخل المواطن في ذلك الوقت يعدّ دخلاً جيداً وفقاً لمتطلباته الأساسية، والكمالية (خاصة قياساً بالوقت الراهن).

ثقافة غائبة
لا يعرف السواد الأعظم أن خدمة «التأمين الصحي» متوافرة في بلدهم للجميع. ويبدو جليّاً، أن أحد أهم أسباب غياب «ثقافة التأمين الصحي»، ضعف التوعية حوله. بالرغم من أن مصادر في قطاع «التأمين الصحي» تؤكد لـ«الأخبار» أن «هناك ندوات مختصة تقام للتوعية حول التأمين الصحي، وشرح آلياته ومزاياه، لكنها غالباً لا تلقى اهتماماً من المستهدفين، ويكون الحضور خجولاً فيها». ويمكن القول إن نسبة كبيرة من السوريين تظن أن هذه الخدمة مجرّد «امتياز من امتيازات الوظائف الحكوميّة». ليس هذا فحسب، بل هي «امتياز لا يقدم ولا يؤخر إذا ما تعرّض من يتمتع به لمشكلة صحية كبيرة، واضطر إلى دخول أحد المستشفيات وإجراء عملية مكلفة. فتأمينه الصحي لن يتكفل بكامل تكاليف العميلة»، وفقاً لما تقوله رغد، الطالبة في قسم علم الاجتماع. لا ينفي مسؤول في «التأمين الصحي» في دمشق صحة هذا التفصيل، لكنّه يوضح أن «التأمين الصحي للموظفين يغطي زيارات الأطباء والتحاليل والصور والأدوية، بما في ذلك ما يخص الأمراض المزمنة. كما يقدم سنوياً قرابة 500 ألف ليرة من كلفة العمليات الجراحية للموظف المتمتع بالتأمين». ويضيف «يُعدّ هذا المبلغ ضخماً في مقابل 250 ليرة يتم حسمها من راتب الموظف شهريّاً». لذلك، يرى المسؤول (الذي طلب عدم ذكر اسمه) أن «التأمين الصحي في سوريا يقدم عملاً أكثر من جيد للمشتركين فيه».

لا يلتزم القطاع الحكومي بتقديم خدمة «التأمين الصحي» لغير الموظفين


القطاع الخاص... والعقوبات
لا يلتزم القطاع الحكومي (المؤسسة العامة السوريّة للتأمين) بتقديم خدمة «التأمين الصحي» للمواطنين غير الموظفين. وتتولى هذه المهمة شركات التأمين الخاصة، التي تحدد «قيمة اشتراك الزبون» وفقاً لمعايير خاصة بها. يصطدم عمل هذه الشركات بضعف دخل الفرد المحتاج إليها بشكل فعلي، ما يدفعه إلى عدم القدرة على مجرد التفكير في طرق أبوابها. يشرح إداريّ في إحدى شركات التأمين الخاصة مفهوم التأمين؛ يقول لـ«الأخبار» إن «التأمين هو توزيع المخاطر». ويوضح أن «مبدأ التأمين الصحي يقوم على التعاون بين الأفراد، لتحمّل ما يعجز الفرد عن تحمّله وحده». لا ينكر الإداري أنّ «التعرفة» لا تتناسب غالباً مع مستوى دخل جميع الأفراد، ويقول إن «انخفاض عدد المشتركين يؤدي إلى ارتفاع التكلفة. كلما ازداد العدد انخفضت التعرفة». كذلك، يوضح المصدر أنّ «العقوبات على سوريا حالت دون إمكانية توزيع المخاطر مع الخارج، إذ انتفت إمكانية الحصول على إعادة تأمين كافية، وفق اتفاقيات تقيمها الشركات الخاصة مع شركات أجنبية من شأنها توزيع المخاطر في ما بينها». وبهذا المعنى، تغدو العقوبات سبباً «يحدّ من قدرة الشركات الخاصة على رفع قيمة تغطية التأمين الصحي للمشتركين لديها وخفض التكلفة عليهم».

تخلٍّ حكومي؟
يرى البعض أن «من المخجل أن تطلب من حكومة بلد لم ينفض بعد غبار الحرب، ويعاني ما يعانيه من أزمات سياسية، وعقوبات اقتصادية، أن تطبق نظام تأمين صحي شامل لجميع المواطنين». تقول ندى، وهي معلمة في إحدى المدارس الحكومية، إنه «يجب شكر الحكومة على ما تقدمه من تغطية، حتى ولو جزئية، لموظفيها، إضافة إلى استمرار تقديم الرعاية الصحية المجانية عبر المشافي العامة». لكن، ورغم أن المشافي العامة ما زالت تقدم خدماتها، فإنّ حال المرضى قد تغيّرت كثيراً، إذ لم تعد الظروف المادية تسمح دائماً بدفع «بخشيش» لأحد موظفي الكادر التمريضي (الذي أنهكته الأحوال المادية هو الآخر)، أو لمسؤول عن تحديد «الدور» لإجراء العمليات الجراحية. أو حتى دفع قيمة مراجعة طبيب في عيادته الخاصة، لنيل التوصية في المشفى الحكومي، لا سيما أن بعض الأطباء يفضّلون تحويل مرضاهم إلى مشافٍ خاصة تدفع لهم أجوراً أعلى من تلك التي يتقاضونها من المشافي الحكومية. في المقابل، تنتشر على صفحات مواقع «التواصل الاجتماعي»، باستمرار، صورٌ لمصابين ومرضى، مقرونةً بشروحاتٍ عن أوضاعهم الصحية والاقتصاديّة، وترافقها نداءات للتبرّع، والتكاتف بغية تحصيل ثمن هذا الدواء، أو تغطية كلفة تلك العمليّة الجراحيّة. لا شكّ في أنّ هذا النمط من التكاتف قد أفلح مرات كثيرة في تغطية الفجوات الناجمة عن غياب برامج التأمين الصحي عن حياة معظم السوريين. لكن، أليس من الممكن إضفاء صبغة احترافية على هذا التكاتف، بما يُجنّب محتاجيه الحرج المتولّد عن نشر صور بعضهم، وأسماء البعض الآخر؟ يقترح ناصر، وهو أحد متخرّجي كلية الاقتصاد «إنشاء صندوق ضمان صحي، يحوّل المشافي الحكومية إلى شبكة تخديمية بأقساط معقولة. يدفع جميع المواطنين لهذا الصندوق، الذي يتكفل لاحقاً بتقديم تكاليف العلاج».