تظهر المقارنة بين الأرقام التي سجّلتها إحصاءات قوى الأمن الداخلي في الأشهر العشرين التي سبقت 17 تشرين الأول 2019 (كانون الثاني 2018 - بداية تشرين الأوّل 2019) والأشهر العشرين التي تلته (تشرين الأوّل 2019 - 31 أيّار 2021)، ارتفاع معدّل عمليات السرقة بنحو ضعفين. قبل الأزمة الاقتصادية سُجّلت 3647 حادثة سطو بينها 1132 سرقة سيارات و445 حادثة سلب، فيما زاد الرقم اليوم على 9000 حادثة سرقة وسلب (7831 حادثة سرقة و1195 حادثة سلب).

(الأخبار)()

الأمنيون المتابعون لهذه العمليات يؤكّدون تفعيل عصابات السرقة لأعمالها ودخول أفراد جدد على «المصلحة». ومع إدراكهم أنّه في كل فترة «يُفرّخ» سارقون جدد، لكن اللافت هو كثرة «الوجوه الجديدة» في هذه الفترة. ورغم تحوّل بعض العاطلين إلى هذا «الكار»، إلا أنه لا يزال حكراً على العصابات التقليديّة، كما يؤكد بعض رؤساء المخافر التي ترتفع فيها أعداد التبليغات عن حصول سرقات. ويلفت هؤلاء إلى أنّ السارقين الجُدد يتم توقيف غالبيتهم بعد «الضربة» الأولى التي غالباً ما تكون الأخيرة، بسبب عدم تمرّسهم، خصوصاً إذا ما كانوا يقومون بالسرقة بمبادرة فرديّة من دون انضمامهم إلى «ذوي الخبرة». أمّا الغلبة فهي للعصابات المكوّنة من أصحاب السوابق.

يقول الأمنيون المتابعون إن عمل هذه العصابات يزدهر في المناطق الشعبية، وإنّ 90 في المئة من السرقات لا يكون عشوائيّاً بل وفق تخطيط مع تحديد للهدف، من خلال معلومة أو عبر المراقبة التي تشمل القوى الأمنية لمعرفة أوقات دورياتها. واللافت، بعد الأزمة، ارتفاع نسبة سرقة منازل أفراد الطبقة الوسطى، باعتبار أن هؤلاء باتوا يخبئون أموالهم داخل منازلهم بدلاً من المصارف، ولا يملكون «أدوات الكشف والدفاع» كالكاميرات والحراس...
تتركّز الأهداف عموماً على المناطق السكنيّة التي ينعدم فيها الانتشار الأمني، وأماكن السهر كالمقاهي والمطاعم، والمصايف التي يتركها سكانها شتاء أو بقصدونها خلال عطلة نهاية الأسبوع. لذلك يبدو «منطقياً» ارتفاع نسبة سرقة المنازل إلى 1701 عملية في مقابل 448 عملية قبل 17 تشرين 2019. واللافت أنّ معظم هذه السرقات وقع داخل مناطق معروفة بكثافتها السكانية كحلبا التي سُجّلت فيها 230 حادثة، تليها الجديدة (159) وبيت الدين (151) وبعلبك (141) وجونية (130) وصيدا (115) وصور (109).
زاد بعد الأزمة استهداف أفراد الطبقة الوسطى الذين يحتفظون بأموالهم في منازلهم


بحسب ملاحظات المتابعين، فإن المنازل - الأهداف يتم اختيارها غالباً بحسب سهولة الدخول إليها، وتحديداً تلك الواقعة في الطبقات السفليّة. أمّا الطوابق الأعلى، فعادةً ما يدخلها سارقون على معرفة بأصحاب المنازل، كالأقارب والأصدقاء والعاملين فيها.
يقسّم الأمنيون عصابات السرقة بين من «يتخصص» في سرقة المنازل بعد خروج سكانها من دون أي نية لإراقة الدماء، وعصابات امتهنت السلب بقوة السلاح. ويلفتون إلى أنه قبل عامين، كان السارقون الذين ينتهجون السلب قلّة (حالة واحدة في الأشهر العشرين التي سبقت 17 تشرين)، فيما بلغ عدد هذا النوع من العمليات بعد الأزمة إلى 25 بزيادة نسبتها 2400%.


ليست المنازل وحدها ما يستهوي عصابات السلب. فقد زاد عدد هذه العمليات من 446 إلى 1223، وكان ضحاياها بغالبيّتهم من المارة، فقد تعرّض 793 شخصاً للسلب، إضافة إلى 165 سيارة و139 دراجة ناريّة و48 مؤسسة. وبعد أزمة الدواء، دخلت الصيدليات ضمن الأهداف «الجديدة». فتعرضت 28 صيدليّة للسلب بقوة السلاح بزيادة نسبتها 367%بعدما كان يُسجّل 6 حوادث كلّ عامين.
ارتفاع حوادث السلب يعزوه الأمنيون إلى التفلّت الأمني. إذ أصبح السارقون يجرؤون على حمل أسلحتهم حتّى في وضح النهار. ويضيفون عليها أزمة المصارف ممّا جعل كثيرين يحتفظون بأموالهم داخل منازلهم.

في المقابل، تختلف أساليب العصابات في سرقة المؤسسات، خصوصاً أنّ الأمر يحتاج إلى تخطيطٍ وتنفيذ دقيقَين. وقد تم تسجيل 828 حادثة سرقة وسلب بعدما كانت هذه الحوادث لا تتجاوز الـ379، بنسبة 118 في المئة، ووقعت غالبيّتها في الجديدة (109 مؤسسات) وحلبا (90) وصيدا (82). وبحسب المصادر الأمنية فإن غالبية سارقي المؤسسات يكونون على معرفة بأصحابها ومداخيلهم، كما حدث في منطفة المتن قبل أيام عندما سطا عدد من الأشخاص على مؤسسة يعملون لديها.







«نباريش، كابلات، بطاريات... للسرقة»


وجدت عصابات السرقة أسواقاً جديدة لسرقاتها. بيع النحاس والحديد مثلاً لم يكن رائجاً منذ سنوات، أما اليوم فإن طالبي هذا النوع من المعادن يدفعون بالدولار. هكذا صار السارقون، بكل بساطة، يقومون بفك الأسلاك الكهربائية وأغطية الريغارات والبطاريات وغيرها!
وعلى قاعدة اللصوص أن لا شيء ليس له قيمة في السرقة، يتحدّث رؤساء المخافر والفصائل عن سرقات لا تخطر على البال. إذ لم يسبق أن تم التبليغ مثلاً عن سرقة أسلاك هاتفية ونباريش مياه مثبتة داخل الأراضي الزراعية وأسلاك معدنية لتسييج هذه الأراضي وموتيرات المياه (الغطاس). كما يقدم البعض على فك قطع من أدوات كهربائية يسهل الوصول إليها، كـ«كومبرسور» المكيف الذي يوضع خارج المنزل!
قبل 17 تشرين، مثلاً، لم تكن يتعدّ عدد عمليات سرقة الأسلاك الكهربائية الـ 214 ليصل اليوم إلى 710، بزيادة نسبتها 232 في المئة، وكانت النسبة الأكبر في حلبا حيث تم التبليغ عن 201 حالات سرقة للأسلاك. فيما سجّلت 1512 حادثة سرقة لأشياء أخرى كأغطية الريغارات، البطاريات، الخردة والحديد... غالبيتها في حلبا (207)، تلتها الجديدة وصيدا (أكثر من 176 حادثة مشابهة). ويلفت الأمنيون إلى أن غالبية سارقي هذه المعدات وقعوا في يد الأجهزة الأمنية، بسبب سهولة ملاحقة المبيعات في أسواق الخردة.


السارقون من «بلاد المنشأ»!
إذا كانت القوى الأمنية تعمل على ملاحقة عصابات السرقة والنشل، فإنّ هذا الأمر لا يغير كثيراً من واقع ارتفاع أعداد هذه الحوادث، خصوصاً أنّ اللافت هو عدم ارتفاع نسبة التوقيف بعد 17 تشرين 2019 أكثر من 3 في المئة. وعليه، تمّ توقيف 5629 موقوفاً بحوادث سرقة، و549 بحوادث سرقة سيارات، و432 بالسلب، و115 بالنشل.
وعلى عكس ما يتم ترويجه، فإن غالبية الموقوفين من اللبنانيين (3516 لبنانياً مقابل و2228 سورياً) وتتراوح أعمارهم بين 18 و40 سنة. وكان لافتاً انخفاض أعداد موقوفي جرائم القتل وتعاطي المخدرات وحيازتها والترويج لها والاتجار بها في كافة المناطق.


السيارات «اللقمة الأسهل»... والمجد لكوريا!
سجلت عمليات سرقة السيارات النسبة الأعلى بين السرقات قبل 17 تشرين الأوّل 2019، وبعد الأزمة الاقتصادية ارتفعت بنسبة 99 في المئة من 1132 حادثة الى 2257، غالبيتها في قضاء جبل لبنان (1019 حالة).
وتعدّ سرقة السيارات الأسهل والأكثر ربحاً. بـ«كزدورة» واحدة يُمكن للسارق أن ينتقي هدفه، ليعود ليلاً، تحديداً بين الثالثة والرابعة فجراً مع أحد زملائه على متن دراجة نارية أو سيارة لسرقة السيارة المستهدفة من خلال فتح الباب الأمامي بمفتاحٍ مصطنع أو خلعه أو كسر زجاج النافذة. بعدها يفك السارق «التابلو» ويوصل الأسلاك الكهربائية لتشغيل المحرك ويفرّ بغنيمته في أقل من 10 دقائق. ويُصعب غالباً التعرّف إلى السارقين بسبب تنقلهم (قبل السرقة) بدراجة أو سيارة ذات لوحات مزوّرة، كما تُساعدهم الكمامات الطبية على إخفاء ملامحهم إذا ما ظهروا في كاميرات المراقبة. بطبيعة الحال، فإن غالبية السارقين من الذكور، لكن يلاحظ الأمنيون في الآونة الأخيرة دخول نساء إلى «الكار». وقد أوقفت إحداهن، وهي لبنانية، أوقفت قبل أسابيع بعد سرقة سيارة في محيط الجديْدة بـ«إيد خفيفة»، إذ لم تحتج إلى أكثر من دقائق لفتح الباب ووصل الأسلاك الكهربائية.
بعد نجاح العمليّة يسلّم السارق «البضاعة» إلى رأس العصابة لفكّها أو تهريبها إلى سوريا. ويؤكد أمنيون أنّ غالبيّة السارقين الذين يعملون على الأرض حالياً هم سوريون يتلقّون حوالي مليوني ليرة مقابل كلّ سيارة، يتم تسليمها غالباً إلى لبنانيين يهرّبونها إلى سوريا مقابل حوالي 10 ملايين ليرة. ولأنّ بعض السيارات المسروقة يجري ضيطها قبل حاجز ضهر البيدر، تنشط العصابات بشكل أكبر في المناطق التي يُمكن منها النفاذ إلى البقاع ومنه إلى سوريا، وهذا يفسّر مثلاً حصول أكبر عدد من عمليات سرقة السيارات في أميون (351 سيارة) وزحلة (310) وأكثر من 200 سيارة في كل من طرابلس وجونية وبعلبك. وسُجلت أعلى زيادة نسبة سرقة سيارات مقارنةً مع السنوات الماضية في أميون (410%) وتعدّت الزيادة في بيروت وعاليه وجب جنين وزغرتا والضاحية والجديدة 115%.
اللافت أنه ليست كلّ السيارات مرغوبة لدى عصابات السرقة. فقد «نسي» الأمنيون، تقريباً، متى كانت آخر مرة تلقوا فيها شكوى عن سرقة سيارة «مرسيدس» أو «بي. أم. دبليو»، فيما يتركّز «الطلب» على السيارات الكورية. فأكثر السيارات المسروقة كانت من نوع «كيا» يليها «هيونداي». وفي الأرقام، سُرقت 276 سيارة من نوع «كيا ريو»، و253 سيارة «هيونداي تاكسون»، و156 «كيا سيراتو»، و148 «كيا بيكانتو». وبعدما كان التركيز سابقاً على سيارات «هيونداي» زادت عمليّات سرقة «كيا بيكانتو» في الآونة الأخيرة بمعدّل 1433% و«كيا سيراتو» بمعدّل 818%. وتظهر الأرقام أنّ عصابات السرقة التي تنشط في الجديدة وجونية وزحلة وطرابلس وعاليه تهتم بسيارات «كيا ريو» و«كيا سيراتو» و«هيونداي تاكسون»، فيما يهتم «زملاؤهم» في زحلة بـ«كيا بيكانتو». ويُعزى التركيز على هذين الطرازين إلى سهولة تشغيلهما مقارنةً مع السيارات الأخرى، وغير مجهّزين بأجهزة الحماية كما في السيارات الأعلى ثمناً، والأهم إلى كون الطلب كبيراً عليهما في سوريا.



مناطق تجذب العصابات
نشطت حوادث السرقة في بعض المناطق بشكلٍ لافت، كما في أميون حيث زادت بنسبة 992% وفي جب جنين (872%). أما بالأرقام، فإنّ أكثر حوادث السرقة سجّلت في حلبا (من 295 إلى 782)، والجديدة (من 360 إلى 675)، ثم صيدا وجونية وبيت الدين (أكثر من 400 في كل منها). ولا يملك الأمنيون العاملون في هذه المناطق أسباباً محددة لارتفاع عمليات السرقة فيها. بالنسبة اليهم، فإنّ غالبية العصابات تكون عادة من خارج هذه المناطق التي تجد فيها «مناطق آمنة» بسبب الكثافة السكانية، أو بسبب اختيار «الأشخاص المرتاحين» الذين يسكنون في محيط محدد، أو حتى داخل المناطق ذات المساحات الكبيرة التي تسهل فيها عمليات الهروب كالجديْدة مثلاً التي تتعدد فيها المخارج: بعبدا وصولاً إلى الحازمية، عين سعادة وصولاً إلى البقاع، الكرنتينا وصولاً إلى بيروت، سن الفيل وصولاً إلى الضاحية، وجونية وصولاً إلى المتن...


«الموتسيكات» أولاً
أعلى نسبة سرقات سجّل في عمليات سرقة الدراجات النارية التي زادت بنسبة 1520%. إذ أحصت قوى الأمن 32 حادثة سرقة لدراجات ناريّة قبل 17 تشرين، لترتفع بعده إلى 518 حادثة معظمها في العاصمة (196) والجديدة (113 حادثة). علماً أنّ كثيرين من أصحاب الدراجات الناريّة المسروقة لا يبلّغون عادةً عن سرقة دراجاتهم لعدم امتلاكهم أوراقاً قانونية للتسجيل، ممّا يعني أن الأرقام الحقيقية أعلى من تلك المسجلة.
وتعد عمليات سرقة الدراجات النارية سهلة في التنفيذ والتسويق، إذ يمكن بيعها في المدينة (في الضواحي والمخيمات) والقرى من دون أوراق قانونية واستخدامها من دون تسجيل بشكلٍ طبيعي، على اعتبار أن القوى الأمنية لا تقيم حواجز داخل القرى، على غرار بيروت، للتأكد من تسجيل الدراجات بشكل قانوني. ولذلك، فإن كلّ من يشتري دراجة يعمد إلى سؤال البائع: «الموتسيك قانوني أو مضروب»!


النشالون: ما لي شغل بالسوق
مع ارتفاع أعداد عمليات السرقة، تراجعت حوادث النشل 13% من 971 إلى 845 حالة، غالبيّتها في بيروت. أما أبرز أنواع النشل فكانت نشل الحقائب والمحفظات والهواتف والمصاغ الذهبي. ويعزو الأمنيون التراجع إلى أن النشالين صاروا يتوجّهون إلى السرقة لأنّ النشل لم يعد «محرزاً»، على اعتبار أنّ المارين صاروا يأخذون احتياطاتهم. فقلّة مثلاً من النساء يخرجن بمصاغهن الذهبي بعد الأزمة، إضافة إلى انتشار «كورونا» الذي قلّل من التجمعات في الأسواق حيث تنشط عصابات النشل.


«الحرامي أهُو»
مع تفاقم الأزمة المعيشية وانقطاع الكهرباء عن بعض المناطق ليلاً، نشطت عصابات السرقة في ظل عدم قدرة قوى الأمن الداخلي على تسيير الدوريات بسبب قلة عديدها وأزمة البنزين، إضافة إلى انعدام قدرة أفراد شرطة البلديّة على متابعة الأمر خصوصاً في المناطق ذات المساحة الكبيرة والكثافة السكانية. لذلك، لجأ بعض أبناء هذه القرى إلى إقامة حراسة ليلية بالمداورة بينهم لمنع حوادث السرقة وتوقيف السارقين. حالة «الأمن الذاتي» هذه كانت برعايةٍ من البلديات وحتّى القوى الأمنيّة، فصار بعض الشبان يقيمون حواجز داخل مناطقهم وإجراء التحقيقات مع «الغرباء»، وحتّى توقيف السارقين وضربهم. هذا ما جرى في إحدى القرى التي انتشر فيها فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً لشبانٍ يتحلّقون حول سارق ويغنّون له: «الحرامي أَهُو.. هُو»، قبل أن يتم تسليمه إلى مخفر البلدة.