يُسجل «الطب الشعبي» ازدهاراً لافتاً في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور. يعرف السكان هذا النوع من التداوي باسم «الطب العربي»، وهو حاضر تاريخياً في المنطقة الشرقية، ومحطّ ثقة كثير من أبنائها، إلى حد يفوق الطب الحديث المدرّس في الجامعات. وبرغم أن الاعتماد على «الطب العربي» كان قد انخفض قبل الحرب، فقد استعاد ألقه اليوم في ظل عدم استقرار القطاع الصحي هناك.

تعاني محافظة الرقة من سوء في الواقع الصحي، على الرغم من قيام «قوات سوريا الديموقراطية» بإعادة إعمار بعض النقاط الطبية، اعتماداً على منح تمويل أوروبية. أُعيد افتتاح «مشفى الرقة الوطني» قبل شهور، وتنتشر في المحافظة عيادات تخصصية خاصّة، لكنّ جزءاً من السكّان بات يفضّل الاستعانة بـ«الطب العربي» (الشعبي)، معلّلاً ذلك بأسباب مختلفة، من بينها «ضعف الثقة بالمواد الطبية الموجودة في الصيدليات»، بسبب جهالة مصدرها أو تاريخ صلاحيتها الأصلي، علاوة على ما يصفه بعض السكان بـ«تساهل الأطباء» في التعامل مع الحالات المرضية. في ظل هذه المعطيات، استعاد «الطب البديل» ألق حضوره في المحافظة، ليبدو الأمر أشبه بالعودة نحو خمسينيات القرن الماضي. ويمكن القول إن هذا الواقع ينسحب على كامل المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات، من ريف محافظة دير الزور، وريف الحسكة الجنوبي.

أم عبّود «طبيبة» النساء والرجال!
تمارس أم عبّود مهنة «الطب الشعبي». حوّلت المرأة الستينية إحدى غرف منزلها في مدينة «الطبقة» (ريف الرقة الجنوبي الغربي) إلى «عيادة» تقدم خدماتها «الطبية» للنساء. تؤكد أم عبود أنها «تعتمد على مواد طبيعية لتقديم العلاج». فهي تستخدم «طين البيلون»، لصناعة الجبائر، فيما تعتمد على «سكر النبات والصمغ»، لمعالجة أوجاع المعدة. وتعدّ الأمراض النسائية «الأكثر حساسية»، وتعتمد في معالجتها على «الأعشاب التي توفرها بيئة نهر الفرات». لا تجد أم عبود، ضيراً في معالجة الرجال الذين انقطعوا عن مراجعتها في زمن سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة. واضطرّت أم عبود إلى الالتزام بقوانين التنظيم المتطرف، التي تحرم على النساء تقديم أي خدمة طبية للرجال، والعكس بالعكس.

جبائر الطحين والبيض!
منذ شهور، أصيب خليل بـ«كسر مُركّب» في يده اليسرى. يقول الرجل إنه خضع لعدد كبير من العمليات الجراحية بغية استعادة يده التي «كانت مهددة بالإعاقة»، قبل أن ينصحه أحد أقاربه بزيارة أحد مزاولي مهنة «الطب العربي»، في منطقة «معدان» (ريف الرقة الجنوبي الشرقي). قام المُعالج بردّ عظام يد خليل إلى شكلها قبل الكسر. ثمّ أعدّ له جبيرة باستخدام قطعتين من الخشب، وكمية من الطحين المعجون مع البيض. طلب «الطبيب» من الرجل مراجعته بعد 32 يوماً، والرقم مختار على أساس عمر المصاب، إذ تُقابل كل سنة من عمر المصاب بيوم في عمر الجبيرة! يؤكد خليل أن يده «عادت طبيعية»، مع تحذير معالجه له من استخدامها لحمل أوزان ثقيلة، قبل أن يمر عام كامل على تعافيها، وهي «مدة كافية لعودة العظم إلى سابق عهده قبل الكسر» وفقاً لرأي «الطبيب» الشعبي.

كمّاشات وخلطات سرية!
يروي أيهم، المنحدر من مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي، معاناته مع التهاب ضرس العقل، في أيام كان الوصول فيها إلى طبيب أسنان مختص «مهمة شبه مستحيلة». لجأ الشاب إلى أحد مزاولي «الطب العربي»، ليسقيه شراباً مصنوعاً من الأعشاب التي تولّد حالة من التخدير، قبل أن يعقم بالنار إحدى «الكماشات» ويقوم باقتلاع الضرس الملتهب، من دون الحاجة إلى صورة شعاعية أو تخدير كيميائي. يؤكد أيهم أن «تكلفة هذا النوع من العلاج رخيصة مع المقارنة بالعيادات الطبية الموجودة في المحافظة»، وهو أمرٌ يشكل الدافع الأقوى لزيادة عدد السكان الباحثين عن محترفي «الطب العربي».

تُقابل كل سنة من عمر المصاب بيوم في عمر الجبيرة «العربية»!


خالد، الحاصل على إجازة في «الهندسة الزراعية»، يقول لـ«الأخبار»، إن والدته البالغة من العمر 80 عاماً «لم تحتج إلى أي خدمة علاجية قبل الحرب. لكنها، نتيجة فقدانها ثلاثة من أبنائها، دخلت في مسيرة الانهيار الصحي». ومع تعذر الحصول على خدمات علاجية في مشافي الرقة أو غيرها، لجأت أم خالد إلى «طبيب شعبي»، يقيم في مدينة سلوك، بريف الرقة الشمالي. شخّص «الطبيب» الحالة بـ«التهاب في الجهاز الهضمي»، وبفضل «مركب دوائي» أُعدّ باستخدام مجموعة من الأعشاب، تمكنت العجوز الثمانينية من استعادة صحتها نسبياً. لا يعدّ خالد هذا الخيار سليماً، لكنه يرى أنهم لم يكونوا يمتلكون خياراً آخر «في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المحافظة».

«أسرار الخالق»!
المسافات البعيدة ما بين القرى النائية، ومراكز المدن في محافظة الرقة، جعلت من «الطب العربي»، المقصد الأول لمن يصاب بلسعة عقرب أو لدغة أفعى. تروي مريم (25 عاماً) تجربتها مع واحدة من تلك الحالات. تشرح لـ«الأخبار» أنّ أفعى لدغتها أثناء عملها في أرض زراعية. تقول «نُقلت فوراً إلى منزل طبيب عربي اسمه: الشيخ أبو محمد». وتضيف «عقّم سكيناً حادةً بالنار، ثم شقّ مكان الإصابة، وبدأ بامتصاص الدم المسموم بعدما وضع في فمه بعضاً من اللبن، ثم غبت عن الوعي». استيقظت مريم في منزلها، ولم تكن تشعر بأي معاناة سوى «مكان الجرح الذي أحدثه الطبيب، وقد لفه بضماد من القماش الأبيض المصنوع من أكياس الطحين»، وفق ما تؤكده الفتاة.
يُعدّ «الكي»، أسرع الطرق العلاجية للجروح المتقيحة التي يخشى من إصابتها بالالتهاب التعفني المعروف باسم «غنغرينا/ غرغرينا». «الشيخ» أبو محمد، القاطن على مقربة من قرية المحمودلي، بريف الرقة الغربي، يؤكد لـ«الأخبار» أنه عالج أعداداً كبيرة من الناس الذين أصيبوا بجروح مختلفة بفعل المعارك التي شهدتها محافظة الرقة. يقول «أنا أعمل ما يلزم، والباقي على الله، فالشفاء منه، على الرغم من ثقتي الكبيرة بالعلاج الذي أقدمه». ويضيف «معظم الأشخاص الذين يأتون إليّ يحملون الأمراض نفسها، وتأثير الأعشاب أقوى وأسرع على الإنسان، لأن الله وضع أسراره فيها».