تغيّرت الأمور كثيراً في كازينو لبنان في العامين الماضيين: إنجازات عهد الرئيس ميشال سليمان تكاد لا تظهر إلا في صالات الروليت وفوقها. هنا ـــ والبعض يقول هنا فقط ـــ فرض الرئيس «وهرته» فاحتكر الأكل من قالب الحلوى الذي اعتاد رؤساء الجمهورية المتعاقبون إشراك كثيرين فيه. فمنذ أن «انتخب» حميد كريدي، المقرّب من الرئيس سليمان، رئيساً لمجلس إدارة الكازينو في تشرين الثاني 2009، يزداد نفوذ الرئيس ممثلاً بأحد صهريه وأحد شقيقيه حضوراً في الكازينو الذي كان يشكل منفذاً خدماتياً أساسياً لكل الطامحين إلى القيام بدور سياسي في كسروان. وخلافاً للعهود السابقة، تخرج الفضائح في عهد مدير «كمبينسكي غراند أوتيل» السويسري السابق إلى العلن دون أن يعيرها كريدي أي اهتمام. فمن طرد الموظف المتعاقد زيوس خوري من دون التفات إلى اعتصامات زملائه، إلى خلع «مجهول» صندوقاً تابعاً للعبة الروليت وسرقة محتوياته من الفيش التي تتجاوز 390 مليون ليرة وغيرها الكثير مما بات متداولاً، وصولاً إلى الملف الأخير المتعلق بموقف السيارات.

في عهد الرئيس سليمان (لم يتنبه لهذه النقطة معددو إنجازات الرئيس على موقعه الإلكتروني) بات هناك في الكازينو «فاليه باركينغ». كان الكازينو يبيع بطاقة الموقف بخمسة آلاف ليرة لبنانية، ورغم وجود نحو خمسين موظفاً في هذا المرفق العام مسجلين في خانة موظفي الموقف، تعاقدت إدارة الكازينو مع شركة خاصة ـــ يديرها أحد المقربين جداً من شقيق الرئيس ـــ لتسلم السيارات وركنها في الموقف. وأكد الاتفاق وجوب تسليم الشركة الخاصة كل الـ«tips» الذي يعطى لموظفيها إلى إدارة الكازينو. وفي المقابل، تحصل الشركة على نحو 40 ألف دولار شهرياً، علماً بأنها خصصت للمهمة المطلوبة نحو 30 شاباً، راتب الواحد منهم 22 دولاراً يومياً. وبالتالي تتقاضى الشركة من كازينو لبنان 40 ألف دولار شهرياً للقيام بعمل يكلفها نحو 17 ألف دولار شهرياً (30 موظفاً يتقاضون 22 دولاراً يومياً ويعملون 26 يوماً شهرياً). وبالتالي كان ربح الشركة ـــ التي يتشارك في إدارتها مقرب من أحد شقيقي الرئيس ومقرب آخر من أحد صهريه ـــ من الكازينو نحو 23 ألف دولار شهرياً، مع العلم بأن أرباح الكازينو السنوية من الموقف (بطاقة الخمسة آلاف وtips) لامست عامي 2009 و2010 المليوني دولار.
لكن «أثرياء السلم» لم يكتفوا بأبواب الهدر «الطبيعية» في الكازينو والمكانة السياسية في كسروان التي يوفرها لهم التوظيف في الكازينو. «استذوقوا». ومن دون مناقصة أو استدراج عروض، قرروا تلزيم شركة «المقربين» من شقيق الرئيس وصهره إدارة كل الأمور المتعلقة بإيقاف سيارات (دون صيانة الموقف طبعاً) زوار الكازينو مقابل مليوني دولار.
يستطيع حميد كريدي أن يطلب، على طريقة صديقه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إضاءة الشموع تقديراً لدوره في حماية واردات الخزينة وتعزيزها. فهو يرى أن الكازينو حقق بهذا التلزيم نصراً عظيماً. تخيلوا، يقول كريدي في مجالسه الخاصة، كان الكازينو في العامين الماضيين «يربح بفضل مواقف السيارات أقل بقليل من مليوني دولار، لكن الربح الصافي كان أقل من ذلك بكثير، نتيجة دفع الكازينو 480 ألف دولار سنوياً للشركة الخاصة (40 ألف دولار شهرياً) ونحو 480 ألف دولار أخرى للأشخاص الخمسين المسجلين كموظفين في موقف كازينو لبنان». وبالتالي، يردد كريدي بزهو أمام المقربين منه، فإن ربح الكازينو الصافي من مواقف السيارات في السنتين الماضيتين كان يقدر بنحو مليون دولار، أما اليوم فبفضل جهوده (كريدي طبعاً) ضمن الكازينو الحصول سنوياً على مليوني دولار.
تمهلوا بالتصفيق. هذا غير صحيح.
أولاً، لأن الكازينو مضطر أن يستمر في اقتطاع نحو 480 ألف دولار للموظفين الخمسين الذين يعملون بموجب عقود عمل واضحة في موقف سيارات الكازينو، إلا إذا كان كريدي ينوي طردهم. والسؤال الأساسي هنا: كيف يلجأ مرفق عام إلى الخصخصة قبل معالجة أوضاع الموظفين في هذا المرفق العام، إذ تحول هؤلاء رسمياً بعد توقيع العقد النهائي بين الكازينو والشركة الخاصة إلى عاطلين من العمل يتقاضون أجوراً من الدولة.
ثانياً، ارتفع بموجب العقد سعر بطاقة الموقف التي كان يبيعها الكازينو بخمسة آلاف ليرة إلى 7750 ليرة، مع العلم بأن الكازينو باع عام 2010 نحو 500 ألف بطاقة. وبالتالي لو أبقى الكازينو الاتفاق مع الشركة الخاصة كما كان قبل «استذواق» المقربين من الرئيس ـــ فرسان سلامة ـــ ورفع سعر البطاقة 2750 ليرة، لربح بفضل ذلك نحو 900 ألف دولار سنوياً (500 ألف بطاقة ضرب 2750 ليرة).
ثالثاً، كانت إدارة الكازينو توافق «على العمياني» تقريباً على المبالغ التي تقدمها الشركة الخاصة لها كمجموع الـ«tips» الذي حصده موظفوها. فتخيلوا أن بين المليوني دولار اللذين ربحهما الكازينو من موقف السيارات عام 2010 هناك نحو 360 ألف دولار فقط مجموع «tips». لا بدّ هنا من تركيز إضافي: باع هذا المرفق العام 500 ألف بطاقة «باركينغ»، وحصل على 360 ألف دولار «tips». أي أن 360 ألف سيارة دفعت دولاراً واحداً كـ«tips» وهناك 140 ألف سيارة لم تدفع «tips». الأكيد هنا أن إدارة الكازينو مقصّرة، فلو تشدّدت في جباية الـ«tips» من «الفاليه باركينغ» لضاعفت وارداتها من هذا القطاع.
يمكن المدير العام لكازينو لبنان الدفاع عن وجهة نظره في شأن عدم إجراء مناقصة أو استدراج عروض كما يحصل في المرافق العامة عادة وكما تفترض الشفافية، التي لا يفوّت الرئيس سليمان فرصة للحديث عنها، علماً بأن إحدى الشركات أكدت لـ«الأخبار» أنها كانت مستعدة أن تدفع للكازينو ثلاثة ملايين دولار سنوياً لو حصلت مناقصة قبل توقيع العقد الذي وقّعه مع الشركة المحظوظة. وبالتالي خسر الكازينو والخزينة مليون دولار «بفضل» العقد الأخير. ولا شك أن المناقصة كانت ستستدرج عروضاً أخرى قد يصل أحدها إلى حد دفع عشرة ملايين دولار بدل المليونين.
حين «انتخب» كريدي مديراً عاماً للكازينو وعد بإنجاح «هذه المؤسسة ذات الطابع التجاري الصرف». السؤال التجاري الصرف هنا هو: لماذا يدفع الكازينو لشركة خاصة أو يتعاقد مع شركة خاصة للـ«فاليه باركينغ» ويخصخص موقفه، فيما هو يدفع أجر خمسين موظفاً يفترض أنهم يعملون في موقف السيارات؟ لماذا يخصخص قطاع عام يربّح الدولة؟ ولماذا لم ينظّم المدير الذكي الـ«فاليه باركينغ» بنفسه ليربح الكازينو أكثر ما دامت العدّة والعديد موجودين؟