كان يمكن أن يكون أمس يوماً مأسوياً مع إعلان معظم المستشفيات عن خلوّها من الأوكسيجين، إلا أن استجابة الدولة السورية لمطلب وزارة الصحة العامة بتأمين دفعة من تلك المادة حال دون الوصول إلى المجهول الذي لن تحمد عقباه. فقبل ساعاتٍ من وقوع الكارثة، أعلن وزير الصحة العامة حمد حسن من العاصمة السورية دمشق، عن وصول دفعة من 75 طناً من الأوكسيجين «ستقسّم على ثلاثة أيامٍ بمعدل 25 طناً باليوم، ريثما تصل الإمدادات».

هذه المرة، استطاعت وزارة الصحة أن تستدرك الكارثة التي كانت ستحلّ بألف مريضٍ يقبعون اليوم في غرف العنايات الفائقة، لكن «مش كل مرّة بتسلم الجرّة»، ولن يكون ثمة شحنات عند كل مطبّ من «الأشقاء»، فلئن كانت سوريا حاضرة هذه المرة، إلا أنها قد لا تكون كذلك في المرة التالية، مع خطر ارتفاع أعداد الحالات الحرجة المصابة بالفيروس التي تسجل اليوم في كل الدول، وليس في لبنان وحده.
أمس، كان لبنان على عتبة كارثة حقيقية كانت ستتسبب في موت محقّق لمن يعيشون اليوم على أجهزة التنفس. وهو، للمناسبة، موت عن قصد، سببه التسيّب في الدولة التي تلهّت عن دعم المواد الأساسية والضرورية، كالأوكسيجين، مقابل دعم الكماليات، من دون أن يتطرق أحد إلى إعداد خطة وطنية تجيب عن السؤال الآتي: ماذا لو انقطع الأوكسيجين؟ وكيف من الممكن تأمينه، فيما لو أصاب عطب ما إحدى الشركتين الأساسيتين اللتين تزودان المستشفيات بالأوكسيجن؟ لا أحد سأل هذا السؤال، إلى أن حصل ما كان في الحسبان. فخلال الأيام الماضية، لم تستطع إحدى هاتين الشركتين ــــ التي تعتمد بشكلٍ أساسي على إنتاج معاملها في سوريا (منطقة درعا) ــــ الالتزام بالكميات التي كانت تسلّمها للشركات والمستشفيات، بسبب زيادة الطلب على الأوكسيجين في سوريا. وزاد الأمر سوءاً مع صدور قرار وزارة الصحة السورية بمنع تصدير الأوكسيجين لكونه مادة حيوية في مواجهة فيروس كورونا، وخصوصاً مع اتخاذ دول أخرى القرار نفسه، ومنها الأردن والكويت والسعودية وغيرها. وبعض هذه الدول كانت تستورد أيضاً من سوريا. وهذا ما أدى إلى حدوث أزمة، وخصوصاً في ظل عدم قدرة الشركة المتبقية على تليية حاجة السوق بأكمله. وفي هذا الإطار، يشير خالد شهاب، من شركة شهاب المنتجة للأوكسيجين، إلى أن «إنتاج الشركة يكفي لتزويد المستشفيات التي تتعاقد معنا»، لافتاً إلى أن «الإنتاج اليومي هو 70 طناً تستهلكه تلك المستشفيات». اليوم، يفترض أن تقوم شركة شهاب بسدّ النقص من خلال العمل «على تقسيم الكميات على المستشفيات كي لا تنقطع تلك المادة، استناداً إلى خطة الطوارئ التي وضعها وزير الصحة العامة». وفي المقابل، أشار شهاب إلى أنه «يجري العمل مع الوزارة في إطار الخطة الطارئة على تأمين المادة من بلدان أخرى، ومنها تركيا».

كان الرهان دائماً على «الجار الأقرب»، سوريا، لتلبية الحاجة إلى نحو 1500 طن شهرياً


لكن، في ظل هذا الرعب اليومي، لا تفعل هذه الشحنات سوى أنها تأتي في إطار «تسكير حاجة». لا أكثر من ذلك. المشكلة مع الأوكسيجين ليست عابرة. فإن كان لا بد من الحديث بالأرقام، كان لبنان يحتاج إلى ما معدّله 1000 طنٍ للمستشفيات شهرياً، وهي تماماً الكميات التي تنتجها البلاد محلياً. أما مع أزمة كورونا، فلم يعد هذا الإنتاج يفي بالحاجة المطلوبة، مع الحاجة إلى 2500 طن و3 آلاف في كثير من الأحيان شهرياً، لذلك كان الرهان دائماً على «الجار الأقرب»، سوريا، لتلبية الحاجة إلى الفارق بحدود 1500 طن شهرياً. لكن، ما حصل في الأيام الماضية عرّى الدولة الفاشلة المتّكلة على القطاع الخاص في كل شيء. حسابات بسيطة قد تقتل «كشقلبة البحر في مثل هذه الأيام التي حالت دون وصول البواخر أو قرار كهذا الذي أصدرته الدول المجاورة بمنع التصدير». لكن، كل تلك الحسابات لم تأخذها الدولة بالحسبان، وهو العار بذاته، على ما يقول العارفون بهذا الملف. العار الأكبر، بنظر هؤلاء، أن يكون الأوكسيجين الطبي غير خاضع للدعم، فيما تُخضع للدعم «الكافي ميت وزبدة الفول السوداني (...)». يحدث ذلك فيما مبلغ الدعم المفترض للأوكسيجين لا يتعدى المليون ونصف مليون دولار أميركي شهرياً: «فينا نقول قد دعم 50 أو 60 بقرة»! فهل تدفع هذه الخضّة الدولة السائبة إلى استدراك الكارثة التي يبدو أنها ستحلّ عاجلاً أو آجلاً؟



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا