السنوار الرمز... والأسطورة
يوم الخميس، رأينا بطلاً يستشهد، ولم ندرك إن كان هو يحيى السنوار أم لا.
في اليوم التالي، أكدت حركة حماس أنه هو. ربما كنا نظن أو نعلم أنه هو ولكن المعلومة مهما بدت معقولة، لم تصبح حقيقة إلا حين أكدتها المقاومة.
ولكن في هذا اليوم من الشك، حيث كنا نعلم ولا ندرك، أو نعلم وننكر ما نعلمه إلى أن تؤكده المقاومة، وفي هذه اللحظة التي عوضنا بها ما في الفيديو من بطولة عن الحسرة التي أورثنا إياها إعلان العدو أنه قتل السنوار، تتجلى الملحمة. نرى الرجل وحيداً، ملثّماً، جريحاً، عليه آثار الحرق ورماده، قعيداً وقد تقطّعت يده، يقاوم حتى لحظة استشهاده (أو بالأحرى نراه حتى لحظة قضائه على المسيّرة الإسرائيلية التي تصوره؛ لم يسمح لهم حتى بالتقاط مشهد استشهاده). رأينا مشهداً ربما قرأنا مثله في السير والأساطير ولم نظن أننا سنراه رأي العين (كنت من الذين ظنوا لوهلة أن الفيديو مفبرك، إذ كيف يكون الواقع بهذه الأسطورية).
ربما كانت الملحمة في تلك اللحظة في ألّا نعرف يقيناً إن كان هذا هو يحيى السنوار أم لا، وأن يكون هو في الحالتين.
الملحمة هي أنه إن كان قسامياً عادياً فيمكن أن يكون يحيى السنوار وإن كان يحيى السنوار فيمكن أن يكون أياً من القساميين.
في هذه اللحظة اختار زعيم حركة حماس وقائد قطاع غزة أن يكون قسامياً عادياً. كان مثل أخيه نزار ريان الذي قرر أن يتدرج في كتائب القسام من بعد أن كان مسؤولاً في المكتب السياسي للحركة حتى نال الشهادة.
قادة المقاومة يقدمون لنا، يوماً بعد يوم، التجلي الحقيقي لمقولة «مقبلاً غير مدبر» التي تُقال في رثاء الشهداء وتعود إلى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم. بالذات من هؤلاء القادة من لهم موقع سياسي (مهم وخطير ولا ينفصل عن الميدان) خارج المعركة العسكرية، ولكنهم يقبلون، كل منهم بطريقته، على المعركة وعلى الاستشهاد.
في تراثنا العربي والإسلامي من استشهدوا ملثمين، ومن قتلوا غرباء، ومن لم يُعرفوا أو يعرف لهم قبر؛ من قطعت أشلاؤهم ومن دعوا الله أن يُقطّعوا في سبيله وأن يحشروا في حواصل الطير وبطون السباع (الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود استحضر بعض هذه الصور في قصيدته الشهيرة «سأحمل روحي على راحتي» قبل أن ينال الشهادة وهو يدافع عن قرية الشجرة في حرب 1948، ثم استحضر كثيرون قصيدته مع استشهاد السنوار الذي كان بالفعل مماتاً «يغيظ العدى»).
مشهد هذا الشهيد، القسامي العادي - يحيى السنوار، يذكرنا بكل هؤلاء، ثم يذكرنا في لثامه بالملثم الأشهر في زماننا أبي عبيدة وبكل المجاهدين الذين يتلثمون أو الذين تخفى وجوههم فكأنهم ملثمون في الفيديوهات التي تبثها المقاومة. حين يجيء أوان التأبين والتنظير سنتحدث عن المثال الذي قدموه لنا إذ تخطوا صورة الفرد، في الوقت نفسه الذي قدموا فيه لنا أسمى الصور للفرد البطل. يقول الله جل وعلا «إن إبراهيم كان أمّة»؛ وكذلك أبو إبراهيم السنوار أمّة، إذ يحضر في مشهد استشهاد هذا البطل ولو لم يكن هو، وإذ تحضر كتائب القسام والمجاهدين وأبطال الأمة عبر التاريخ والأجيال التي ستستلهم هذا المشهد والأمة جميعها ومستقبلها في مشهد استشهاده، ويحضر هو ليعطي مشهد الاستشهاد معنى من قبل أن ندرك أنه هو، وسيحضر منذ الآن مع كل المقاومين والشهداء. هو القائد الفرد، الفذ، ولكنه القائد العادي الذي ينصهر في لحظة معينة مع أي مجاهد آخر ويصبح هو هو. هو مثل أي مقاتل وليس كمثله أحد. هو الذي مات مجهولاً ليصبح معروفاً، وفنى في القضية ليصبح القضية، ملثّماً ليصبح وجهه وجهها، وتصبح هذه الشهادة، العلنية والسرية في آن، مصدر إلهام لأجيال من المجاهدين.
* باحث عربي
في اليوم التالي، أكدت حركة حماس أنه هو. ربما كنا نظن أو نعلم أنه هو ولكن المعلومة مهما بدت معقولة، لم تصبح حقيقة إلا حين أكدتها المقاومة.
ولكن في هذا اليوم من الشك، حيث كنا نعلم ولا ندرك، أو نعلم وننكر ما نعلمه إلى أن تؤكده المقاومة، وفي هذه اللحظة التي عوضنا بها ما في الفيديو من بطولة عن الحسرة التي أورثنا إياها إعلان العدو أنه قتل السنوار، تتجلى الملحمة. نرى الرجل وحيداً، ملثّماً، جريحاً، عليه آثار الحرق ورماده، قعيداً وقد تقطّعت يده، يقاوم حتى لحظة استشهاده (أو بالأحرى نراه حتى لحظة قضائه على المسيّرة الإسرائيلية التي تصوره؛ لم يسمح لهم حتى بالتقاط مشهد استشهاده). رأينا مشهداً ربما قرأنا مثله في السير والأساطير ولم نظن أننا سنراه رأي العين (كنت من الذين ظنوا لوهلة أن الفيديو مفبرك، إذ كيف يكون الواقع بهذه الأسطورية).
ربما كانت الملحمة في تلك اللحظة في ألّا نعرف يقيناً إن كان هذا هو يحيى السنوار أم لا، وأن يكون هو في الحالتين.
الملحمة هي أنه إن كان قسامياً عادياً فيمكن أن يكون يحيى السنوار وإن كان يحيى السنوار فيمكن أن يكون أياً من القساميين.
في هذه اللحظة اختار زعيم حركة حماس وقائد قطاع غزة أن يكون قسامياً عادياً. كان مثل أخيه نزار ريان الذي قرر أن يتدرج في كتائب القسام من بعد أن كان مسؤولاً في المكتب السياسي للحركة حتى نال الشهادة.
قادة المقاومة يقدمون لنا، يوماً بعد يوم، التجلي الحقيقي لمقولة «مقبلاً غير مدبر» التي تُقال في رثاء الشهداء وتعود إلى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم. بالذات من هؤلاء القادة من لهم موقع سياسي (مهم وخطير ولا ينفصل عن الميدان) خارج المعركة العسكرية، ولكنهم يقبلون، كل منهم بطريقته، على المعركة وعلى الاستشهاد.
في تراثنا العربي والإسلامي من استشهدوا ملثمين، ومن قتلوا غرباء، ومن لم يُعرفوا أو يعرف لهم قبر؛ من قطعت أشلاؤهم ومن دعوا الله أن يُقطّعوا في سبيله وأن يحشروا في حواصل الطير وبطون السباع (الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود استحضر بعض هذه الصور في قصيدته الشهيرة «سأحمل روحي على راحتي» قبل أن ينال الشهادة وهو يدافع عن قرية الشجرة في حرب 1948، ثم استحضر كثيرون قصيدته مع استشهاد السنوار الذي كان بالفعل مماتاً «يغيظ العدى»).
مشهد هذا الشهيد، القسامي العادي - يحيى السنوار، يذكرنا بكل هؤلاء، ثم يذكرنا في لثامه بالملثم الأشهر في زماننا أبي عبيدة وبكل المجاهدين الذين يتلثمون أو الذين تخفى وجوههم فكأنهم ملثمون في الفيديوهات التي تبثها المقاومة. حين يجيء أوان التأبين والتنظير سنتحدث عن المثال الذي قدموه لنا إذ تخطوا صورة الفرد، في الوقت نفسه الذي قدموا فيه لنا أسمى الصور للفرد البطل. يقول الله جل وعلا «إن إبراهيم كان أمّة»؛ وكذلك أبو إبراهيم السنوار أمّة، إذ يحضر في مشهد استشهاد هذا البطل ولو لم يكن هو، وإذ تحضر كتائب القسام والمجاهدين وأبطال الأمة عبر التاريخ والأجيال التي ستستلهم هذا المشهد والأمة جميعها ومستقبلها في مشهد استشهاده، ويحضر هو ليعطي مشهد الاستشهاد معنى من قبل أن ندرك أنه هو، وسيحضر منذ الآن مع كل المقاومين والشهداء. هو القائد الفرد، الفذ، ولكنه القائد العادي الذي ينصهر في لحظة معينة مع أي مجاهد آخر ويصبح هو هو. هو مثل أي مقاتل وليس كمثله أحد. هو الذي مات مجهولاً ليصبح معروفاً، وفنى في القضية ليصبح القضية، ملثّماً ليصبح وجهه وجهها، وتصبح هذه الشهادة، العلنية والسرية في آن، مصدر إلهام لأجيال من المجاهدين.
* باحث عربي